من زاغروس إلى "Jin Jiyan Azadî"... مقاومة النساء عبر ألف عام (3)

تحول نضال حرية المرأة في شرق كردستان إلى مقاومة اجتماعية وسياسية عالمية، مستنداً إلى فلسفة "Jin Jiyan Azadî"، حيث طورت النساء أساليب نضالية تقوم على الدفاع الذاتي والتنظيم المجتمعي ورؤية ديمقراطية للحياة.

"Jin Jiyan Azadî"... البراديغما الجديدة للنساء

روجبين دنيز

مركز الأخبار ـ طورت نساء شرق كردستان عبر التاريخ أسلوب نضال قوي لمواجهة الضغوط الأبوية والأنظمة الذكورية. وتمتلك النساء في شرق كردستان رصيداً مهماً من الخبرة داخل الحركة النسائية في إيران، كما يتميزن بوعي قومي عالٍ وإحساس كبير بالمسؤولية الاجتماعية، ما يجعلهن يتعاملن بحساسية مع قضايا النساء في بقية أجزاء كردستان.

شكل الدور الذي لعبته النساء في مواجهة داعش، وهو تنظيم مسؤول عن عنف واسع النطاق وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أبرز الأمثلة على هذا الإرث التاريخي من المقاومة، حيث برزت المرأة الكردية كقوة فاعلة في الدفاع الذاتي والنضال المجتمعي.

وأفرزت الحركة النسائية في شرق كردستان، التي تتطور ضمن شعار "Jin Jiyan Azadî"، نموذجاً اجتماعياً جديداً يقوم على تنظيم المرأة الذاتي، والدفاع الذاتي، ورؤية المجتمع الديمقراطي، والحياة الجماعية. وقد أثبتت المنظمات النسائية، والتشكيلات النسائية، والمنصات العاملة في المنطقة، أن النساء لم يعدن مجرد جزء من البنية الاجتماعية، بل أصبحن القوة الطليعية في المقاومة السياسية وفي عمليات إعادة بناء المجتمع على أسس أكثر حرية ومساواة.

أما الانتفاضة الشعبية التي اندلعت بعد مقتل الشابة الكردية جينا أميني في عام 2022 وامتدت من إيران إلى العالم، فقد كشفت أن نضال المرأة من أجل الحرية بات اليوم دينامية تاريخية تتجاوز الحدود الجغرافية للمنطقة.

 

 

شهدت ثورة إيران عام 1979 دعماً واسعاً من شرائح اجتماعية متعددة، إذ اعتُبرت في بدايتها حركة من أجل الحرية والعدالة في مواجهة النظام الملكي. إلا أن الجمهورية الإسلامية التي تأسست بعد الثورة شكلت بالنسبة للنساء بداية مرحلة جديدة من القمع. فقد تم التراجع عن العديد من الحقوق القانونية والاجتماعية التي كانت النساء قد حصلن عليها في عهد الشاه، كما أُعيد تقييد حضور المرأة في المجال العام، وأصبح جسدها أحد أهم ميادين السيطرة بالنسبة للإسلام السياسي.

وبعد انتصار الثورة مباشرة، أصدر آية الله الخميني تصريحات تُلزم النساء بارتداء الحجاب داخل مؤسسات الدولة. وقد أثارت هذه التصريحات موجة غضب واسعة. وفي 8 آذار/مارس 1979، خرجت آلاف النساء في طهران ومدن أخرى في مظاهرات جماهيرية ضد فرض الحجاب الإجباري، ورفعن شعارات مثل "الحرية ليست شرقية ولا غربية، إنها كونية"، "لم نقم بالثورة كي نعود إلى الوراء". لكن سرعان ما تم قمع هذه الاحتجاجات تحت ضغط قوات النظام والتيارات المحافظة.

 

 

أعاد النظام الجديد، ولا سيما في مجال قانون الأسرة، تطبيق القواعد الإسلامية في المجالات التي تؤثر مباشرة في حياة النساء. فقد جرى تقييد حق الطلاق الذي كان ممنوحاً للنساء في عهد الشاه، وأُسندت حضانة الأطفال في الغالب إلى الرجال، كما أصبحت شهادة المرأة في المحاكم تُحتسب بنصف شهادة الرجل. كذلك خُفِّض سن الزواج، وتراجعت نسبة تمثيل النساء في العديد من المهن والقطاعات.

