المرأة في مواجهة الأيديولوجيا... حضور يتجدد في ساحات المقاومة ـ2
في ظل التحولات السياسية والعسكرية في أفريقيا، تبرز المرأة كفاعلٍ مركزي في مسارات الكفاح والتحول، فمن ساحات الثورة الإريترية، إلى معسكرات الخدمة الوطنية، مروراً بالتجارب المتباينة في إثيوبيا ورواندا وأوغندا وبوروندي والصومال، تنكشف سرديات متعددة.
مالفا محمد
مركز الأخبار ـ في جغرافيا ملتهبة تحكمها تعقيدات التاريخ والسياسة والهوية، تنهض المرأة في أفريقيا من تحت الغطاء التقليدي لتقتحم الفضاء العسكري، بين حلمٍ بالتحرر وكابوسٍ من الانتهاك، فحضورها ليس أرقام أو وظائف، بل سردية غائرة في وجدان القارة، تسرد كيف أصبح السلاح جزءاً من قصة المرأة، وكيف تحولت من رمزٍ للرعاية إلى فاعلة في ساحات القتال، والمفارقة أن هذا التحول غالباً ما تم تحت شعارات وطنية فضفاضة، بعضها أخفى انتهاكات ممنهجة، وبعضها سعى للترويج لصورة تقدمية لم تطابق الواقع.
في الجزء الثاني من الملف، نستعرض تجارب النساء في الجيوش المختلفة في أفريقيا، نحلل كيف تحول السلاح من رمز للرعاية إلى أداة للنضال، ونرصد التحديات التي تواجههن في سبيل تحقيق التمكين والمساواة وأهمية دور المرأة في بناء مستقبل أكثر عدلاً وشمولاً في منطقة لا تزال تبحث عن هويتها في خضم التغيرات المتسارعة.
"ساوا"... رمز التحول في تجربة المرأة الإريترية
ليست مجرد حكاية بطولية، بل هي سردية مزدوجة تكتبها المرأة الإريترية بحبرٍ من النضال والألم، فمنذ اندلاع الثورة عام 1961، لم تكن النساء متفرجات على مسرح التاريخ، بل كن صانعات له، انتزعت الفتاة الإريترية موقعها من البيت إلى الجبهة، لتشكل ما يقارب ثلث صفوف "جبهة التحرير الشعبية الإريترية"، مقاتلة، ممرضة، قائدة، حيث كان حضورهن دائماً فاعلاً ولا يُمحى.
لكن بعد الاستقلال في عام 1991، تبدل المشهد بشكل جذري، المجد الثوري تحول إلى سياسة عسكرة رسمية، حيث أقرت الحكومة الإريترية نظام "الخدمة الوطنية الإلزامية" للجنسين، تبدأ هذه الخدمة عادةً بعد المرحلة الثانوية، وتشمل تدريباً عسكرياً صعباً في معسكر "ساوا"، الذي أصبح رمزاً لمرحلة الانتقال من الطفولة إلى عالم العسكرة.
في هذا المعسكر، تحولت الطفولة إلى تدريب عسكري قاسٍ، والبطولة إلى عبء مؤسساتي يثقل كاهل المجندات، ورغم ادعاءات المساواة، كانت خلف الأسوار روايات صادمة عن انتهاكات جسيمة، استغلال، واحتجاز لا ينتهي، بينما كانت صور النساء تصدر في بعثات حفظ السلام، كان الواقع في الداخل أكثر قتامة وتعقيداً، هذا التوجه، الذي بدا ظاهرياً كخطوة نحو المساواة في الواجب الوطني، تحول إلى موضع جدل دولي، فقد كشفت العديد من التقارير الحقوقية عن انتهاكات جسيمة في صفوف النساء المجندات، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية والاستغلال والاحتجاز التعسفي، وبدلاً من أن تكون الخدمة العسكرية بوابةً للتمكين، أضحت عبئاً ثقيلاً لا خلاص منه للكثيرات.
