إيران...الانتفاضات الشعبية وانتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" (2)
في إيران، تبرز الحركات الكردية، والتنظيمات اليسارية، وحركات المقاومة الاجتماعية بقيادة النساء كديناميات رئيسية تعزّز مطلب التحوّل الديمقراطي والتحرري في مرحلة تتعمّق فيها أزمة الدولة القومية في الشرق الأوسط.
روجبين دنيز
مركز الأخبار ـ في الجزء الأول من الملف الذي تناول البنية السياسية والاجتماعية في إيران، جرى تحليل الخلفية التاريخية للبلاد، والأسس الأيديولوجية للنظام، وموقع شرق كردستان داخل هذا البناء. أمّا في الجزء الثاني فيتم تناول الانتفاضات الشعبية التي شهدتها إيران، وتأثيرات انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" التي برزت بقيادة النساء على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.
تعمّق الأزمات السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط يعيد طرح المشكلات البنيوية التي أفرزها نظام الدولة القومية. أمّا في إيران، فإن انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" التي تصاعدت خصوصاً بقيادة النساء، تعزّز السعي نحو بناء نظام ديمقراطي، بيئي، ومتحرر للمرأة في مواجهة الأنظمة الاستبدادية. ويشدد على أن البنية المتعددة الهويات والثقافات في المنطقة تفرض حلاً ديمقراطياً، وأن هذا الحل لا يمكن أن يتحقق عبر التدخلات الخارجية، بل من خلال النضال المشترك للشعوب واعتمادها على دينامياتها الداخلية.
التنظيم السياسي والعسكري للكرد
لقد لعبت الحركات والأحزاب المعارضة البارزة في المناطق الكردية دوراً مهماً في هذه العملية. فالنضال الذي تخوضه التنظيمات الكردية ضد النظام الإيراني استمر من الماضي وحتى اليوم دون انقطاع. ومن بين هذه التنظيمات يعد حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) واحداً من أكثرها تأثيراً. يتبنى PJAK الذي تأسس في 4 نيسان/أبريل 2004، نموذج المجتمع الديمقراطي والبيئي والمتحرر للمرأة.
ويُنظم PJAK وفق نظام الرئاسة المشتركة، ويعتبر خوض النساء والرجال للنضال المشترك، وتطوير الإرادة المشتركة، وتحقيق التمثيل المتساوي مبدأً أساسياً له. كما يمتلك PJAK نشاطات سياسية ومدنية. وتُدار هذه النشاطات عبر كودار بوصفها البنية المدنية، ومنظومة المرأة الحرة في شرق كردستان (KJAR) بوصفها تنظيم المرأة. ومن خلال هذه البُنى، يمتلك الحزب شبكة واسعة من التنظيم السياسي والاجتماعي. وقد طوّر تنظيماً مهماً في إيران، وفي شرق كردستان، وفي الشتات.
كما يمتلك PJAK جناحاً عسكرياً أيضاً. وينظَّم هذا الجناح عبر قوات الكرِیلا التي تضم وحدات الدفاع عن شرق كردستان (YRK) وقوات الدفاع عن المرأة (HPJ). وخلال السنوات العشرين الأخيرة، برز PJAK كأحد أكثر الأحزاب الكردية نشاطاً في مواجهة النظام الإيراني، ويتبنى في خطه الأساسي الوحدة "الوطنية الكرد" و"تحرير المرأة".
يعد الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ إيران (PDK-I) أحد أقدم وأبرز الأحزاب الكردية في إيران تاريخياً. وهناك بنية سياسية أخرى هي منظمة النضال لكردستان إيران (سازمان خبات) التي يتولى أمانتها العامة بابا شيخ حسين. تأسست المنظمة بعد الثورة الإيرانية عام 1979 مباشرةً على يد علماء دين كرد سُنة مثل الشيخ ناصر سبحاني، وتعرف نفسها بأنها "حركة إسلامية لا تلجأ إلى العنف".
أما جماعة عمال كردستان وحزب حرية كردستان (PAK) فتمتلكان اليوم تأثيراً محدوداً مقارنة بالماضي. تأسست جماعة عمال كردستان بقيادة رضا كعبي عام 2007 بعد انشقاقها عن جماعة العمال الثوريين لكردستان إيران. وأعلنت الجماعة في 19 آب/أغسطس 2017 قرارها خوض كفاح مسلح ضد إيران.