أما فرض الحجاب الإجباري فلم يكن مجرد تنظيم للباس، بل كان يعني إخضاع جسد المرأة لرقابة سياسية وأيديولوجية. بدأ النظام بالتحكم في شعر المرأة ولباسها وجسدها وظهورها في الفضاء العام عبر خطابي "الأخلاق" و"المجتمع الإسلامي". ولتحقيق ذلك، أُنشئت "شرطة الأخلاق" وآليات رقابية متعددة، وتعرضت النساء، خصوصاً الشابات، لضغط دائم وملاحقة مستمرة في الأماكن العامة.

ورغم كل ذلك، لم تنسحب النساء الإيرانيات من الساحة في أي مرحلة. فقد طورن أشكالاً مختلفة من المقاومة في الجامعات، وفي الصحافة، والتنظيمات السرية، وفي مجال حقوق الإنسان، وفي تفاصيل الحياة اليومية. واستمر معدل تعليم النساء في الارتفاع، حتى تجاوزت نسبة الطالبات في الجامعات في فترات عديدة نسبة الطلاب الذكور. غير أن هذا الارتفاع في عدد النساء المتعلمات جعل التناقض بين النظام والنساء أكثر وضوحاً وحدة.

رغم أن النساء أُجبرن طويلاً على العيش ضمن الحدود الصارمة التي فرضها النظام، فإنهن في الوقت نفسه كن يبحثن باستمرار عن سبل لتجاوز تلك القيود وفتح مساحات جديدة للحضور والتعبير. وقد أصبحت مرئية النساء أكثر وضوحاً في مجالات الصحافة والأدب والسينما والبحث الأكاديمي، حيث برزت أصوات نسائية مؤثرة أعادت تشكيل المشهد الثقافي. كما أن ازدياد عدد المخرجات وظهور أعمال سينمائية تتمحور حول تجارب النساء وقضاياهن شكل أحد أبرز الانعكاسات الثقافية لهذا التحول الاجتماعي المتسارع.

 

فتيات شارع الثورة

 

 

كانت إحدى أكثر أشكال العصيان المدني لفتاً للأنظار التي قامت بها النساء في إيران خلال السنوات الأخيرة هي حركة "فتيات شارع الثورة". ففي كانون الأول/ديسمبر 2017، وقفت امرأة في شارع "انقلاب" بطهران، وخلعت حجابها ولوحت به على طرف عصا، متحديةً فرض الحجاب الإجباري في الفضاء العام. وانتشرت صورتها بسرعة في أنحاء البلاد، لتتبعها نساء كثيرات بتنفيذ احتجاجات مشابهة.

قامت النساء بخلع حجابهن وتنظيم احتجاجات صامتة في الأماكن العامة. وقد واجه النظام هذه الأفعال بقمع شديد؛ إذ اعتُقلت العديد من النساء، وصدر بحقهن أحكام بالسجن، كما جرت محاولات لتشويه صورتهن أمام الرأي العام. ومع ذلك، أصبحت حركة "فتيات شارع الثورة" رمزاً لرفض النساء في إيران ليس فقط للقيود القانونية، بل أيضاً لسيطرة الدولة على أجسادهن وأنماط حياتهن.

 

التناقض الجوهري بين المرأة والدولة في إيران

يعد أحد أبرز التناقضات في نضال النساء داخل إيران أن الدولة تتعامل مع جسد المرأة بوصفه حاملاً أيديولوجياً لمنظومتها السياسية. فأسلوب لباس المرأة، وطريقة حضورها في الفضاء العام أو غيابها عنه، وسلوكها اليومي، تحولت جميعها إلى قضايا سياسية مباشرة مرتبطة ببنية النظام ذاته. ولهذا فإن أي خطوة تخطوها النساء لا تفهم باعتبارها سعياً فردياً نحو الحرية فحسب، بل تُقرأ أيضاً كنوع من الاعتراض الاجتماعي على الأسس الأيديولوجية التي يقوم عليها النظام.