ومع ذلك، سعت الحكومة الإريترية إلى تصدير صورة مغايرة للعالم، تُظهر امرأة إريترية تشارك في حفظ السلام وتمثل البلاد في مهام أممية، ففي بعثات مثل الكونغو وأفريقيا الوسطى، سجلت النساء الإريتريات حضوراً بنسبة اقتربت من 15%.
تُقدم التجربة الإريترية لوحة مزدوجة الملامح: من جهة، إنجاز ثوري غير مسبوق في إشراك المرأة كمقاتلة، ومن جهة أخرى، نظام عسكرة صارم وضع المرأة في قلب معادلة قاسية، تتأرجح بين الواجب الوطني والإكراه المؤسساتي.
المرأة في الجيش بين النموذج الرواندي والحذر الإثيوبي
في القارة الأفريقية، تتباين تجارب إدماج النساء في الجيوش، حيث تبرز نماذج ثورية وأخرى إصلاحية، وثالثة براغماتية. إذا نظرنا إلى تجربتي إثيوبيا ورواندا، نجد أن كليهما قدما نماذج واعدة، لكنهما ليستا خاليتين من التحديات.
ففي إثيوبيا، تسير الدولة بخطى محسوبة نحو تعزيز دور النساء في القوات المسلحة، خاصة في المهام الدولية، فإرسال أكثر من 800 امرأة إلى بعثات حفظ السلام يعكس التزاماً واضحاً، لكنه قد يُفهم أيضاً كنوع من التوظيف الخارجي لصورة المرأة العسكرية، رغم الفرص التي تمنح للنساء في التدريب والمشاركة، إلا أن القيادة العليا والقرارات الاستراتيجية تظل حكراً على الرجال في معظم الحالات، إن هذه التجربة تسير على حبل مشدود بين الطموح والواقع، بين الالتزام الدولي والقيود المحلية.
أما رواندا، فقد خرجت من رماد الإبادة الجماعية لتبني جيشاً يعتبر من الأكثر شمولاً في أفريقيا، هنا، لا تُعامل المرأة كاستثناء، بل كجزء أصيل من منظومة الأمن والدفاع، ومع ذلك، قد يكون هذا الانفتاح مدفوعاً برغبة سياسية في تقديم رواندا كنموذج عالمي للمصالحة والمساواة. هذا يثير تساؤلات حول مدى رسوخ هذه السياسات على المدى الطويل، وما إذا كانت نابعة من قناعة مؤسسية أم من حاجة لتحسين الصورة الدولية.
أوغندا... الألم التاريخي والتقدم التدريجي
في تاريخ أوغندا، تتقاطع تجربة النساء في المؤسسة العسكرية مع ذاكرة الحرب والإصلاح. لسنوات، كانت الفتيات الأوغنديات في الشمال هدفاً للتجنيد القسري على يد جماعة "جيش الرب للمقاومة"، حيث تم اختطاف الآلاف منهن خلال التسعينيات وأوائل الألفينات، ليجدن أنفسهن في قلب معارك لم يخترنها، ويتعرضن لأبشع أشكال العنف والاستغلال.
لاحقاً انضمت الفتيات إلى صفوف القوات المسلحة الأوغندية (UPDF)، لتبدأ المرأة الأوغندية بفرض حضورها في الزي الرسمي، تتدرب، تقود، وتشارك في حفظ السلام داخل البلاد وخارجها، كمشاركتها في بعثات حفظ السلام في الصومال ضمن قوات الاتحاد الأفريقي (ATMIS)، حيث بلغ تمثيلهن نحو 15% من القوة الأوغندية المشاركة.
ومع نهاية عام 2023، شكلت النساء ما بين 10 إلى 12% من إجمالي عناصر القوات المسلحة، وهي نسبة قليلة جداً لكنها تتزايد تدريجياً، وفي سابقة مهمة، تولت الجنرال بياتريس أنووك قيادة قسم اللوجستيات، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب الحيوي في الجيش.
