شنكال... من مرارة الألم إلى النضال المنظم والتحول نحو العدالة
على الرغم من أن عشرات الآلاف من الناس نزحوا، وفُقدوا، وخلّفوا وراءهم مأساةً ثقيلة، فإن المجتمع الإيزيدي يعيش بين جبهتين تاريخيتين. جراح الإبادة الجماعية العميقة، وإرادة إعادة بناء الحياة من جديد بقوته الذاتية.
رونيدا حاجي
الحسكة ـ تعرض الإيزيديون على مر التاريخ مراراً للاضطهاد والتهجير والإبادة الجماعية. ولذلك، فإن كلمة "الفرمان" في الذاكرة الإيزيدية لا تعني مجرد مرسوم أو قرار حكومي، بل ترمز أيضاً إلى حملات الإبادة والهجمات التي استهدفت القضاء على المجتمع الإيزيدي.
لم يكن التاريخ في هذه المنطقة رحيماً بالإيزيديين؛ فقد عانت هذه الديانة العريقة من مآسٍ وآلام متكررة، وكل قوة سعت إلى فرض سيطرتها على المنطقة جعلت من الإيزيديين أحد أبرز ضحاياها.
شنكال... الوطن التاريخي للإيزيديين
تقع شنكال قرب الحدود السورية والتركية وعلى بُعد نحو 80 كيلومتراً من الموصل، ما منحها أهمية استراتيجية. ويُعد جبل شنكال مركزاً تاريخياً للحياة الدينية والاجتماعية للإيزيديين، كما كان ملاذاً لهم خلال فترات الاضطهاد والهجمات، ولا سيما أثناء هجوم داعش عام 2014، حين لجأ إليه عشرات الآلاف فراراً من القتل والنزوح.
ويحمل تاريخ الإيزيديين ذاكرة طويلة من حملات الإبادة، ويُعرف هجوم داعش عام 2014 في الذاكرة الإيزيدية باسم "الفرمان الرابع والسبعون"، باعتباره الحملة الأحدث ضمن سلسلة الهجمات التي استهدفت المجتمع الإيزيدي عبر التاريخ.
شنكال قبل الثالث من آب 2014... حياة على أعتاب الكارثة
قبل اجتياح داعش لشنكال، كانت المنطقة تنبض بحياة مستقرة؛ فقد اعتمد سكانها على الزراعة وتربية المواشي والتجارة، وواصل الأطفال تعليمهم، فيما حافظ المجتمع الإيزيدي على شعائره الدينية وتقاليده بحرية. لكن مع تصاعد نفوذ داعش في العراق وسوريا عام 2014، بدأت ملامح الخطر تقترب تدريجياً من شنكال، وصولاً إلى اليوم الذي غيّر مسار تاريخها.
في الثالث من آب/أغسطس 2014، شنّ داعش هجوماً واسعاً على شنكال، بعد مرحلة من التوترات والتطورات الأمنية التي سبقت الاجتياح. وقد سبق الهجوم لقاءات وتفاهمات سياسية وأمنية إقليمية، تلاها انسحاب قوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني من المنطقة فجر ذلك اليوم، ما ترك السكان دون حماية كافية أمام تقدم داعش المدعوم بالأسلحة الثقيلة.
خلال ساعات قليلة، تمكن داعش من السيطرة على العديد من القرى والبلدات، فبدأت واحدة من أكثر المآسي قسوة في التاريخ الإيزيدي الحديث. فرّ آلاف السكان من منازلهم بحثاً عن النجاة، فيما وقع الرجال في قبضة داعش وتعرض كثير منهم للإعدام الجماعي، بينما اختُطفت النساء والفتيات والأطفال ونُقلوا إلى مناطق خاضعة لسيطرة الإرهابيين، مثل الموصل والرقة، في إطار حملة استهدفت وجود الإيزيديين وهويتهم الدينية والثقافية، وليس مجرد السيطرة على الأرض.