وتواجه النساء الإيرانيات في الوقت نفسه قمع الإسلام السياسي من جهة، وأشكال الهيمنة المختلفة للرأسمالية الحديثة على الجسد الأنثوي من جهة أخرى. هذا التداخل بين أنماط السيطرة جعل الحركة النسوية في إيران لا تكتفي بالمطالبة بالمساواة القانونية، بل تتجه نحو مطلب أوسع يشمل التحرر الاجتماعي والثقافي والذهني.

واليوم، يمتد نضال النساء في إيران من مقاومة الحجاب الإجباري إلى الدفاع عن حرية التعبير، ومن المطالبة بحق التعليم إلى السعي نحو التمثيل السياسي. ويُنظر إلى هذا النضال ليس فقط كقضية داخلية تخص إيران، بل كأحد أهم ميادين التجربة في نضالات تحرر المرأة في الشرق الأوسط.

 

النسوية الإسلامية

هناك عدد كبير من النساء اللواتي يناضلن من أجل المساواة بين الجنسين بالاستناد إلى حجج إسلامية. وترى هؤلاء النساء أن القوانين المعادية للمرأة في إيران لا تنبع من الإسلام نفسه، بل من الرجال الذين يفسرون الإسلام ويحتكرون سلطته التأويلية. وقد بدأت الحركة النسوية الإسلامية في إيران عام 1992، حين أسست شهلا شركت مجلة "النساء"، التي استمرت في الصدور حتى حظرها عام 2008. ورغم أن كثيراً من الكاتبات في المجلة كن يعتقدن أن الإسلام والنسوية قد لا ينسجمان تماماً، فإنهن رأين أن استخدام الخطاب الإسلامي لتطوير حجج نسوية هو استراتيجية فعالة في مواجهة النظام.

وليس في إيران وحدها، بل في الشرق الأوسط عموماً منذ سبعينيات القرن العشرين، ظهرت منصات فكرية وأكاديمية سمحت بتطوير ما يُعرف بـ النسوية الإسلامية أو النسوية المسلمة. وغالباً ما كان الذين يطلقون هذا الوصف على حركات النساء المسلمات المطالبات بالمساواة ضمن الإطار الديني هم المثقفون المسلمون، والباحثون في العلوم الاجتماعية، والناشطات النسويات المسلمات.

وبحسب النسويات المسلمات، فإن الإسلام الأصلي لا يمجد الهيمنة الذكورية، بل يدعم المساواة بين الجنسين. ولذلك يقمن بنقد الفقه الإسلامي الذي تشكل تاريخياً من منظور ذكوري، ويُسائلن عن تهميش دور المرأة في التاريخ الإسلامي الكلاسيكي، وانتزاع الرجال للمعرفة والسلطة الدينية بطريقة أضرّت بالنساء. كما تفضل بعضهن استخدام مصطلح "إصلاح المرأة" بدلاً من "النسوية"، بسبب الدلالات الغربية المرتبطة بالمصطلح الأخير.

 

فخان... الأسر والحداثة

في حملة رقمية بعنوان #itsmensturn (حان دور الرجال)، أعلن رجالٌ بشكل رمزي أنهم يعيدون إلى زوجاتهم الحقوق التي سلبتها منهن الجمهورية الإسلامية. وقد جاءت هذه الحملة على خلفية حادثة مُلفتة: إذ لم تستطع قائدة منتخب إيران لكرة القدم للسيدات المشاركة في بطولة خارج البلاد بسبب زوجها. ففي أواخر أيلول/سبتمبر 2015، رغبت نيلوفر أردلان في السفر إلى ماليزيا للمشاركة في البطولة، لكنها لم تتمكن من تجديد جواز سفرها المنتهي الصلاحية لأن زوجها رفض منحها التوقيع المطلوب.

يعد البعد الجمالي وتأثير الحداثة الرأسمالية من النقاط الأخرى التي تستدعي النقاش في السياق الإيراني. فمن جهة، يفرض النظام السياسي سياسات تقيد جسد المرأة وتحدد لها كيف يجب أن تلبس وتظهر. ومن جهة أخرى، تُظهر إحدى الدراسات أن إيران هي البلد الذي تنفق فيه النساء أكبر قدر من المال على مستحضرات التجميل، كما تُعد جراحات تجميل الأنف الأكثر انتشاراً فيه على مستوى العالم. كذلك تُعد إيران من أعلى الدول في معدلات انتحار النساء.

