ما بعد الحرب في إيران... اقتصاد هش في مواجهة المجهول

يقف الاقتصاد الإيراني اليوم عند نقطة حرجة؛ حيث تتشابك الأزمات البنيوية المتراكمة مع صدمات الحرب، ما يجعل معيشة المواطنين وآفاق المستقبل أكثر غموضاً واضطراباً.

برشنك دولتياري

مركز الأخبار ـ في خريف وشتاء عام 2025، كان الاقتصاد الإيراني يواجه أزمة عميقة وممتدة، بالتزامن مع اندلاع الحرب المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل التي دخلت أسبوعها الرابع، إضافة إلى تصاعد التوترات الإقليمية مع بعض الدول العربية.

أدت الهجمات الجوية المتبادلة، والتهديدات العسكرية في الخليج، وارتفاع مستوى التوتر مع دول مثل السعودية والإمارات، إلى زيادة عدم الاستقرار الجيوسياسي في المنطقة، ووضع الاقتصاد الإيراني تحت ضغط صدمات متتالية.

هذه المواجهات العسكرية لم تقتصر على آثارها الجيوسياسية، بل أدت أيضاً إلى ارتفاع الإنفاق العسكري الحكومي، وزيادة حالة عدم اليقين في الأسواق، وتقييد مسارات التجارة والتمويل، وتعزيز التوقعات التضخمية. وهكذا، فإن الأزمة الاقتصادية التي كانت تتراكم قبل الحرب باتت تظهر اليوم بشكل أكثر حدّة في حياة الناس اليومية.

فعلى سبيل المثال، خلال الأسابيع الأولى من الحرب، أدت التهديدات المتبادلة بشأن أمن طرق الطاقة في الخليج وإغلاق بعض خطوط الشحن إلى ردود فعل فورية في سوق الصرف والسلع الأساسية داخل إيران. فقد ارتفع سعر الصرف بشكل مفاجئ، وقفزت أسعار السلع المستوردة، وازدادت ندرة بعض المواد الأساسية. وهذا يوضح أن الحرب الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى التوتر مع الدول العربية، ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل أزمة تمتد مباشرة إلى الاقتصاد وحياة المواطنين.

وبحسب البيانات الرسمية والتقديرات المستقلة، تراوح معدل التضخم في عام 2025 بين 32 و40 بالمئة، ووصل بحلول نهاية خريف 2025 إلى حدود 45 ـ 46.8%، كما سجل مؤشر أسعار المستهلك في تشرين الأول/أكتوبر 2025 نمواً سنوياً يقارب 48.6 بالمئة، وهو أعلى مستوى للتضخم منذ منتصف 2023. وتشير هذه الأرقام إلى أن الاقتصاد الإيراني، بعد قمع احتجاجات كانون الأول/ديسمبر 2025، وفي ظل الحرب الإقليمية الحالية، دخل مرحلة جديدة من التضخم المتصاعد وغير المسبوق.

 

                                  

 

ملامح هشاشة بنيوية متفاقمة

في الواقع، للأزمة الحالية بُعدان أساسيان. الأول هو أن مستوى التضخم في إيران أعلى بكثير من متوسط منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي خلق فجوة ملحوظة بين الاقتصاد الإيراني واقتصادات الدول المجاورة. أما البعد الثاني فهو أن الاقتصاد الإيراني، بعد عقد من التضخم المزمن، والنمو الاقتصادي الهش، والعقوبات البنيوية، يواجه الآن صدمة ناتجة عن الحرب؛ صدمة سرعت من تفاقم المسارات والأزمات السابقة.

في مثل هذه الظروف، تحولت الحرب إلى عامل يفاقم أزمة المعيشة. فارتفاع النفقات العسكرية، وتحويل الموارد المالية نحو المجال الأمني، وتراجع الاستثمار، وعدم استقرار سعر الصرف، وارتفاع معدلات الفقر، كلها مؤشرات على أن تداعيات الصراعات الإقليمية تنتقل مباشرة إلى الحياة الاقتصادية للمواطنين. وبعبارة أخرى، فإن تزامن الحرب الخارجية مع الأزمة الاقتصادية الداخلية وضع إيران في موقع يجعل إدارة الأمن والمعيشة معاً واحدة من أعقد أزمات الحوكمة.

 

ومن منظور الاقتصاد الكلي، تُظهر المؤشرات الأخرى أيضاً صورة هشة للوضع الاقتصادي. فقد بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي قبيل الأزمة نحو 1.5%، في حين تراوح معدل البطالة بين 7 ـ 8%. وفي الوقت نفسه، يشير انخفاض الاحتياطيات الأجنبية وتحول الميزان التجاري إلى السالب؛ إلى أن الاقتصاد الإيراني كان هشاً حتى قبل اندلاع الحرب ومع بدء المواجهة، أصبحت هذه الهشاشة أكثر وضوحاً.

إن تزامن الركود الاقتصادي مع التضخم المرتفع وهو ما يُعرف في أدبيات الاقتصاد السياسي بـ "الركود التضخمي" يمثل دليلاً على أزمة بنيوية تتجاوز قدرة أدوات السياسات الاقتصادية التقليدية.

                        

 

اقتصاد ما بعد الحرب وسياسة البقاء

إن الأزمة الاقتصادية في إيران لا تقتصر على فترة الحرب نفسها؛ بل إن أحد أهم الأسئلة المتعلقة بالمستقبل هو: إذا أدت الحرب إلى سقوط الحكومة الإيرانية، فما نوع الأزمات المادية والاقتصادية التي قد تظهر في مرحلة ما بعد الحرب؟

تُظهر تجارب الدول التي مرت بمرحلة ما بعد الحرب أن انتهاء الحرب، بل وحتى سقوط الأنظمة السلطوية، لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار اقتصادي فوري. ففي كثير من الحالات، تكون مرحلة ما بعد الحرب مصحوبة بأزمات اقتصادية عميقة، وانهيار مؤسسات الدولة، واضطراب الأسواق.

