يلدز أونين: عودة الشاه ليست خياراً والشعب يرفض تكرار تجارب الماضي

بدأت موجة الاحتجاجات الإيرانية الجديدة بمطالب اقتصادية نتيجة الأزمة المعيشية، لكنها سرعان ما تحولت إلى انتفاضة سياسية ضد النظام بسبب القمع والعنف، وأثبت الإيرانيون أنهم قادرون على إنتاج قياداتهم الداخلية بعيداً عن عودة الشاه أو تدخلات خارجية.

إليف أكغول

إسطنبول ـ في شرق كردستان وإيران، تصاعدت الاحتجاجات المناهضة للنظام المستمرة منذ أكثر من أسبوعين لتتحول إلى انفجار اجتماعي واسع، مدفوعاً بالأزمة الاقتصادية الخانقة، فقد أدّت معدلات التضخم المرتفعة، وانهيار العملة الوطنية، وتفاقم الفقر إلى دفع ملايين الإيرانيين، الذين يعيشون تحت وطأة القمع منذ سنوات، للخروج إلى الشوارع مطالبين بالتغيير.

التدخل العنيف من جانب قوات الأمن الإيرانية لم يقتصر على كبح المطالب المعيشية، بل دفعها للتحول إلى مواجهة مباشرة مع النظام، وامتدت رقعة الاحتجاجات من الجامعات إلى المناطق الكردية، لتُسجَّل أكبر موجة احتجاجية تشهدها إيران منذ الثورة التي أطاحت بالشاه عام 1979، وتؤكد يلدز أونين، عضوة في "شبكة التضامن مع المهاجرين"، أن ما يحدث في إيران لا يمكن اختزاله في كونه حركة مناهضة للنظام فحسب، بل هو انفجار اجتماعي معقّد تتداخل فيه عوامل القمع الداخلي مع تأثيرات التدخلات الخارجية.

وعن بدايات الاحتجاجات وانتشارها السريع، أوضحت يلدز أونَين أن الشرارة الأولى انطلقت في 28 كانون الأول/ديسمبر 2025، حين خرج تجار البازار، الذين يُعدّون من أبرز ممثلي الطبقة الوسطى الداعمة للنظام الديني، إلى الشارع بسبب الأزمة الاقتصادية، وذلك بعد سنوات طويلة من الصمت.

وأشارت إلى أن تحركاً مشابهاً وقع عام 2001، لكن هذه المرة كان الانفجار أكبر، إذ سرعان ما انهارت العملة الإيرانية أمام الدولار بشكل حاد، ما دفع التجار وأصحاب المحال، أي الفئة التي شكّلت تاريخياً قاعدة دعم للنظام، إلى رفع صوتهم قائلين "كفى! لم نعد قادرين على مواصلة تجارتنا في ظل هذه الظروف"، وهكذا كانت المطالب الأولى ذات طبيعة اقتصادية بحتة قبل أن تتوسع لاحقاً.

 

تحوّل المطالب الاقتصادية إلى انتفاضة سياسية

وأوضحت أن متوسط الأجور في إيران لا يتجاوز 100 دولار، في حين أن خط الفقر يبلغ 200 دولار، ما يعني أن دخل العامل مهما بذل من جهد لا يكفي لتأمين الحد الأدنى من المعيشة، هذا الواقع يطال جميع فئات المجتمع في مختلف المحافظات، بما في ذلك الفئات التي كانت تُعد من أنصار النظام الديني، مؤكدةً أن الأزمة المعيشية أصبحت المشكلة الأكبر التي يواجهها الإيرانيون اليوم، وهو ما أشعل شرارة الاحتجاجات وساهم في انتشارها السريع.

