حرائق الغابات تتجدد كل عام... النيران تلتهم زاغروس

تشهد زاغروس منذ سنوات طويلة دورة متكررة من حرائق الغابات؛ تغذيها هشاشة الإدارة، ونقص الإمكانات، وتراجع دور المؤسسات المدنية، وفي خضم هذه الأزمة، لا تحترق الغابات وحدها، بل تحصد أيضاً أرواح المدافعين عن الطبيعة.

مركز الأخبار ـ رغم أن أمطار الربيع الغزيرة في زاغروس تبدو للوهلة الأولى بشرى سارة للطبيعة، فإنها في ظل الظروف المناخية الحالية تُظهر سريعاً وجهاً آخر فكلما ازداد الغطاء النباتي كثافة ووفرة خلال فصل الربيع، تحوّل في الصيف إلى مخزون هائل قابل للاشتعال، وقد انعكس هذا التناقض أيضاً في التحذيرات الرسمية الصادرة هذا العام.

أعلنت محافظة لورستان أن الأمطار الجيدة أسهمت في ازدهار الغطاء النباتي ونموه بشكل ملحوظ، إلا أن هذه الظروف نفسها رفعت من احتمالات اندلاع الحرائق، وبذلك أصبحت زاغروس اليوم أكثر اخضراراً، لكنها في الوقت ذاته أكثر هشاشة؛ طبيعة تستعيد حيويتها في الربيع، ثم تتحول إلى كارثة مع أول شرارة في حرارة الصيف.

         


        

ولا تحترق الغابات فقط، بل تحترق معها أيضاً أرواح المدافعين عن الطبيعة، أي أن بعض الناشطين والمتطوعين يفقدون حياتهم أثناء مكافحة الحرائق أو الدفاع عن البيئة.

وعلى مستوى العوامل البشرية، يظهر نمط متكرر وواضح يتمثل في إحراق بقايا المحاصيل الزراعية (القش وبقايا الحصاد) وانتقال النيران منها إلى المناطق الطبيعية، وقد صرّح قائد وحدة حماية الموارد الطبيعية عام 2024 بأن إشعال المزارعين لبقايا المحاصيل كان العامل الأكثر تأثيراً في اندلاع الحرائق الأخيرة في زاغروس.

في شرق كردستان لا تلتهم النيران الطبيعة فحسب، بل تكشف أيضاً عن أبعاد سياسية كامنة، ومن هنا يبرز مفهوم "الإيكولوجيا السياسية"؛ أي عندما يصبح الحفاظ على الغابات مرتبطاً بشكل مباشر بالتنظيم المدني، والمطالبة بالحقوق على المستوى المحلي، وحتى بمقاومة تحويل القضايا البيئية إلى ملفات أمنية.

وتُعد جمعية جيا الخضراء في مدينة مريوان شرق كردستان من أبرز المنظمات البيئية غير الحكومية، إذ تنشط منذ عام 1999، إلا أن هذه الجمعية وأعضاءها تعرضوا مراراً لضغوط أمنية، ففي عام 2011 أعلنت منظمة العفو الدولية عن اعتقال الناشط البيئي فرزاد حق‌شناس، وفي عام 2019 أسفرت مداهمة مشتركة نفذتها قوات الحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات والشرطة لاجتماع الجمعية السنوي في منطقة قرب مريوان عن اعتقال ما لا يقل عن 25 شخصاً، كما أُفيد في عام 2023 باعتقال أكثر من 35 عضواً من الجمعية خلال اجتماعها السنوي ونقلهم إلى مكان مجهول.

ويُعد هذا الطابع الأمني جزءاً من الأزمة نفسها؛ ففي الوقت الذي يُفترض فيه دعم الجهود الرامية إلى حماية البيئة وتعزيز المؤسسات المدنية، يواجه المدافعون عن الطبيعة الشكوك والضغوط.

         


        

وترتبط الذاكرة الجماعية لمنطقة زاغروس، ولا سيما في سنه وكرمانشاه، بأسماء أشخاص لم يعودوا يُعرفون فقط كناشطين بيئيين، بل أصبحوا يُنظر إليهم بوصفهم "شهداء البيئة"؛ أولئك الذين فقدوا حياتهم في الخطوط الأمامية للدفاع عن الأرض وغابات البلوط.

على مستوى الحوكمة والإدارة، تتجاوز القضية مجرد نقص تقني بسيط، فقد أشارت دراسة علمية نُشرت عام 2022 بوضوح إلى أن إيران تعاني من نقص في الكوادر المتخصصة، وافتقار قواعد طوارئ مخصصة للغابات، وضعف في منظومة الإسناد الجوي لمكافحة الحرائق، كما أن فرق الإطفاء غالباً ما تواجه صعوبات في الوصول السريع إلى مصادر المياه أو إلى مواقع الحرائق.

وأظهرت التقارير الإعلامية المتعلقة بحريق خائيز أن المروحيات وصلت بعد عدة أيام من اندلاع الحريق، إذ لم تُرسل إلا بعد صدور توجيهات مباشرة من أعلى المستويات الرسمية.

وفي لورستان والمناطق الجبلية الأخرى، شدد مسؤولون محليون مراراً على ضرورة توفير مروحيات متخصصة لإلقاء المياه، لذلك، لا تتمثل الأزمة في غياب أداة أو اثنتين فحسب، بل في غياب منظومة احترافية متكاملة لمكافحة حرائق الغابات، تشمل قواعد ثابتة للطوارئ، وكوادر مدربة، وتنسيقاً فعالاً بين المؤسسات المختلفة.

وإلى جانب ذلك، تحدثت تقارير فنية وإعلامية عن تراكم الديون والتأخيرات الإدارية، وهي عوامل أسهمت بدورها في تفاقم الأزمة، وبدلاً من بناء منظومة استجابة سريعة وفعالة، فضّل بعض المسؤولين إرجاع الأسباب إلى سلوك المزارعين أو إهمال المواطنين أو هبوب الرياح المفاجئة، في حين تُظهر الوقائع أن إحراق بقايا المحاصيل الزراعية، والجفاف الممتد، وغياب قواعد الإسناد الجوي، وتأخر وصول المساعدات، والتعامل الأمني مع المتطوعين البيئيين، كلها عوامل شاركت في صناعة هذه الكارثة.

وفي النصف الأول من عام 2024 تم تسجيل 697 حريقاً في المناطق الطبيعية، فيما التهمت النيران 460 هكتاراً من منطقة خائيز، أما في عام 2023، فقد سُجلت 1704 حرائق أثرت على أكثر من 12 ألف هكتار من الأراضي الطبيعية.