وبالطبع لا تزال هناك تحديات، فتمثيل النساء في المراتب العليا لا يتجاوز الـ 5%، والتمييز غير المعلن ما زال حاضراً في توزيع المهام، إذ تفضل غالباً الأدوار الإدارية والطبية للنساء. ورغم الإصلاحات مثل إنشاء وحدات للدعم النفسي وتعديل القوانين لمكافحة التحرش، فإن الثقافة المجتمعية التقليدية في المناطق الريفية لا تزال تنظر بعين الريبة إلى الجندية، هكذا تُشكل تجربة أوغندا لوحة متشابكة من المقاومة والتحول والإصرار. إنها ليست قصة تمكين مكتملة، بل مسار متعرج تتقدمه نساء ما زلن يشقن بأقدامهن طريقاً في أرض كانت يوماً مليئة بالألغام، واليوم تُثمر فرصاً جديدة.
لا جيش نسائي ولكن نساء في الجيش
في منطقة البحيرات الكبرى، وعلى أنقاض حرب أهلية مريرة انتهت عام 2005، بدأت بوروندي رحلة بناء وطن جديد، وكانت النساء في طليعة هذا التحول، ليس كمتفرجات، بل كمقاتلات، حالمات، وصانعات للتغيير، ففي زمن السلاح والنار، لم تكن المرأة البوروندية مجرد ضحية تسكن الظل، بل كانت جزءاً من المشهد، تقاتل في صفوف جماعات مثل "القوات من أجل الدفاع عن الديمقراطية" (FDD).
وفي عام 2011، فتحت وزارة الدفاع الباب أمام النساء للانضمام إلى صفوف الجيش، بدعم من الاتحاد الإفريقي، في خطوة تهدف لإعادة صياغة دور المرأة داخل معادلة الأمن الوطني. النسبة آنذاك لم تتجاوز 3%، وقد تم تدريب الفتيات ضمن الأكاديمية العسكرية في بوجمبورا في وحدات مختلطة، دون تشكيل جيش نسائي مستقل.
توالت الخطوات، وبلغت مشاركة النساء في مهام حفظ السلام، مثل بعثة الاتحاد الإفريقي إلى الصومال (AMISOM)، نسبة 7%، في ظل تحديات كبيرة من بينها التمييز غير المعلن، النظرة المجتمعية التقليدية، والصعوبات في المناطق الريفية التي تقاوم التغيير.
ومع حلول 2023، بلغت نسبة النساء في الجيش 5%، وفي الشرطة 8%، أرقام لا تزال قليلة جداً، تروي قصة نضال بطيء وثابت، قصة امرأة بوروندية تمضي بخطى هادئة بين إرث ثقيل من الحرب، وطموح لا ينكسر لوطن أكثر عدالة وشمولاً.
تمكين محفوف بالعقبات
في الصومال، حيث تتداخل التقاليد العريقة مع التحديات المعاصرة، تلعب النساء أدواراً محورية في المجتمع، بما في ذلك القوات المسلحة، لكن رغم هذه الأهمية، لا تزال مشاركتهن في الجيش محدودة، محاطة بعقبات ثقافية وأمنية واجتماعية، ففي مجتمع يتبنى تقاليد قبلية صارمة وتفسيرات دينية محافظة، يُعتبر الزي العسكري للنساء تمرداً على الأعراف، حيث يُنظر إلى المرأة التي تحمل السلاح وتخوض تدريبات قتالية كمن تخالف "الطبيعة" التي أُريد لها أن تكون. تلك الصورة النمطية لا تأتي فقط من العادات البالية، بل تتغذى أيضاً من خطاب ديني متشدد، تروج له جماعات مثل "حركة الشباب"، التي ترفض بشدة وجود النساء في الحياة العامة، ناهيك عن الجيش، وفي نظرهم تُعتبر المجندة رمزاً للانحلال، تُستخدم كأداة في يد "العدو الغربي".
