المؤسسات النسوية في السودان في ظل النزاع... حضور رغم التحديات

قدمت المؤسسات النسوية الدعم النفسي والاجتماعي للنساء وعملت على توثيق الانتهاكات، كما طالبت بالعدالة ومحاسبة الجناة، إضافة لتقديم المساعدات الإنسانية من غذاء وكساء ودعم صحي.

ميرفت عبد القادر

السودان ـ سجلت المؤسسات النسوية في السودان حضوراً تاريخياً منذ فترة ما قبل استقلال السودان، حيث تم إنشاء الاتحاد النسائي السوداني عام 1952 وهو أول مجموعة نسوية تم تأسيسها من أجل حقوق المرأة في التعليم والعمل والمساواة، وتأسست بعده عدة من المؤسسات والمنظمات نسوية التي تعمل من أجل حقوق المرأة في السودان.

نشطت هذه المؤسسات النسوية في السودان خلال فترة ثورة ديسمبر 2018، ولعبت دوراً كبيراً ومهماً في توعية النساء، وخلقت فرص عمل للنساء لتمكينهن اقتصادياً.

في فترة النزاع الذي اندلع منتصف نيسان/أبريل 2023، فقدت معظم هذه المؤسسات مقارها ومحتوياتها، وتوقفت بعضها عن العمل أو تحولت نشاطها وفقاً لمتطلبات مرحلة النزاع، وقد لعبت المؤسسات النسوية في السودان دوراً كبيراً في دعم النساء المتضررات من النزاع، حيث واجهت النساء انتهاكات جسيمة من اغتصاب واختطاف واستغلال جنسي.


المكاسب السياسية والحقوقية خلال عام 2025

بسبب النزاع تعطلت معظم القوانين التي تنظم عمل المرأة في السودان والتي حصلت عليها في الأعوام السابقة، وخاصة في فترة ثورة ديسمبر، حيث كانت هناك نسبة 30% من المقاعد البرلمانية مخصصة لتمثيل النساء، كما تم تعديل قوانين الزواج والطلاق لتحسين حقوق المرأة، مثل زيادة سن الزواج القانوني للفتيات ومنع الزواج المبكر.

كذلك، تم تشديد العقوبات على العنف الأسري وتوفير الملاذ الآمن للنساء الضحايا، بالإضافة إلى مشاركتهن في مفاوضات السلام، مما يعزز من دورهن في تحقيق الاستقرار والسلام في البلاد، كما تم إطلاق حملات توعوية وتثقيفية لتعزيز حقوق المرأة والتوعية بأهمية المساواة بين الجنسين.

وركز عمل المؤسسات النسوية في فترة النزاع على تقديم مساعدات إنسانية ودعم نفسي للناجيات للتخفيف عليهن مما واجهن من انتهاكات خلال النزاع.


         


        
المؤسسات النسوية ودورها في تعزيز العدالة

تلعب المؤسسات النسوية في السودان دوراً كبيراً في تعزيز العدالة الاجتماعية والاقتصادية للنساء، فهذه المؤسسات تساهم في توفير فرص العمل خاصة في القطاعات غير الرسمية، والحماية الاجتماعية للنساء، حيث تقدم المؤسسات الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررات من العنف أو الفقر، وكذلك التمكين الاقتصادي للنساء من خلال توفير التدريب والتمويل لمشاريعهن.

أما في مجال الإعلام فشهد عمل المؤسسات النسوية في السودان تقدماً ملحوظاً وتأثيراً كبيراً على تمثيل النساء في الإعلام والمجتمع المدني ومواقع صنع القرار خلال 2025.

فعملت الإعلاميات على التغطيات الإعلامية للأحداث السياسية وكذلك عملت على زيادة التغطية الإعلامية لقضايا النساء، مما ساهم في تعزيز الوعي العام بأهمية المساواة بين الجنسين، وسعت المنظمات النسوية إلى تغيير الصورة النمطية للنساء في الإعلام، وتقديم نماذج إيجابية للنساء في مختلف المجالات.


التحديات التي واجهتها المؤسسات النسوية

واجهت المؤسسات النسوية في السودان تحديات كبيرة أبرزها الاستقطاب السياسي الذي أثر على الحركات النسائية الإسفيرية، مما أدى إلى خلق بيئة عدائية ومخيفة لناشطات حقوق المرأة، إضافة إلى الملاحقات الأمنية والاعتقالات حيث تعرضت العديد من الناشطات للملاحقات الأمنية والاعتقالات بسبب نشاطهن الاجتماعي والسياسي.

وشهدت المؤسسات النسوية في السودان تصاعداً في العنف الرقمي، مما أدى إلى إسكات أصوات النساء وإقصائهن من المشهد، فضلاً عن النقص الحاد في التمويل مما هدد استمرار عملها، إضافة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية حيث أثر النزاع والظروف الاقتصادية الصعبة على قدرة النساء على المشاركة في العمل العام والسياسي.