وفي المقابل، يشهد البلد تقدماً لافتاً في مجالات أخرى، فاليوم، ثلثا طلاب الجامعات في إيران من النساء، وثلث الأكاديميين الحاصلين على الدكتوراه نساء أيضاً. ويوجد في إيران حالياً أكثر من 300 ناشرة. وتشكل النساء ثلث القوة العاملة، وهناك حتى سائقات سيارات أجرة. أما نسبة معرفة القراءة والكتابة بين النساء فقد وصلت اليوم إلى نحو 80%. وفي البرلمان الإيراني، يوجد 21 نائبة.

 

المنظمات النسائية الكردية والمرأة المقاتلة

 

 

برزت منظمة حرية المرأة في كردستان خلال السنوات الأخيرة كإحدى البنى الفاعلة في نضال حرية المرأة في روج آفا وشرق كردستان، حيث لعبت دوراً نشطاً في تنظيم النساء وتعزيز مشاركتهن في العمل السياسي والاجتماعي.

كما ظهرت منظمة "أفق المرأة الكردية" أو المنظمة النسائية لكومله بوصفها الجناح النسائي لحركة كومله، وأصبحت أكثر حضوراً بعد ثورة إيران عام 1979. وقد بدأت تنظيمات النساء في كومله منذ ثمانينيات القرن الماضي بالعمل في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية داخل كردستان الشرقية. وجاء تأسيسها بهدف تمكين النساء الكرديات من لعب دور فعال في النضال من أجل الحرية القومية، مواجهة العلاقات الأبوية والدفاع عن الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية للمرأة.

وبسبب قمع النظام الإيراني، تعمل هذه التنظيمات بشكل سري داخل شرق كردستان، بينما تُدار أنشطتها الأساسية عبر إقليم كردستان حيث تتوفر مساحة أوسع للحركة والتنظيم.

أسست "منظمة نضال المرأة في كردستان إيران" بهدف تطوير نضال النساء في شرق كردستان على مستويين متوازيين: النضال من أجل الحرية القومية الكردية ومقاومة النظام الأبوي والدفاع عن حرية المرأة وحقوقها السياسية والاجتماعية والثقافية.

اتحاد النساء الديمقراطيات في شرق كردستان ظهر كأحد أشكال التنظيم النسائي المرتبط بـ الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران (KDP‑İ / PDKİ). ورغم وجود معلومات مختلفة حول تاريخ تأسيسه الدقيق، إلا أنه يُتفق على أن البنية النسائية للحزب بدأت تتبلور بشكل مؤسسي خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي اشتدت فيها سياسات القمع التي مارستها الجمهورية الإسلامية ضد المناطق الكردية.

 

 

أما منظومة المرأة الحرة في شرق كردستان KJAR، فهي إحدى أبرز المنظمات النسائية الناشطة في شرق كردستان. تأسست المنظمة بشكل عام سنة 2014 بهدف تطوير نضال حرية المرأة، مفهوم المجتمع الديمقراطي، تنظيم المرأة الكردية على أسس جماعية.

وتعمل ضمن خط نسائي تحرري يستند إلى فكر "Jin Jiyan Azadî" (المرأة، الحياة، الحرية). وقد تأسست من أجل تعزيز العمل الذاتي للنساء، وتوسيع المقاومة النسائية ضد الدولة الذكورية.

تسعى البنى النسائية للدفاع الذاتي التي تطورت حول KJAR إلى تنظيم النساء ليس فقط في المجالين السياسي والاجتماعي، بل أيضاً في مجال الدفاع الذاتي العسكري. وفي هذا الإطار، أصبحت الوحدات النسائية المقاتلة أحد المكونات الأساسية في نضال حرية المرأة في شرق كردستان.

وانطلاقاً من هذا المسار، تأسست لأول مرة في شرق كردستان، وبقيادة النساء الكرديات، قوة دفاع ذاتي نسائية وهي قوات حماية المرأة التي تمتلك خبرة قتالية تمتد لأكثر من عشرين عاماً، وتعمل جنباً إلى جنب مع وحدات حماية شرق كردستان في المناطق الجبلية والريفية، حيث تنتشر هذه القوات بشكل منظم.