لكن التحديات لا تتوقف عند حدود الفكر، بل تمتد إلى الواقع العملي داخل المؤسسة العسكرية، فرغم الخطابات الرسمية التي تروج لتمكين المرأة، لا يزال "التمييز البنيوي" قائماً. تُوجه النساء غالباً إلى المهام الإدارية أو الطبية، بينما يُستبعدن من الوحدات القتالية أو الاستخباراتية، حتى المناصب القيادية تُمنح غالباً للرجال، حتى في حال تساوي الكفاءة، كما أن التحرش الجنسي وسوء المعاملة داخل المعسكرات لا يزالان من القضايا المسكوت عنها، على الرغم من وجود محاولات لتأسيس وحدات دعم نفسي.
خارج أسوار الجيش، تواجه المجندات وصمة اجتماعية، ففي بعض المناطق الريفية، تُعتبر المرأة التي تعمل في الجيش "فاقدة للشرف"، مما يؤدي إلى نبذها من محيطها الأسري، وقد وثقت تقارير حقوقية حالات مأساوية لنساء طُردن من بيوتهن أو فُرض عليهن الزواج القسري بعد انكشاف عملهن العسكري.
لكن، ورغم كل هذه العقبات، بدأت الأيديولوجية المناهضة للجندية تتصدع شيئاً فشيئاً مع تزايد التهديدات الأمنية، فالصومال، الذي يعاني من تهديدات إرهابية وانقسامات داخلية، يحتاج إلى كل يد قادرة على الدفاع.
في النهاية، تبقى تجربة المرأة الصومالية في الجيش محكومة بصراع دائم بين التمكين والوصاية، بين الواقع الأمني والأيديولوجيا التقليدية، وبين الطموح الفردي والقيود المجتمعية. إنها رحلة لا تُقاس بعدد المجندات، بل بمدى قدرتها على تغيير النظرة إلى المرأة، من كونها تابعاً إلى كونها فاعلاً رئيسياً في بناء وطنٍ لا يزال يبحث عن هويته وسط الركام.
من التمييز العنصري إلى جيش متعدد الألوان والوجوه
وإذا انتقلنا جنوباً، فسنجد تجربة مختلفة تماماً، فبعد انتهاء نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا في تسعينيات القرن الماضي، شرعت الدولة ليس فقط بإعادة بناء هياكلها الإدارية، بل عمدت إلى إعادة تشكيل قواتها المسلحة بما يتماشى مع التنوع الثقافي والاجتماعي لمجتمعها، وقد لعبت المرأة دوراً محورياً في هذا التحول؛ حيث تم إدماج النساء في القوات المسلحة الوطنية لجنوب أفريقيا (SANDF)، ضمن سياسة واضحة تهدف إلى تحقيق المساواة، ولم يُقتصر الأمر على فتح باب التجنيد لهن، بل خضعت القوانين العسكرية لتعديلات تكفل لهن فرصاً متساوية في المهام القتالية والمناصب القيادية.
المثير للإعجاب أن مشاركة النساء لم تكن رمزية فحسب، بل شجعن على تسلم مناصب عليا، بما في ذلك مواقع قيادية في السلاح الجوي والبحري، كما تُعد جنوب أفريقيا من الدول الرائدة أفريقياً في إدراج قضايا النوع الاجتماعي ضمن عقيدتها العسكرية، إلى جانب توفير وحدات للدعم النفسي والمجتمعي داخل الخدمة، ولكن رغم هذا التقدم، لا تزال القوات تواجه تحديات تتعلق بالتحرش والتمييز داخل الثكنات العسكرية، بالرغم من سن قوانين صارمة. كما تظل فجوة الأجور والترقيات قائمة لصالح الذكور في بعض الفروع، إضافة إلى وجود ضغوط اجتماعية في المناطق الريفية، حيث يُنظر إلى الخدمة العسكرية باعتبارها "مهنة للرجال".
النساء في نيجيريا قوة التغيير في مواجهة الإرهاب
وفي نيجيريا حين اشتدت نيران الإرهاب خلال العقد الأخير، خاصة منذ اجتياح جماعة بوكو حرام لولايات الشمال الشرقي عام 2014، أعلنت البلاد في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 أن النساء يشكلن ما يقارب 28% من قوات حفظ السلام التابعة لها.
