المؤسسات النسوية المصرية... إنجازات على الأرض وتحديات لم تُحسم بعد
لم يكن عام 2025 تقليدياً في سياقه ولا تحدياته، حيث تعمل المؤسسات النسوية على تغييرات تشريعية لافتة، وسط مناخ عام ضاغط، محاولة خلق توازن بين الاستمرار والفاعلية، وبين النجاة والعمل تحت القيود.
أسماء فتحي
القاهرة ـ خلال هذا العام، واصلت المؤسسات النسوية والتنموية أداء أدوار مركبة؛ من رفع الوعي إلى تقديم الدعم القانوني والاجتماعي، مروراً بالرصد والتوثيق وإنتاج المعرفة.
تلك الأدوار باتت أكثر إلحاحاً في ظل أزمات اقتصادية متراكمة، واتساع الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي على الأرض، ورغم ما تحقق من مكاسب، خصوصاً على مستوى التشريعات والوعي المجتمعي، إلا أن الطريق لم يكن ممهداً أمامهم.
واصطدمت المجموعات النسوية بعقبات إدارية وتشريعية، وحملات تشويه، وتضييق على العمل العام، مما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول علاقة الحكومة بالمجتمع المدني، وحدود الحركة المتاحة أمام الفاعلين الحقوقيين.
وفي هذا التقرير، تستعرض وكالتنا حصاد عام كامل من خلال أصوات ثلاث فاعلات في المشهد النسوي، لكل منهن زاوية مختلفة، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: ماذا أنجزت المؤسسات النسوية خلال العام الماضي؟ وإلى أين تتجه في 2026؟.
الوعي بحقوق النساء… تحوّل يتجاوز الشعارات
لم يعد الحديث عن وعي النساء بحقوقهن ترفاً نظرياً أو شعاراً مكرراً في أدبيات العمل النسوي، فخلال العام الماضي، فرضت الوقائع اليومية، من شكاوى العنف إلى النزاعات داخل بيئات العمل، اختباراً حقيقياً لمدى تغلغل هذا الوعي في حياة النساء، وقدرته على التحول إلى مواقف عملية، لا مجرد معرفة نظرية.
فترى مديرة مؤسسة كيان مصر للتنمية والتدريب، سحر شعبان أن المؤسسات النسوية نجحت في توسيع دوائر الوصول، خاصة في المدن، عبر برامج ركزت على الحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، معتبرة أن هذا الامتداد الجغرافي والاجتماعي شرط أساسي لأي تغيير حقيقي.
وأوضحت أن المؤسسات النسوية تعمل على مسارات متعددة، من دمج النساء في الاقتصاد غير الرسمي إلى التنمية المجتمعية، مع تركيز خاص على المناطق الأكثر احتياجاً، رغم اصطدام هذه الجهود بتحديات ثقافية واجتماعية.
وتعول على دور البرلمانيات في ترجمة هذا الحراك إلى سياسات عامة أكثر اتساعاً، لا تقتصر على تعديل النصوص القانونية فقط.
وتضع سحر شعبان، البيروقراطية خاصة إجراءات وزارة التضامن الاجتماعي، في صدارة هذه التحديات التي تواجه المؤسسات النسوية، مشيرة إلى تعطيل مشروعات تنموية غير سياسية، وضياع فرص حقيقية بسبب تأخر الموافقات بات يشكل أزمة حقيقية في الواقع المحلي.
وتدعو إلى إعادة صياغة العلاقة بين الحكومة والمجتمع المدني على أساس الشراكة، معتبرة أن دعم المؤسسات النسوية استثمار مباشر في التنمية وهو الأمر الذي يجعل واقع النساء أفضل والعمل التنموي أكثر تأثيراً.
حملات تشويه تستهدف المؤسسات النسوية
وربطت الأمينة العامة للنقابة المستقلة بالشركة المصرية للاتصالات، مروة حمدي، هذا التحول بتغير ردود الفعل تجاه العنف، مؤكدة أن النساء أصبحن أقل قبولاً للإهانة وأكثر إدراكاً لخطورة العنف وآثاره، مقارنة بسنوات سابقة كان فيها الصمت هو السائد.