وتُعرف بعض هذه التنظيمات في الأوساط السياسية الكردية عموماً باسم "كومله"، الذي تأسس عام 1979، ويعتمد في نشاطه السياسي على علاقاته مع مجموعة من المعارضة الإيرانية الأخرى في الولايات المتحدة، ويتبع الحزب سياسة تركز على الاتصالات الدبلوماسية، وأنشطة الضغط الدولي، والحضور الإعلامي. ويُقال إن لدى التنظيم قوة من البيشمركة يبلغ عددها نحو 1000 مقاتل.
لقد اكتسبت الثورة الاجتماعية التي رفعت شعارات "Jin Jiyan Azadî" طابعاً مشتركاً من خلال إعلان موحد. كانت الأحزاب الكردية المذكورة قد أقامت في الماضي تحالفات ثنائية أو ثلاثية حول عناوين محددة. ومع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وفي ظل أجواء الحرب في المنطقة، يُنظر إلى هذه المرحلة على أنها فترة قد تشهد من جهة تصاعد هجمات الإبادة ضد الكرد، ومن جهة أخرى بروز فرص سياسية جديدة. وفي هذا السياق، اتجهت الأحزاب الكردية في شرق كردستان نحو تشكيل تحالف مشترك.
يتمثل الهدف الأساسي لهذا التحالف في ترسيخ أسس الوحدة الوطنية في شرق كردستان. وفي هذا الإطار، توصلت الأطراف إلى إعلان مشترك يضم مبادئ محورية، أبرزها الاعتراف بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره وفق المعايير الدولية، وإقامة نظام إداري ديمقراطي وتعددي يستند إلى إرادة شعب شرق كردستان، وبناء نموذج حكم علماني وديمقراطي، وضمان حقوق جميع المكونات القومية والدينية، والدفاع عن حقوق المرأة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، واعتماد سياسات لحماية البيئة ضمن منهجية الإدارة. كما يُنظر إلى هذا التحالف بوصفه خطوة أساسية في تعزيز الثورة الاجتماعية التي برزت مع انتفاضة "Jin Jiyan Azadî"، ودفعها نحو التحول إلى بنية مؤسسية ومجتمعية أكثر رسوخاً في هذه المرحلة.
الانتفاضات الشعبية في عهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية
بعد الثورة الإسلامية التي شهدتها إيران عام 1979، أُعيد تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والقانونية، وكذلك الحياة الاجتماعية، وفق سياسات تستند إلى قواعد الشريعة. ويُلاحظ في تاريخ إيران تكرار الثورات والثورات المضادة، وفي هذا السياق جرى تحديد قضايا مثل لباس النساء وحقوقهن وواجباتهن من خلال تشريعات قانونية واضحة.
وبموجب القوانين الجديدة، جرى تهميش وجود المرأة وإرادتها إلى حدّ كبير، وبدأ إقصاؤها عن الحياة العامة. ومن أوائل الخطوات التي جعلت سياسات القمع ضد النساء منهجاً ممنهجاً في عهد الجمهورية الإسلامية ما حدث بين 8 و14 آذار/مارس 1979. ففي تلك الفترة خرجت النساء إلى الشوارع لمدة ستة أيام احتجاجاً على إعلان فرض الحجاب الإلزامي. وقد أُبلغت النساء بأن عدم ارتداء الحجاب سيؤدي إلى منعهن من دخول المؤسسات الرسمية والفضاءات العامة. وخلال هذه الأيام الستة تصاعدت الضغوط وعمليات فرض الحجاب على النساء بشكل كبير.
وفي تلك المرحلة بدأ ترسيخ النظرة التي تعتبر جسد المرأة وشعرها "جريمة" أو "خطيئة". ولم ينظر إلى هذه الأيام الستة باعتبارها مجرد انتهاكات فردية للحقوق، بل كإشارة إلى سياسات قمعية جذرية ينتهجها النظام لفرض تحول اجتماعي وثقافي قسري. ومع مرور الوقت، أدت هذه الممارسات إلى توسع السياسات القمعية ضد المنظمات النسائية والحركات النسوية في إيران.
