عشبة غازية تلتهم الأراضي الزراعية في ريف تعز وتفاقم معاناة المزارعين

في وادي الضباب، الذي كان يُعرف لعقود بسلة تعز الغذائية، لم يعد الجفاف وحده يهدد المزارعين، بل أضيف إلى ذلك عشبة غازية اجتاحت الأراضي الزراعية، وقضت على المحاصيل والمراعي، لتدفع عشرات الأسر إلى فقدان مصدر رزقها وسط غياب أي تدخل فعّال لاحتواء الكارثة.

رانيا عبد الله

اليمن ـ عشبة واحدة تنتج آلاف البذور، لكنها حصدت أرزاق مئات المزارعين. في وادي الضباب بتعز، تحولت الأراضي الخصبة إلى مساحات يغزوها نبات دخيل، بينما يقف السكان عاجزين في مواجهة خطر يتسع يوماً بعد آخر.

كانت صفية أحمد وأسرتها تعتمد بشكل كامل على الزراعة لتأمين احتياجاتها اليومية، إذ كانت تجني من أرضها مختلف أنواع الخضروات والفواكه وتبيعها لتوفير مصدر دخل ثابت. إلا أن هذا الواقع تبدّل خلال العامين الماضيين بعد انتشار عشبة غازية اجتاحت الأراضي الزراعية، لتتحول مساحات واسعة من الأراضي الخصبة إلى أراضٍ شبه قاحلة، وتتراجع معها المحاصيل بشكل كبير.

تقول صفية أحمد، وهي إحدى المزارعات في قرية الصياحي بوادي الضباب غرب مدينة تعز "كنا نزرع الفلفل والبامية والكزبرة وغيرها من الخضروات، وكانت الأرض تكفينا وتوفر لنا مصدر رزقنا، لكن اليوم لم يعد بإمكاننا زراعة أي شيء".

ويؤكد المزارعون في المنطقة أنهم لا يعرفون اسم هذه العشبة، إلا أنهم يلمسون آثارها المدمرة يوماً بعد آخر. وتضيف "منذ عامين ظهرت هذه الشجرة في الوادي، ولا نعرف من أين جاءت. كل ما نعرفه أنها أفسدت الزراعة وأثرت على المواشي، ولم يعد لدينا مصدر رزق نعتمد عليه".

اشتهر وادي الضباب لعقود طويلة بكونه أحد أهم الأودية الزراعية في محافظة تعز، وكان يُعرف بـ "حديقة تعز" لما يمد به المدينة ومحافظات أخرى من الخضروات والفواكه ذات الجودة العالية. لكن المزارعين يؤكدون أن الوادي فقد كثيراً من هذه المكانة خلال السنوات الأخيرة نتيجة الجفاف وانتشار هذه العشبة الغازية.

 

الجفاف يضاعف الأزمة

لم يقتصر تأثير العشبة على المحاصيل الزراعية، بل امتد إلى الثروة الحيوانية أيضاً. فقد اضطرت المزارعة رحمة علي إلى بيع الأبقار والأغنام التي كانت تمتلكها بعد اختفاء النباتات الرعوية، وتقول "كنا نعيش من خير الوادي، وكانت لدينا الأبقار والأغنام، لكن الجفاف أخذ منا الكثير، ثم جاءت هذه الشجرة لتقضي على ما تبقى".

وتضيف أن الحيوانات ترفض الاقتراب من هذه العشبة "الأبقار والأغنام وحتى الإبل لا تأكلها، لذلك تستمر في الانتشار حتى تقضي على بقية النباتات، ولم يعد أمامنا سوى بيع مواشينا".

 

نبات غازي سريع الانتشار

تُعرف هذه النبتة علمياً باسم البارثينيوم (Parthenium hysterophorus)، وتُعد من أخطر النباتات الغازية في العالم. ووفقًا لشبكة الآفات الغازية للغابات في آسيا والمحيط الهادئ، تمتلك هذه العشبة قدرة كبيرة على التكيف مع مختلف البيئات، إذ تنتج النبتة الواحدة ما بين 10 آلاف و25 ألف بذرة صغيرة تنتقل بسهولة عبر مياه السيول والمركبات والمواشي، وتبقى قادرة على الإنبات في التربة لسنوات.

ورغم المحاولات المتكررة للتخلص منها، يؤكد المزارعون أن جهودهم لم تحقق نتائج تذكر، حيث تقول رحمة علي "كلما اقتلعنا شتلة صغيرة وجدنا حولها عشرات الشتلات الجديدة، حتى أصبح الوادي كله مغطى بها، ولم يعد أي محصول قادراً على النمو"، ولا تقتصر أضرارها على الزراعة، إذ تشير إلى أن مجرد ملامستها يسبب حكة شديدة وتورماً في الجلد.

وفي المقابل، يشكو المزارعون من غياب أي تدخل رسمي لمعالجة المشكلة، مشيرة إلى أنه "لم يزرنا أحد من مكتب الزراعة، ولم يقدم لنا أي إرشادات أو حلول. حاولنا إحراقها والتخلص منها بوسائل مختلفة، لكننا لم ننجح".

وتختتم رحمة علي حديثها قائلة "أصبحنا نشاهد أرضنا وهي تتدهور أمام أعيننا دون أن نستطيع فعل شيء. جرّبنا كل الوسائل التي نملكها، واليوم لم يعد أمامنا سوى انتظار تدخل الجهات المختصة والمنظمات الزراعية لإنقاذ ما تبقى من أراضينا ومصدر رزقنا".

 

السكان يواجهون الأزمة بمفردهم

الناشطة داليا محمد، وهي من أبناء المنطقة، توضح أن الجفاف الذي تعاني منه المنطقة منذ عامين تسبب في تراجع النشاط الزراعي بشكل كبير، بينما فاقم انتشار هذه العشبة من معاناة السكان.

وتقول "الجفاف وأزمة المياه دمرا الزراعة إلى حد كبير، ثم جاءت هذه الشجرة لتزيد الوضع سوءاً. انتشرت في كل مكان، ولا يزال الأهالي يجهلون اسمها أو طبيعتها".

وتضيف أن أي محاولة لزراعة المحاصيل أو حتى النباتات العلفية المحلية تنتهي بالفشل بسبب سرعة انتشار هذه العشبة، مؤكدة أن كثيراً من الأسر فقدت مصدر دخلها الوحيد.

وتنتقد داليا ما تصفه بغياب الجهات المختصة، مؤكدة أن مكتب الزراعة والسلطة المحلية لم ينفذا أي برامج لمكافحة العشبة أو دعم المزارعين أو تحسين إدارة الموارد المائية، الأمر الذي ترك السكان يواجهون الأزمة بمفردهم.

وبحسب وحدة الري في وزارة الزراعة والري والثروة السمكية، دخلت عشبة البارثينيوم إلى اليمن عبر شحنات الحبوب والأعلاف المستوردة، قبل أن تنتشر في المحافظات الساحلية مثل عدن وأبين ولحج والحديدة، ثم تمتد إلى الأودية الزراعية وضفاف قنوات الري، وساعدت التغيرات المناخية على توسع انتشارها.

ومكافحتها تتطلب خطة متكاملة تشمل الرصد المبكر، والاقتلاع اليدوي قبل مرحلة الإزهار مع استخدام معدات الوقاية، ثم حرق النباتات أو دفنها بطريقة آمنة، إلى جانب تنظيف المعدات الزراعية ومراقبة السماد البلدي، واستخدام المبيدات المتخصصة تحت إشراف فني عند الضرورة.