مأساة جبل شنكال والفرمان الرابع والسبعون
عقب هجوم داعش على شنكال في الثالث من آب/أغسطس 2014، فرّ عشرات الآلاف من الإيزيديين إلى جبل شنكال بحثاً عن الأمان، لكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين في ظروف إنسانية قاسية، حيث قضوا أياماً وليالي بلا ماء أو غذاء أو رعاية طبية. ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة، فقد العديد من الأطفال وكبار السن حياتهم بسبب العطش والجوع وارتفاع درجات الحرارة، فيما وُصفت مأساة الجبل بأنها إحدى أكبر الكوارث الإنسانية التي شهدها العالم خلال عام 2014.
ولم يقتصر هجوم داعش على القتل والتهجير، بل استهدف النساء والفتيات الإيزيديات بشكل خاص، إذ تعرّض آلاف منهن للاختطاف والاستعباد الجنسي. فقد جرى فصل النساء عن عائلاتهن، وبيع العديد منهن في أسواق خاضعة لسيطرة الإرهابيين في الموصل والرقة، كما فُصل الأطفال عن أمهاتهم.

وأوضحت تقارير الأمم المتحدة أن داعش استخدم العنف الجنسي كأداة حرب بهدف تدمير المجتمع الإيزيدي وضرب هويته ووجوده. وهو ما أكدت عليه ليلى إبراهيم، عضوة الهيئة الإدارية لاتحاد الإيزيديين السوريين، قائلةً إن فرمان الثالث من آب/أغسطس ليس مجرد حدث تاريخي، بل هو أيضاً جرح لا يزال حاضراً في وجدان المجتمع الإيزيدي حتى اليوم.
وأضافت "مرت 12 عاماً على فرمان شنكال. نستذكر بهذه المناسبة جميع الشهداء باحترام. وللأسف، كان هذا الفرمان واحداً من أصعب الفرمانات التي تعرض لها المجتمع الإيزيدي. وحتى يومنا هذا، لا يزال العديد من نسائنا وأطفالنا مفقودين. كان هدف هذا الفرمان القضاء على المجتمع الإيزيدي، لأن شنكال تمثل أساس وجود الإيزيديين ووطنهم التاريخي".
ممر إنساني من شنكال باتجاه روج آفا
وفي ظل الانهيار الأمني الذي أعقب انسحاب القوات الحكومية العراقية وقوات البيشمركة من المنطقة، تحركت وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ)، بالتعاون مع قوات الدفاع الشعبي (HPG)، لفتح ممر إنساني من شنكال باتجاه روج آفا، ما ساهم في إنقاذ آلاف المدنيين المحاصرين في الجبل وتأمين وصول المساعدات إليهم. كما شاركت هذه القوات لاحقاً في العمليات العسكرية ضد داعش، وتحرير مناطق عدة من سيطرته، ما أدى إلى إنقاذ عدد من النساء الإيزيديات المختطفات.
واكتسبت وحدات حماية المرأة مكانة خاصة لدى العديد من الإيزيديات، إذ أصبحت المقاتلات اللواتي واجهن داعش رمزاً للأمل والقوة، ومثالاً على مقاومة العنف واستعادة القدرة على الصمود. وقالت ليلى إبراهيم "وحدات حماية الشعب والمرأة هي التي أنقذت النساء والأطفال الإيزيديين من إرهاب داعش. وبشكل خاص، كان إنقاذ النساء الإيزيديات الهدف الأساسي لوحدات حماية المرأة في جميع العمليات، وقد أظهرت تضحيات كبيرة في هذا المجال".
وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان إلى أن الفرمان الرابع والسبعين خلّف أرقاماً مأساوية؛ إذ قُتل أكثر من 5 آلاف مدني، واختُطف نحو 6 آلاف و417 امرأة وطفلاً، فيما نزح ما بين 360 ألفاً و400 ألف إيزيدي من مناطقهم. كما تم اكتشاف أكثر من 80 مقبرة جماعية في شنكال، ولا يزال آلاف الأشخاص في عداد المفقودين حتى اليوم، وسط استمرار معاناة عائلات تبحث عن مصير أحبائها.