وتصف قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 بأنه خطوة فارقة، خصوصاً في تجريم العنف والتحرش داخل بيئة العمل، لكنها تحذر من أن الخوف من التبليغ والتحايل الإداري يفرغان القانون من مضمونه.
وتحدثت عن حملات التشويه التي تستهدف المؤسسات النسوية، وتُغذي صوراً نمطية منفرة، تُقدم العمل الحقوقي بوصفه تهديداً للمجتمع، وهو ما اعتبرته عائق حقيقي في مسار العمل العام والتسويق بشكل خاص.
مع اقتراب عام جديد، تتراجع لغة التوقعات الكبيرة، لتحل محلها قراءة أكثر واقعية للسياق، فالتحدي لم يعد في إطلاق مبادرات جديدة بقدر ما يكمن في الحفاظ على ما تحقق، ومنع تآكل الجهود السابقة.
بينما قدمت مروة حمدي، قراءة حذرة لعام 2026، مؤكدة أن العمل سيستمر بأقل الإمكانيات، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تحسن المناخ العام على حد تقديرها.
بينما تنظر نائبة المديرة التنفيذي لمعهد دفتر أحوال، فيفيان مجدي، إلى هذا التغير من زاوية البيانات، معتبرة أن الكشف عن أرقام دقيقة حول العنف والعمل ساهم في كسر حالة الإنكار المجتمعي، ونقل النقاش إلى مستوى أكثر جدية.
وأشارت فيفيان مجدي، إلى أن البيانات كشفت فجوة واضحة بين النصوص القانونية والواقع العملي، مؤكدة أن المتابعة والتقييم المستمرين شرط أساسي لتحويل القوانين إلى أدوات حماية لا مجرد إنجازات شكلية.
العدالة الاجتماعية… عمل بطيء في مواجهة واقع معقد
في ملفات العدالة الاجتماعية، يبدو التقدم أقل وضوحاً وأبطأ إيقاعاً، فالمشروعات التنموية لا تُقاس فقط بعدد المستفيدات، بل بقدرتها على تفكيك أنماط الفقر والتهميش المتجذرة، وهو ما يجعل نتائجها أقل فورية وأكثر تعقيداً.
ولفتت فيفيان مجدي إلى أن الرصد والبيانات أظهرا فجوات حادة في ملفات مثل حقوق المرأة الريفية والعمالة غير المنتظمة، معتبرة أن التقدم التشريعي في هذه الملفات جاء نتيجة ضغط تراكمي طويل.
بينما ترى أن التعامل مع المجتمع المدني بمنطق الرقابة لا الشراكة يحد من قدرته على الاستدامة وتحقيق أثر طويل المدى.
رغم أن العام الماضي حمل تطورات تشريعية مهمة، إلا أن النقاش لم يعد يدور حول صدور القوانين بقدر ما يتركز على قدرتها على حماية النساء فعلياً، فالتشريع، مهما بدا متقدماً، يظل اختباراً مفتوحاً عند أول محاولة تطبيق، خاصة في بيئات عمل لا تزال تختبر حدود المساءلة.
وراهنت فيفيان مجدي، على التشبيك بين المؤسسات كمدخل أساسي للاستدامة، محذرة من تكرار المبادرات المؤقتة التي تنتهي دون أثر طويل المدى.
حينما تصبح العراقيل هي القاعدة
لا يمكن الحديث عن حصاد عام دون التوقف عند العقبات التي باتت جزءاً من يوميات العمل النسوي، فبين البيروقراطية الإدارية، والتضييق على العمل العام، وحملات التشويه الإعلامي، تعمل المؤسسات في مساحة تضيق عاماً بعد آخر.
والجدير بالذكر أن العام الماضي بكل تحدياته كشف عن قدرة المؤسسات على الصمود والابتكار، بقدر ما كشف عن حدود الحركة وكلفة الاستمرار، ومع دخول 2026، يبقى الأمل معلق في تحول الجهود المتفرقة إلى مسار جماعي قادر على فرض نفسه كشريك في صنع السياسات.