تقول ريناد عمر من غرفة الطوارئ النسوية بولاية كسلا شرقي السودان، إن الغرفة تشكلت بعد النزاع الذي اندلع عام 2023 من مجموعة نساء من القيادات الشبابية بهدف تقديم الخدمات الأساسية والصحية للنازحات مثل الحقائب الصحية، بالإضافة إلى تقديم الحماية لهن بإشراك نساء المجتمعات المحلية لولاية كسلا.

وأوضحت أن المجموعة تتعاون مع القيادات النسوية في مهام حصر النازحات وتوزيع الاحتياجات، مشيرةً إلى أن الغرفة قدّمت خلال عام 2025 مجموعة من الخدمات والأنشطة الموجهة للنساء النازحات، من بينها جلسات للتعايش السلمي داخل مراكز النزوح، كما تم العمل على توعيتهن بأهمية السلام وضرورة أن تكون المرأة عنصراً أساسياً في مسار تحقيقه، إضافة إلى تهيئتهن للمشاركة السياسية بعد توقف النزاع، وتقديم الدعم النفسي والمادي لهن.

وأشارت إلى أن غرفة طوارئ كسلا النسوية رغم تاريخها القريب، تعمل وفق نظام أساسي ولوائح داخلية، وقد قامت بعمل جمعية عمومية لإجازة النظام الأساسي وسياسات الحماية واللوائح الداخلية، بهدف تأطير نظام العمل النسوي بمبادئ وسياسات محددة.
 


دعم نفسي وتوثيق الانتهاكات

أوضحت ستنا عبد الله، المهتمة بقضايا النوع الاجتماعي في السودان، أنه رغم النزاع الذي يعيشه البلد، فقد لعبت المؤسسات النسوية دوراً محورياً، فهذه المؤسسات التي كانت تتركز سابقاً في العاصمة الخرطوم، أسهم نزوح عضواتها في استمرار العمل النسوي وامتداده إلى الولايات، حيث نشأت مبادرات جديدة قادرة على تنفيذ تدخلات سريعة تشمل الدعم النفسي، وتوثيق الانتهاكات، وتمكين النساء اقتصادياً.

وقد أحدث ذلك تحولاً مهماً في واقع النساء، ومكّنهن من مواصلة نشاطهن النسوي رغم ظروف النزاع، كما باتت المرأة السودانية أكثر قدرة على الوصول إلى مواقع اتخاذ القرار بعد تلقيها التدريب، خاصة مع بروز مجموعات نسوية شبابية خلال فترة النزاع، مما عزز حضور العمل النسوي الشبابي في السودان.

وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، قالت ستنا عبد الله إن هذه المؤسسات النسوية قدمت تمكيناً اقتصادياً للنساء، اللواتي كن يعانين من ظروف اقتصادية صعبة للغاية بسبب النزوح، وتم تنظيم ورش تدريبية اقتصادية لهن، ما ساهم في وجود نشاط اقتصادي نسوي كبير في السودان خلال عام 2025.

وعن تحديات العمل النسوي في السودان، أوضحت أن هناك تحديات كبيرة تعيق عمل المؤسسات النسوية، حيث أن الوضع في السودان يعد غير طبيعي في فترة النزاع، التي أسقطت العديد من القوانين المتعلقة بالنساء على المستويات القانونية والتشريعية والبرلمانية، ذلك بعد الوثيقة الدستورية التي كلفت الحق للتمثيل النسائي بنسبة 40%، مما أثر سلبياً على استمرار العمل المدني الذي نشط إبان فترة ثورة ديسمبر، ومنذ بداية الحرب وحتى الآن، يتركز العمل النسوي على تكوين مجموعات نسوية قاعدية وتثقيفها وتوعيتها.

وعلى مستوى صنع القرارات السياسية أوضحت أنه ليس هناك أي انعكاسات لمطالب النساء في السلام في هذه الفترة، رغم وجود خطة وطنية لها علاقة بالقرار 1325 المعني بمشاركة المرأة في السلام والأمن، إلا أن هذه الخطة غير مفعلة الآن.

وتمحور أغلب العمل النسائي في هذه الفترة حول الصحة النفسية والعون القانوني وتوثيق الانتهاكات التي حدثت في فترة النزاع، وقد تم هذا التوثيق على نطاق ضيق.

وترى ستنا عبد الله أن مستقبل النساء في السودان يحمل قدراً من التفاؤل رغم استمرار النزاع، إذ تعتقد أن العمل على تنفيذ القرار 1325 يمكن أن يشكّل مكسباً حقيقياً لكافة النساء، مشيرة إلى أن مرحلة ما بعد النزاع ستكون فرصة مهمة للوقوف على مطالب النساء وتوحيدها، خاصة بعد أن أتاح النزاع لنساء الولايات المختلفة التعرف على بعضهن عن قرب، وتقريب وجهات النظر بينهن، مما يمهّد لبلورة مطالب مشتركة تشمل جميع النساء في البلاد.