وأوضحت ليلى إبراهيم أن مصير العديد من المفقودين لا يزال مجهولاً، وأن الجهود الدولية المبذولة لفتح ملفاتهم غير كافية "شهد تاريخ المجتمع الإيزيدي العديد من الفرمانات، لكن للأسف لم يتحمل أحد مسؤولية ما حدث. ونحن في اتحاد الإيزيديين السوريين نواصل دائماً دعوة المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إلى إعادة المفقودين والكشف عن مصيرهم. وللأسف، الصمت مستمر تجاه هذه المأساة حتى اليوم".
بعد تحرير شنكال من داعش، جرى تشكيل قوات حماية شنكال، ومنها وحدات مقاومة شنكال (YBŞ) ووحدات حماية المرأة في شنكال (YJŞ). وقد لعبت هذه القوات دوراً مهماً في حماية المجتمع الإيزيدي وتأمين المنطقة كما قالت ليلى إبراهيم في ختام حديثها التي شددت على أهمية التنظيم الذاتي للمجتمع الإيزيدي، مستشهدة بمثل شعبي كردي "نحن الكرد نقول (الحجر الذي لا يؤلمك سيوقظك). ورغم كل الآلام والفرمانات، أصبح المجتمع الإيزيدي اليوم أكثر وحدة. إن تأسيس الإدارة الذاتية لشنكال، وتشكيل وحدات مقاومة شنكال (YBŞ) ووحدات المرأة في شنكال (YJŞ)، وتنظيم المجتمع لذاته، هي خطوات تاريخية تمكّن الإيزيديين من حماية أنفسهم في مواجهة أي فرمان قادم".
بيت الإيزيديين... من حماية الهوية إلى الدفاع عن الحقوق
وكان قد تأسس بيت الإيزيديين عام 2012 كمؤسسة اجتماعية تُعنى بخدمة المجتمع الإيزيدي، وحماية هويته الثقافية والتاريخية، ومعالجة القضايا التي تواجهه. إلا أن دوره توسّع بشكل كبير بعد فرمان 3 آب/أغسطس 2014 وما رافقه من إبادة جماعية ارتكبها داعش بحق الإيزيديين، حيث أصبح من المؤسسات الفاعلة في توثيق الجرائم، والدفاع عن حقوق الضحايا، ودعم الناجين، ولا سيما النساء والأطفال الذين تحرروا من قبضة داعش، إضافة إلى متابعة ملف المفقودين ومساندة عائلات الضحايا.
ويواصل بيت الإيزيديين جهوده في المجالات القانونية والدبلوماسية من أجل الاعتراف بالإبادة الإيزيدية وتصنيف جرائم شنكال كإبادة جماعية وجريمة ضد الإنسانية، إلى جانب حماية اللغة والثقافة والتاريخ والذاكرة الجماعية الإيزيدية، باعتبارها أساساً لاستمرار وجود المجتمع وهويته.
أما شنكال، التي كانت قبل إبادة 2014 موطناً لأكثر من 400 ألف إيزيدي، فقد شهدت تحولاً مأساوياً بعد هجوم داعش الذي تسبب بنزوح واسع ودمار كبير وتغييرات ديموغرافية عميقة. ورغم مرور سنوات، ما تزال عودة الكثير من العائلات تواجه عقبات كبيرة بسبب الدمار ونقص الخدمات والتحديات الأمنية، إلا أن المجتمع الإيزيدي يواصل إعادة بناء نفسه وتنظيم قواه وحماية أرضه لمنع تكرار المأساة.
اليوم، يخوض الإيزيديون، وبشكل خاص بقيادة نسائهم، نضالاً قانونياً وحقوقياً على المستوى الدولي لتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم. وقد انتقل المجتمع الإيزيدي من مرحلة الضحية إلى مرحلة المقاومة والمطالبة بالحقوق، ليؤكد أن الحفاظ على الذاكرة والهوية هو طريق بناء المستقبل.