انتفاضة الطلاب عام 1999: اندلعت احتجاجات قادها طلاب الجامعات، وعرفت لاحقاً باسم "احتجاجات طلاب إيران في تموز/يوليو 1999". بدأت الأحداث في مهاجع جامعة طهران (كوي دانشكاه)، ثم اتسعت رقعتها سريعاً واستمرت بين 9 و14 تموز/يوليو. وقعت هذه الانتفاضة خلال فترة رئاسة محمد خاتمي. وخلال الاحتجاجات، اعتُقل عدد كبير من الطلاب، وفقد بعضهم حياتهم، كما قمعت قوات الأمن المظاهرات بعنف شديد.
انتخابات الرئاسة 2009 ـ 2010: في هذه الفترة صوّت جزء كبير من الشعب لصالح مير حسين موسوي، الذي كان يدعو إلى تغيير في بنية النظام ويميل إلى رؤية أكثر علمانية. غير أن اتهامات واسعة ظهرت بشأن تزوير الانتخابات وسرقة أصوات الناخبين لصالح محمود أحمدي نجاد لضمان إعادة انتخابه. على إثر ذلك خرج الناس إلى الشوارع مردّدين شعار "أين صوتي؟". وقد قمعت الدولة هذه الانتفاضة الشعبية بقوة. وسجلت هذه الأحداث كمرحلة برز فيها مطلب تغيير النظام في إيران بشكل أوضح وأقوى.
انتفاضة مشهد عام 2017: اندلعت في الفترة بين كانون الأول/ديسمبر 2017 وكانون الثاني/يناير 2018 احتجاجات شعبية في مدينة مشهد والمناطق المحيطة بها، نتيجة البطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. وانتشرت هذه الانتفاضة سريعاً لتشمل نحو 100 مدينة في مختلف أنحاء إيران، لتسجل كأحد أوسع الحركات الشعبية في البلاد. وقد واجه النظام هذه الاحتجاجات بقمع شديد، ما أدى إلى سقوط عدد من القتلى واعتقال الكثيرين وتعرضهم للتعذيب.
انتفاضة "الأربعاء الأبيض" 2017: أدت القيود التي فرضها النظام على النساء في الحياة الاجتماعية، إلى جانب الضغوط التي مارسها التيار الديني المحافظ، وفرض القواعد الصارمة والحجاب الإلزامي، إلى تصاعد الغضب بين النساء الإيرانيات. ويعد رفض الحجاب الإلزامي أحد أقدم أشكال الحركة النسوية في إيران منذ الأيام الأولى بعد الثورة. ورغم تعرض هذه الحركة للتضييق في فترات مختلفة، فإنها استمرت حتى اليوم، ولم تتوقف احتجاجات النساء ضد سياسات النظام بشكل كامل.
وفي هذا السياق، استعاد الحراك النسوي زخماً كبيراً عام 2017 من خلال احتجاج بارز في ساحة الثورة بطهران، حيث قامت امرأة بخلع حجابها وتحويله إلى رمز احتجاجي، ما أثار صدى اجتماعياً واسعاً. وسرعان ما تحول هذا الفعل إلى موجة احتجاجات أوسع تقودها النساء. وقد عرفت هذه التحركات لاحقاً باسم "حركة الأربعاء الأبيض"، وأصبحت أحد أبرز أشكال المقاومة الاجتماعية التي تقودها النساء في إيران.
احتجاجات رفع أسعار الوقود عام 2019: اندلعت في عام 2019 موجة واسعة من الاحتجاجات الشعبية عقب قرار رفع أسعار الوقود. وقد اتسعت رقعة هذه الانتفاضة بسرعة، وتحولت إلى حركة احتجاجية كبيرة. ووفقاً لمصادر غير رسمية، قتل ما يقارب 2500 شخص خلال قمع النظام لهذه الاحتجاجات إ ضافة غلى اعتقال آلاف آخرين.
انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" عام 2022: أدى اعتقال جينا أميني من قبل "شرطة الأخلاق" بحجة ظهور جزء من شعرها، وما تعرضت له من تعذيب ثم وفاتها، إلى انفجار موجة غضب شعبي عارم في إيران وشرق كردستان. وسرعان ما تحول هذا الحدث إلى احتجاجات واسعة تقودها النساء، امتدت إلى مختلف أنحاء إيران وشرق كردستان، والمنطقة، والعالم.
