النظام البيئي في ظل الصراع... الحرب الخفية المدمرة

لقد تجاوز الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل الساحة العسكرية وامتد ليشمل الطاقة والمياه والنظام البيئي، حيث أصبحت الطبيعة "الضحية الصامتة للحرب"، ويخلق تدمير البنية التحتية والتلوث أزمة دائمة للبيئة والأمن البشري في الشرق الأوسط.

برشنك دولتياري

مركز الأخبار ـ لم يعد الصراع الحالي بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مجرد مواجهة عسكرية تقليدية محصورة ضمن حدود القواعد والقوات العسكرية، حيث يُظهر هذا الصراع أنه اتسع لتشمل البنية التحتية الحيوية، موارد الطاقة، وحتى النظم البيئية الطبيعية. في هذا الإطار، تُصبح الطبيعة جزءاً لا يتجزأ من جغرافية الصراع؛ حيث إن تدمير المصافي وخزانات الوقود والمنشآت الحيوية له عواقب تتجاوز الحسابات العسكرية.

تُظهر تجربة الحروب المعاصرة أن الصراعات الحديثة لا تقتصر على تدمير البنية التحتية والخسائر البشرية؛ بل إنها تخلق أيضاً طبقة أعمق من الدمار يمكن تسميتها "الحرب ضد النظام البيئي"، والتي يمكن دراستها في إطار نظرية "الأمن البيئي في الحروب الجيوسياسية"، حيث لا تستهدف حروب القرن الحادي والعشرين الحدود السياسية فحسب، بل تستهدف أيضاً التوازنات البيئية الإقليمية.

الصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، والذي دخل أسبوعه الثالث، تحول إلى أزمة متعددة الأوجه أثر في آن واحد على البيئة والاقتصاد والأمن البشري. فقد أدى الضجيج المستمر للانفجارات وتحليق الطائرات المسيرة والهجمات الصاروخية إلى تعطيل الأنماط البيولوجية للحيوانات والطيور، وتحويل مواطنها الطبيعية إلى بيئات غير آمنة. وفي مناطق عديدة، غيرت الطيور المهاجرة مساراتها، وتواجه الحيوانات أزمات بسبب التلوث الضوضائي.


         


        
الانفجارات في البحر تضر بالجهاز العصبي للكائنات المائية

في البحر، تكون عواقب الصراع وخيمة بنفس القدر، فانفجارات السفن والنزاعات البحرية لا تتسبب فقط في تلوث النفط، بل إن موجات الانفجار في الماء قد تُلحق الضرر بالجهاز العصبي للأسماك والكائنات المائية الأخرى. في مثل هذه الظروف، يتحول البحر إلى ساحة معركة خفية، يموت ضحاياها في صمت.

ومع اتساع نطاق العمليات العسكرية وتزايد الهجمات على البنية التحتية الحيوية، تتفاقم تبعات الصراع في الشرق الأوسط، وتتجلى في صورة "أزمات متشابكة"، حيث تتداخل الحرب والبيئة والأمن الغذائي وموارد المياه. وفي هذا الإطار، قد يؤدي تدمير بنية تحتية كمصفاة نفط أو محطة تحلية مياه إلى سلسلة من الأزمات التي تؤثر على حياة ملايين البشر.      

ويُعد التحذير الأخير الصادر عن مكتب الأمين العام للأمم المتحدة مفهوماً في هذا السياق، إذ أعربت المنظمة عن قلقها إزاء التداعيات البيئية للهجمات على منشآت النفط ومحطات تحلية المياه في عدد من دول الشرق الأوسط، مؤكدةً أن هذه الهجمات تُشكّل الآن تهديداً مباشراً لجودة الهواء وإمدادات مياه الشرب والأمن الغذائي في المنطقة. إن استهداف البنية التحتية التي تُؤمن المياه والطاقة يعني فعلياً استهداف الأسس البيولوجية للمجتمع.

ومن الأمثلة على ذلك الهجوم بطائرة مسيرة على محطة تحلية مياه في البحرين، وهي منشأة تُعد من المصادر الرئيسية لمياه الشرب في البلاد. ومن جهة أخرى، أثار استهداف خزانات الوقود والنفط في مدن مثل طهران مخاوف بشأن انتشار التلوث على نطاق واسع وعواقبه طويلة الأمد على صحة الإنسان والبيئة.

ويُشير هذا التوجه إلى أن الحروب الحديثة قد دخلت تدريجياً مرحلة يُمكن تسميتها "حرب البنية التحتية"؛ وهي حربٌ تصبح فيها البنى التحتية للطاقة والمياه والبيئة أهدافاً استراتيجية. وفي هذا النموذج، يُعد تدمير البيئة جزءاً من منطق الضغط السياسي والعسكري.

بمعنى آخر، يمكن النظر إلى الصراع الحالي في إطار "الحروب الأيضية" وهي حروب لا تقتصر فيها معادلة القوة على القوات العسكرية فحسب، بل تشمل أيضاً دورات الطبيعة الحيوية. وفي هذا السياق، تصبح الحرب بمثابة خلل في الأيض الطبيعي للمنطقة؛ أي الدورة نفسها التي تحافظ على توازن الماء والهواء والتربة والتنوع البيولوجي.

كشف الصراع الحالي عن مؤشرات على نمط مماثل من الصراعات. ففي هذا الصراع، لا تقتصر ساحة المعركة على القواعد العسكرية أو مراكز القيادة، بل امتدت تدريجياً لتشمل البنية التحتية للطاقة، وموارد المياه، والمساحات الطبيعية.


         


        
الهجمات على منشآت النفط ومحطات التحلية

من جهة أخرى، يمكن اعتبار الهجمات على منشآت النفط أو محطات تحلية المياه شكلاً من أشكال "الضغط البيئي الجيوسياسي". ففي منطقة كالشرق الأوسط، حيث تعتمد العديد من الدول على موارد مائية محدودة وأنظمة تحلية المياه، فإن تدمير هذه البنية التحتية قد يؤدي إلى سلسلة من الأزمات، بدءاً من نقص مياه الشرب وصولاً إلى زيادة الهجرة القسرية وعدم الاستقرار الاجتماعي.

وأثارت الهجمات الأخيرة على خزانات النفط والبنية التحتية للوقود مخاوف بشأن تشكل التلوث العابر للحدود. إذ يمكن للدخان الناتج عن حرق النفط أو انبعاث المواد الكيميائية في الهواء أن ينتقل لآلاف الكيلومترات، ليؤثر على دول غير متورطة بشكل مباشر في الصراع. وهكذا، يتحول الصراع إلى ظاهرة تتجاوز الحدود السياسية، ليصبح أزمة بيئية إقليمية.

ويمكن اعتبار انفجارات مستودعات الوقود في طهران جزءاً من نمط "حرب البنية التحتية"؛ وهو نمط تصبح فيه المصافي وخزانات الوقود وخطوط نقل الطاقة والمنشآت الحيوية أهدافاً استراتيجية.

من جهة أخرى، يُعد الخليج أحد أكثر النظم البيئية البحرية هشاشةً في العالم؛ فهو نظام بيئي شبه مغلق ذو قدرة محدودة على التجدد الذاتي. ويمكن لحوادث غرق السفن، تسرب الوقود، والأنشطة العسكرية في البحر أن تُخل بهذا التوازن الدقيق وتستنزف الثروة السمكية والحياة المائية. وهذا يشكل تهديداً خطيراً ليس فقط للبيئة، بل أيضاً للاقتصاد الساحلي والأمن الغذائي لملايين الأشخاص في المنطقة.