 

Jin, Jiyan, Azadî... براديغما المرأة

إن تحويل شعر المرأة أو صوتها في إيران اليوم إلى "قضية أمن قومي" يمكن فهمه بوصفه انعكاساً للخوف المتجذر لدى البُنى الأبوية التي تمتد جذورها من العصر السومري حتى الحقبة الساسانية. فأنظمة الحكم عبر التاريخ أدركت، من خلال خبرة تمتد لآلاف السنين، أنه لا يمكن استعباد المجتمع دون إقصاء المرأة من الفضاء العام. ولهذا فإن كل شكل من أشكال الضغط على هوية المرأة هو في الوقت نفسه تقييد لإمكانات تحرر المجتمع بأسره.

يظهر التاريخ أنه كلما ازداد ترسخ الدولة المركزية واتسعت سلطتها، تراجع الحيز الاجتماعي الذي تشغله المرأة. كما جرى توظيف التأويلات الدينية والمؤسسات اللاهوتية في كثير من الأحيان كأدوات أيديولوجية تهدف إلى إحكام السيطرة على المرأة وتحويلها إلى ملكية اجتماعية ورمزية تُدار وفق منطق السلطة.

في المقابل، حافظت ثقافة زاغروس على جذورها النسائية التحررية عبر الفن، ثقافة النسيج، التاريخ الشفهي، والرموز الميثولوجية، واستطاعت نقل هذا الإرث إلى الحاضر، ليبقى حياً في الذاكرة الجمعية وفي أشكال المقاومة المعاصرة.

في جغرافيا زاغروس، لم تكن "Jin, Jiyan, Azadî" مجرد شعار، بل تشكلت كخط مقاومة فلسفي واجتماعي يمنح الحياة معناها. وبعد مقتل جينا أميني، تحول الغضب الشعبي إلى انتفاضة واسعة بدأت من شرق كردستان، ثم امتدت إلى مختلف أنحاء إيران، ومنها إلى المنطقة والعالم، لتصبح موجة مقاومة نسائية عالمية الصدى.

وقد رسخت هذه الحركة مكانتها كإحدى أكبر الانتفاضات الاجتماعية في تاريخ إيران، حيث اتحدت النساء حول مطلب مشترك للحرية، وفرضن حضورهن بوصفهن قوة اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاهلها.

يُظهر هذا المسار أن فكرة حرية المرأة ليست مجرد مطلب سياسي آني، بل تستند إلى تقليد طويل من المقاومة تغذّيه الذاكرة الاجتماعية التاريخية لـ موزوبوتاميا وزاغروس. فكون مكانة المرأة أقوى في الفترات التي سادت فيها العلاقات الكومينالية يدل على أن النماذج الاجتماعية التي تقوم على حرية المرأة تحمل طابعاً أكثر ديمقراطية ومشاركة.

ويمكن النظر إلى براديغما "Jin, Jiyan, Azadî" الذي تجسد في ثورة روج آفا بوصفه امتداداً معاصراً لهذا الإرث التاريخي. كما أن النموذج المجتمعي الديمقراطي والبيئي والنسائي التحرري يحمل روابط فكرية وروحية عميقة مع مقاومة النساء في روج آفا وشرق كردستان، ويعكس استمرارية خط تحرري نسائي متجذر في هذه الجغرافيا.

 

منصة نساء شرق كردستان ـ جينا

 

 

اجتمعت خمس منظمات نسائية ناشطة في شرق كردستان تحت مظلة "منصة نساء شرق كردستان ـ جينا". ويهدف هذا الإطار المشترك إلى الجمع بين النضال القومي والنضال من أجل حرية المرأة، إضافة إلى بناء إرادة جماعية وشبكة تضامن بين نساء شرق كردستان.

وتضم المنصة كلاً من منظمة حرية المرأة في كردستان، منظمة إغاثة المرأة الكردية - نساء كومله، منظمة خبات نساء كردستان إيران، اتحاد النساء الديمقراطيات في شرق كردستان، منظومة المرأة الحرة في شرق كردستان.

وتعمل هذه المنظمات ضمن رؤية مشتركة تهدف إلى تعزيز تنظيم المرأة الكردية، وتوسيع النضال النسائي التحرري، وتطوير العمل المشترك في مواجهة سياسات الدولة الذكورية.