وقد تطور الحراك الذي التف حول شعار ""Jin Jiyan Azadî، إلى انتفاضة اجتماعية شاملة، واعتبره كثيرون بمثابة ثورة نسائية. هذه الانتفاضة التي تمحورت حول حرية المرأة هزت أركان النظام الأبوي، وأصبحت إحدى أقوى التحديات التي واجهها النظام الإيراني في تاريخه الحديث. واستمرت هذه الاحتجاجات التي قادتها النساء لأكثر من عامين، وخلفت صدى عالمياً واسعاً.
كما أن استناد هذه الانتفاضة إلى فلسفة القائد عبد الله أوجلان، أسهم في ربطه فكرياً وأيديولوجياً بثورة روج آفا. وقد واجه النظام هذه الانتفاضة بقمع شديد، ما أدى إلى مقتل آلاف الأشخاص واعتقال الآلاف، إضافة إلى تنفيذ أحكام إعدام بحق بعض المعتقلين. ولا تزال العديد من النساء اللواتي قدن هذه الانتفاضة محتجزات في السجون الإيرانية في ظروف قاسية.
انتفاضة عام 2025: أدّت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في إيران، وتدهور الأوضاع المعيشية، وعيش جزء كبير من الشعب تحت خط الفقر، إلى اندلاع احتجاجات بدأت أولاً من فئة التجار. وسرعان ما اتسعت رقعة هذه الاحتجاجات لتشمل مختلف أنحاء البلاد. وقد ساهمت سياسات الدولة القمعية، وإجراءاتها التي عمقت الأزمة الاقتصادية، وتعاملها العنيف مع المطالب الشعبية، في تصاعد الغضب الشعبي واتساع نطاق الانتفاضة.
استمرت هذه الاحتجاجات، التي بدأت في أواخر عام 2025، لأكثر من شهرين. وخلالها قُتل عدد كبير من الأشخاص. ووفقاً للبيانات الرسمية، بلغ عدد القتلى نحو 35 ألف شخص، بينما تشير مصادر محلية وشهادات من الأهالي إلى أن العدد تجاوز 50 ألفاً، ومعظم الضحايا كانوا من الشباب، نساءً ورجالاً.
كما شهدت إيران خلال هذه الفترة ارتفاعاً ملحوظاً في أحكام الإعدام. ويُذكر أن فترات صعود الانتفاضة الشعبية المرتبطة بشعار "Jin Jiyan Azadî"، وكذلك خلال الانتفاضة الأخيرة، شهدت زيادة كبيرة في تنفيذ الإعدامات. وعلى الرغم من اعتقاد النظام بأن القمع والقتل والإعدامات قد يضمنون بقاءه، فإن هذه الانتفاضات أدّت إلى إضعافه بشكل واضح، وإلى تراجع شرعيته وفقدانه جزءاً كبيراً من الدعم الشعبي. وقد لعبت مقاومة الشعب، وخاصة النساء، دوراً بارزاً في زعزعة أركان النظام.
وزاد الوضع تعقيداً مع اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في 28 شباط/فبراير الفائت، حيث أدى مقتل خامنئي وعدد من القيادات المقربة منه في اليوم الأول للحرب إلى تعميق الأزمة الداخلية في البلاد.
موقف الحركة النسوية
منذ البداية، أكدت الحركات النسوية أنها ليست جزءاً من أي طرف في هذه الصراعات، وأنها تدافع عن نموذج حكم ديمقراطي يستند إلى حرية المرأة والمساواة الاجتماعية وإرادة الشعوب. وفي هذا السياق، شكلت التطورات في إيران وشرق كردستان أرضية لارتفاع صوت مطالب الحرية لدى الشعوب والنساء ومختلف المكوّنات الدينية والاجتماعية. ومن الواضح أن هذه المرحلة من التحوّل في المنطقة قد تفتح الباب أمام فرص مهمة لبناء نظام ديمقراطي جديد.