فعلى سبيل المثال، واجه العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 انهياراً اقتصادياً واسعاً. فقد تضررت البنى التحتية، وتعطل النظام المصرفي، وأصبحت البطالة الواسعة أحد أبرز التحديات الاجتماعية. وعلى الرغم من امتلاك العراق موارد نفطية ضخمة، استغرق الأمر سنوات طويلة قبل أن يعود الإنتاج والتصدير إلى مستويات ما قبل الحرب.

ومثال آخر هو ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011. فبالرغم من ارتفاع عائدات النفط، أدى انهيار مؤسسات الدولة وتنافس الجماعات المسلحة إلى حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي الحاد. وتوقف إنتاج النفط مراراً، وهو العمود الفقري للاقتصاد الليبي، ودخل الاقتصاد الوطني في دوامة من الأزمات المالية والتضخم.

وفي سوريا، وبعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية، لا يزال الاقتصاد في حالة هشاشة شديدة حتى في المناطق التي تراجع فيها مستوى القتال. وفي بعض المناطق الخاضعة لسيطرة جماعات مسلحة جهادية مثل المجموعات المرتبطة بأبي محمد الجولاني أو القوى المتأثرة بالسياسات الإقليمية التركية، يشبه الاقتصاد المحلي اقتصاد الحرب والاقتصاد غير الرسمي أكثر مما يشبه نظاماً اقتصادياً مستقراً. إن الدمار الواسع للبنى التحتية، وانهيار مؤسسات الدولة، وموجات الهجرة والنزوح التي طالت ملايين المواطنين، كلها عوامل جعلت عملية إعادة الإعمار شديدة التعقيد، بحيث لم يؤدِ حتى تراجع القتال إلى انتعاش اقتصادي حقيقي.

أما تجربة أفغانستان بعد عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، فهي مثال واضح آخر. فبعد عقود من الحرب، وجد البلد نفسه أمام اقتصاد منهار، ونظام مصرفي شبه مشلول، واعتماد كبير على المساعدات الخارجية. وقد أدى توقف جزء كبير من هذه المساعدات، والعزلة السياسية، وانهيار العديد من الهياكل الإدارية، إلى انتشار الفقر والبطالة على نطاق واسع. وهكذا، لم يكن انتهاء الحرب يعني بداية التنمية، بل واجه المجتمع أزمة مزدوجة: آثار الحرب من جهة، وانهيار اقتصادي وسياسي من جهة أخرى.

تُظهر هذه التجارب أن نهاية الحرب ليست بالضرورة نهاية الأزمة. ففي العديد من المجتمعات الخارجة من الحرب، يبقى الاقتصاد لسنوات رهين الهياكل العسكرية، والشبكات غير الرسمية، ودمار البنى التحتية، مما يجعل إعادة الإعمار عملية طويلة ومعقدة تعتمد بشكل كبير على الاستقرار السياسي والدعم الدولي.

 

                    

وإذا وضعنا هذه التجارب الإقليمية إلى جانب وضع إيران، يمكن تصور سيناريو أكثر تعقيداً. فعلى الرغم من أن الاقتصاد الإيراني أكثر تنوعاً من بعض اقتصادات المنطقة، إلا أنه يعاني في الوقت نفسه من مشكلات عميقة مثل العقوبات الدولية، تآكل البنى التحتية، الأزمة المصرفية، الفساد البنيوي، والاعتماد الشديد على عائدات النفط.

وفي حال سقوط الحكومة بعد حرب إقليمية، قد تظهر عدة أزمات متزامنة كاضطراب في هيكل الحوكمة الاقتصادية وانهيار مؤقت لمؤسسات صنع القرار، وزيادة عدم الاستقرار في سوقي العملة ورأس المال بسبب عدم اليقين السياسي، واحتمال تراجع صادرات النفط خلال المرحلة الانتقالية نتيجة الفوضى الإدارية أو تضرر البنى التحتية، وكذلك ارتفاع نسبة البطالة والركود بسبب توقف الاستثمار والأنشطة الإنتاجية.

في مثل هذا الوضع، قد يواجه المجتمع ما يمكن تسميته بـ "الأزمة الانتقالية"؛ وهي حالة لا يؤدي فيها سقوط النظام السياسي إلى تحسن اقتصادي فوري، بل قد تتفاقم الضغوط المعيشية على المدى القصير.

ولهذا، تُظهر التجارب التاريخية أن الانتقال السياسي دون تخطيط اقتصادي يمكن أن يقود إلى أزمات طويلة الأمد. فإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية، واستقرار سوق الصرف، وإحياء النظام المصرفي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، كلها عمليات تستغرق سنوات.

وبالتالي، فإن الاقتصاد السياسي للحرب في إيران لا يقتصر على آثار المواجهات المباشرة، بل يجب النظر إليه ضمن إطار أوسع يربط بين الحرب، والأزمة البنيوية للاقتصاد، والسخط الاجتماعي، وتحديات الانتقال المحتمل بعد الحرب.

وفي هذا المشهد، تصبح المسألة الأساسية ليست فقط كيفية انتهاء الحرب، بل كيفية إدارة المرحلة التي تليها؛ وهي المرحلة التي ستحدد ما إذا كانت إيران ستدخل مسار إعادة الإعمار والاستقرار، أم ستجد نفسها، مثل بعض دول المنطقة، عالقة في دورة طويلة من الأزمات الانتقالية.