وتخلت النساء عن الأدوار التقليدية وتقدمن الصفوف، ولكن مع كل طلقة تُطلق في ميدان القتال، هناك حرب أخرى تُخاض بصمت، إنها حرب ضد القوالب المجتمعية الجامدة، خاصة في شمال البلاد، حيث ما زالت بعض الثقافات تنظر إلى التجنيد على أنها مهنة "ذكورية بامتياز"، إنها مواجهة متعددة الجبهات تخوضها النساء يومياً.
بين إصلاح غانا وثورية أنغولا
في غانا، التي اختارت طريق الإصلاح لا الثورات، بدأ التحول مبكراً؛ ففي عام 1958، أي بعد سنة واحدة من الاستقلال، دخلت أول امرأة إلى صفوف الجيش، لتدشن عصراً جديداً من المشاركة النسائية في الدفاع الوطني، ولكن رغم ذلك لا زالت نسبة النساء لا تتجاوز 15% حتى الآن.
أما أنغولا، التي ولدت على صرخات حرب التحرير، فقد احتفظت بجهاز عسكري تقليدي، رغم بطولات نسائها في الثورة، حيث انخرطت المرأة في قلب المعركة خلال حرب الاستقلال في الستينيات، عندما انضمت إلى صفوف الحركة الشعبية لتحرير أنغولا (MPLA).
ومن رحم هذا النضال، وُلدت "منظمة النساء الأنغوليات" عام 1962، لتكون ذراعاً نسوياً ثورياً، تقود التعبئة السياسية والعسكرية للمرأة، وتُرسي خطاباً مزدوجاً حول الحرية والمساواة، لكن لحظة الانتصار عام 1975 لم تُترجم مباشرة إلى تمكين نسوي داخل المؤسسة العسكرية، فقد بقيت البنية الذكورية تفرض هيمنتها، وظلت مشاركتهن في الوحدات القتالية والقيادة العليا محدودة، وهو ما تؤكده تقارير الأمم المتحدة التي تشير إلى أن نسبة النساء في الجيش الأنغولي لم تتجاوز 15% حتى عام 2023، مع تمثيل نسائي في بعثات حفظ السلام بلغ نحو 10%، لا سيما في الكونغو وأفريقيا الوسطى.
السنغال... ملامح التحول العسكري عبر بوابة المرأة
كما برزت السنغال كنموذج ثالث يستحق التأمل إلى جانب غانا وأنغولا، إذ تجمع تجربتها بين الانضباط العسكري التقليدي والانفتاح التدريجي على مشاركة النساء، مدفوعة بتاريخ سياسي مستقر نسبياً ورغبة في تعزيز صورتها الدولية.
في العقود الأخيرة، بدأت السنغال في دمج النساء داخل القوات المسلحة، وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نسبة النساء في الجيش السنغالي كانت لا تزال أقل من 15% حتى عام 2023.
في المحصلة، تكشف هذه التجارب أن حضور النساء في ساحات القتال لم يكن يوماً مشروعاً دفاعياً عن المرأة نفسها، ولا محاولة لبناء جيش نسائي مستقل، بل كان جزءاً من معادلة أوسع تحكمها الأيديولوجيا والسياسة والضرورات الأمنية. فالنساء لم يدخلن المؤسسة العسكرية لحماية جنسهن، وإنما جُعلن جزءاً من منظومات وطنية أو ثورية، تتأرجح بين التمكين الرمزي والقيود البنيوية، بين الصورة التقدمية والواقع المليء بالعقبات.
هذا التداخل بين الأدوار والهوية يوضح أن مشاركة المرأة في الجيوش الأفريقية لم تترجم بعد إلى مساواة كاملة أو استقلالية خاصة، وإنما بقيت محكومة بحدود المؤسسة العسكرية ذاتها. وفي الجزء الثالث من هذا الملف، سنسلط الضوء على تجارب أخرى في الشرق الأوسط، للتعرف على حضور المرأة في فضاءات المقاومة والتحول.