أزمة إيران
إنّ الدول القومية التي شيّدتها قوى الحداثة الرأسمالية في الشرق الأوسط والعالم، وفق مصالحها الأيديولوجية، لم تكن يوماً دولاً للشعوب، ولا سيما النساء. بل على العكس، فقد تأسست هذه الدول على ركائز القومية والدينوية والذكورية، وفرضت سياسة أحادية وإقصائية قائمة على القمع والتذويب. وقد جرى بناء منظومة متكاملة حول مفاهيم الوطن والأمة والدولة والعلم والطقوس الدينية، تُستخدم عبر القوانين والأجهزة الأيديولوجية لإبقاء المجتمع، وخاصة النساء، داخل شبكة من المشكلات البنيوية المتواصلة. ومع مرور الزمن، سعت هذه الأنظمة إلى جعل هذه الأزمات وكأنها قدر محتوم على شعوب الشرق الأوسط، بينما هي في الحقيقة نتاج أزمة بنيوية وظرفية فُرضت على المنطقة.
وفي المرحلة الراهنة، وبينما تتفكك الهياكل القومية التي دفعت شعوب الشرق الأوسط نحو الخراب، تخلّف وراءها مآسي تشبه ما يحدث في غزة. فالأزمة التي تعصف بالمنطقة لم تعد محصورة في الشرق الأوسط وحده، بل باتت أزمة عالمية أشعلت فتيل حرب عالمية ثالثة. ورغم أن هذا التعبير يبدو سهلاً على اللسان، إلا أن ما يجري على الأرض هو مأساة إنسانية كبرى. فالبربرية والعنف والكراهية المتجذّرة بين الأطراف المتصارعة تُنتج دمارًا يستهدف المجتمعات والشعوب والنساء والطبيعة.
ومن الواضح أن الصراع بين الأنظمة المتمسكة بأنقاض الدول القومية وبين قوى الحداثة الرأسمالية لا يزال يفرز المزيد من الخراب، مهما بلغ حجم الدمار الذي خلّفه. كما أن أزمة الحداثة الرأسمالية نفسها لا تبدو في طريقها إلى الانحسار.
العودة إلى الجذور: براديغما الديمقراطية الإيكولوجية التحررية للمرأة
إن حالة الفوضى التي أفرزتها هذه الأزمة تفتح في الوقت نفسه الباب أمام البحث عن حلول جديدة. فالشرق الأوسط، بوصفه مهد ولادة الإنسانية، هو المكان الذي تشكّلت فيه الثقافة والإيمان وتجارب العيش المشترك. وفي هذه الجغرافيا تعلّم الإنسان أسس الحياة المشتركة بين المرأة والرجل، وتطورت العلاقات الاجتماعية. وقد نشأ العقد الاجتماعي الطبيعي في تلك المرحلة على أساس حاجات البشر وروابطهم الطبيعية. ورغم محاولات الأنظمة الذكورية والاستبدادية عبر التاريخ طمس هذه الذاكرة، فإنها ما تزال حيّة في أعماق المجتمع، وبشكل خاص في روح النساء.
وعلى مرّ التاريخ، كانت كل مرحلة من مراحل الفوضى تدفع الشعوب للعودة إلى ذاكرتها الجمعية المشتركة بحثاً عن الحل. واليوم أيضاً يكمن الحل في بناء نموذج ديمقراطي، إيكولوجي، قائم على حرية المرأة، حيث تتعايش كل الكائنات الحية ضمن منظومة واحدة. فهذا النموذج هو الذي منح الحياة لهذه الجغرافيا منذ فجر الإنسانية لآلاف السنين، ومن الطبيعي أن يكون هو الطريق للخروج من الأزمة العميقة التي نعيشها اليوم.
لقد شارف عصر الدول القومية، وخاصة الأنظمة الاستبدادية، على نهايته. فمع تفاقم الأزمات وتراكم المشكلات، لم يعد أي نظام قادراً على إنقاذ نفسه. وما يجري في إيران اليوم يكشف بوضوح تفكك الفاشية التي بُني عليها النظام. وكما أوضحنا في جزء أخر من هذا الملف، تُعدّ إيران، بشعوبها وخصوصاً نسائها، من أكثر المناطق امتلاكاً للديناميات الثورية في المنطقة.