طورت نساء شرق كردستان عبر التاريخ ممارسة نضالية قوية في مواجهة الضغوط الأبوية والأنظمة الذكورية. وتمتلك هؤلاء النساء رصيداً مهماً من الخبرة داخل الحركة النسائية في إيران، كما يتميزن بوعي قومي عالٍ وإحساس كبير بالمسؤولية الاجتماعية، ما يجعلهن يتعاملن بحساسية مع قضايا النساء في بقية أجزاء كردستان.

وخلال المئة عام الأخيرة، كان لنساء إيران وشرق كردستان دور حاسم في مسارات الديمقراطية والحرية والتحول الاجتماعي. وقد أظهر انتشار النضال النسائي في مجالات اجتماعية متعددة أن قضايا المرأة لا يمكن حصرها ضمن إطار الأحزاب السياسية وحدها.

ولهذا برزت بشكل متزايد الحاجة في شرق كردستان إلى منصة نسائية شاملة وعابرة للأحزاب، تجمع مختلف الفاعلات في نضال المرأة. وانطلاقاً من هذه الحاجة، تأسست منصة نساء شرق كردستان ـ جينا التي عملت على توحيد ممثلات الأحزاب السياسية، النساء العاملات في منظمات المجتمع المدني، والنساء الناشطات في مختلف ميادين النضال الاجتماعي، وذلك ضمن أرضية مشتركة تعزز الإرادة الجماعية والتنظيم المشترك في مواجهة النظام الأبوي والدولة المركزية.

 

الدفاع الذاتي في حركة النساء البلوشيات

 

 

بينما تتمسك النساء بـ براديغما خاصة بهن، فإنهن يتعمقن أيضاً في خط الدفاع الذاتي ويعملن على تنظيمه. فإذا كانت النساء أول فئة اجتماعية تعرضت للاستغلال عبر التاريخ، فمن الممكن أن تكون أول تمرد وأول خط للدفاع الذاتي قد تشكل أيضاً بإرادة نسائية قادرة على تحويله إلى حركة شعبية. إن مفهوم الحرب الشعبية الثورية المتجذر بقيادة النساء يصبح الضمانة الأساسية لبراديغما حرية المرأة.

ومن سوريا إلى العراق، ومن العراق إلى إيران ومناطق مختلفة من الشرق الأوسط، امتد خط الدفاع النسائي الذي تطور بقيادة المرأة، حاملاً معه إرثاً تاريخياً من مقاومة النساء. وقد كان لانتفاضة "Jin, Jiyan, Azadî" التي جاءت رداً على السياسات القمعية للدولة الإيرانية تجاه المجتمع والنساء، تأثير واضح على النساء البلوشيات.

في 24 أيار/مايو 2026، نشر جيش تحرير بلوشستان هوية وصور امرأة قدمها بوصفها قائدة للوحدة النسائية داخل التنظيم، وتُدعى شهناز بلوش. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها جزء من محاولة التنظيم اكتساب شرعية اجتماعية وإظهار حضور النساء داخل بنيته العسكرية والسياسية. ويُعد إبراز امرأة في موقع قيادي خطوة جديدة في مسار التنظيم.

إن المرأة، ما لم تستعد حقيقتها المسلوبة من داخل البُنى الهرمية التي قيّدتها عبر التاريخ، ستظل حرية المجتمع مجرد سراب. فإعادة بناء المرأة بوصفها قوة واعية هو في جوهره رحلة عودة إلى الحقيقة الإنسانية التي جرى انتزاعها وتشويهها عبر العصور.

لقد استطاعت النساء، عبر مقاومتهن للأنظمة الصفوية والبهلوية ثم النظام الديني الحاكم وبُنى الدولة المركزية الحديثة، أن يحولن الأدوار الجندرية التقليدية، وأن يصبحن من أهم ديناميات التغيير الديمقراطي في المجتمع. ويُظهر هذا الإرث التاريخي أن هوية المرأة ليست مجرد شكل من أشكال الوجود الاجتماعي، بل هي أيضاً واحدة من أقوى التعبيرات عن مفهوم الإدارة الذاتية وفكرة الحياة الجماعية التي تطورت في مواجهة السلطة المركزية.