فطوال تاريخ إيران، قاومت الشعوب، والكرد، والنساء على وجه الخصوص، نظام الشاه، وناضلت ضده، ولم تقبل يوماً بالخضوع لسلطته. والأمر ذاته ينطبق على النظام الإسلامي الذي يحكم منذ 47 عاماً، حيث قادت النساء مقاومة واسعة يعرفها الجميع. وقد وجّهت النساء أقوى ضربة للنظام من خلال باراديغما "Jin Jiyan Azadî"، الذي طرح بديلاً ديمقراطياً وإيكولوجياً وتحررياً للمرأة في مواجهة النظام الإسلامي الاستبدادي.
ولم يعد هذا المطلب مقتصراً على النساء، بل أصبح صرخة مشتركة لكل شعوب إيران وفئات المجتمع المختلفة. فقد خرجت النساء والرجال معاً إلى الشوارع مطالبين بنظام ديمقراطي يستند إلى إرادة الشعب.
الخط الثالث
تُظهر جميع هذه التطورات أن شعوب إيران، وخاصة الكرد، يمتلكون القدرة على إحداث التغيير اعتماداً على دينامياتهم الداخلية، بعيداً عن الحروب المدمّرة. ومن هذه الزاوية، تعد إيران من أكثر دول المنطقة امتلاكاً لديناميات اجتماعية حية. فهي دولة متعددة الهويات، والمذاهب والثقافات. ورغم أن الفرس يشكلون غالبية السكان، فإن الكرد والأذريين واللور والبلوش والعرب والمسيحيين يشكلون ركائز اجتماعية أساسية في البلاد. وفي ظل هذا التنوع، يصبح واضحاً أن الحل الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا عبر نظام ديمقراطي يضمن حماية الهويات المختلفة وحقوقها. كما أن هذا التحول لا يمكن أن يأتي عبر تدخلات عسكرية خارجية، بل عبر نضال اجتماعي داخلي.
وبالنظر إلى جميع الديناميات الاجتماعية في إيران، وخاصة نضال النساء، يتضح أن الحل لا يكمن في العودة إلى عهد الشاه، ولا في إقامة نظام يشبه طالبان، ولا في استمرار النظام الديني القائم، ومن هنا يبرز طرح "الجمهورية الإيرانية الديمقراطية" كفكرة تستند إلى الجذور التاريخية والاجتماعية لإيران وشرق كردستان، وقادرة على جمع كل الديناميات الاجتماعية ضمن إطار قانوني حر وديمقراطي.
وفي هذا السياق، يكمن الحل في تبنّي منظور الأمة الديمقراطية والكونفدرالية الديمقراطية لمعالجة المشكلات وتحقيق مصالح الشعوب المشتركة. وقد اتخذ الجانب الكردي خطوة أولى نحو الحل عبر تحويل انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" إلى تحالف قوي، وإعلان مبادئ تقوم على الوحدة الوطنية، ووحدة الشعوب، وحرية المرأة. ويعد هذا النهج من أهم المسارات التي يمكن أن تقود إيران إلى حل جذري ودائم. كما أن إعلان منظومة المرأة الحرة في شرق كردستان KJAR"" في الثامن من آذار/مارس، قدّم خريطة طريق قوية تضع المرأة في مركز الحل.
وتسعى هذه الخريطة إلى تطوير التنظيم المشترك للنساء في إيران وشرق كردستان، عبر تناول براديغما "Jin Jiyan Azadî" من خلال ثلاثة خطوط أساسية. كما تؤكد على ضرورة تطوير التنظيمات المحلية كي تتجسد إرادة الشعوب والأديان والثقافات، وعلى ضرورة أن تقود النساء عملية إعادة وصل المجتمع بجذوره الديمقراطية والحرّة. وتشكل هذه الخطوات أرضية مهمة لبناء إيران ديمقراطية تضم جميع الشعوب والهويات.
لقد استنفذ النظام الإسلامي القائم كل إمكاناته، وأصبح من الضروري بناء جمهورية ديمقراطية بديلة. فحرية المرأة لا يمكن أن تصبح دائمة إلا ضمن مثل هذا النظام، وكذلك حل المشكلات الاجتماعية المتفاقمة. ويمكن اعتبار البيانات التي أعلنتها KJAR والتحالف الكردي بمثابة برنامج جمهورية ديمقراطية لإيران. ومن هنا تبرز أهمية تطوير تحالف الشعوب وتعزيز النضال المشترك على هذا الأساس.