وأكدت يلدز أونَين أن تحوّل المطالب الاقتصادية إلى انتفاضة سياسية كان نتيجة مباشرة للهجمات المسلحة التي شنّها النظام الديني ضد المتظاهرين "عمليات القتل وإطلاق النار بالأسلحة الثقيلة على المحتجين شكّلت نقطة التحول، إذ سرعان ما تبدلت الشعارات من المطالب المعيشية إلى هتافات مناهضة للنظام مثل، الموت للدكتاتور،Jin Jiyan Azadî" "، ومتحدون، أقوياء، لا نخاف، وانتشرت هذه الشعارات في الجامعات، ثم امتدت إلى المناطق الكردية، لتتحول إلى مظاهرات ضخمة شارك فيها مئات الآلاف في مختلف أنحاء البلاد، وهكذا بدأت الاحتجاجات بمطالب اقتصادية، لكنها سرعان ما تطورت إلى احتجاجات واسعة تدعو إلى إسقاط النظام.

ولفتت إلى التحذيرات التي أطلقتها الولايات المتحدة خلال الفترة الماضية، وأنها ستتدخل إذا واصلت السلطات الإيرانية قتل المتظاهرين "ما يجري في إيران لا يعود فقط إلى عوامل داخلية، بل إن سياسة العقوبات الأميركية لعبت دوراً أساسياً في تفاقم الأزمة".

وشددت يلدز أونَين على ضرورة توجيه النقد للنظام الإيراني "لا يمكن تجاهل مسؤولية واشنطن أيضاً، فالعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة هي التي دفعت الاقتصاد الإيراني إلى هذه الأزمة العميقة، وقد سبق أن انتقدتها منظمات دولية ومنظمات حقوق الإنسان داخل إيران. هذه العقوبات لا تُضعف خامنئي ولا تُسقط النظام الديني، بل تترك الشعب الإيراني يواجه خطر الموت جوعاً".

 

سياسات واشنطن لا تدعم المقاومة بل تضعفها

وذكّرت بتصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير حول فرض ضريبة إضافية بنسبة 25% على الدول التي تواصل تجارتها مع إيران، موضحةً أن هذا الإجراء يشمل حتى من يبيع المواد الغذائية لها "ما يحدث في إيران من مجازر وقمع ليس مسؤولية النظام الديني وحده، بل تتحمّل الولايات المتحدة وحلفاؤها الذين يفرضون العقوبات جزءاً كبيراً من المسؤولية أيضاً، فهم لا يدافعون عن حقوق الإنسان، بل يفاقمون معاناة الشعب ويدفعونه إلى الموت جوعاً".

وكانت قد كتبت سابقاً، عندما قصفت إسرائيل إيران، أن القنابل لا تجلب ديمقراطية ولا تغيّر الأنظمة، وقالت "سياسات واشنطن وتصريحاتها، لا تدعم المقاومة الشعبية في إيران، بل تضعفها، والأسوأ أن النظام الديني يستغل المواقف الأميركية والإسرائيلية ليصوّر المحتجين على أنهم عملاء لقوى خارجية، ويبرر بذلك إصدار أحكام الإعدام بحقهم".

وترى أن النظام الديني الحالي نشأ نتيجة استحواذ الملالي على ثمار ثورة ملايين الإيرانيين خرجوا عام 1979 لإسقاط حكم الشاه "الشعب الذي قدّم تضحيات جسيمة للتخلص من الشاه لا يمكن أن يقبل بالعودة إلى سلطته من جديد، مستشهدة بالمثل القائل "لا يمكن السباحة في النهر نفسه مرتين".

وأكدت عضوة في "شبكة التضامن مع المهاجرين"، يلدز أونَين أن إيران ليست بحاجة إلى مثل هذه الشخصيات بالإشارة إلى رضا بهلوي، فالبلاد تمتلك القدرة على إنتاج قيادات جديدة من داخلها، وقد أثبتت ذلك مراراً عبر موجات الاحتجاج المتكررة، مشددةً على ضرورة عدم نسيان النضالات الكبرى التي أطاحت بالشاه، بما فيها المظاهرات الضخمة، والأحزاب الشيوعية، والمنظمات النسائية "هذه القوى لا تزال موجودة حتى اليوم، وأن إيران ليست بلداً بلا أحزاب أو قيادة سياسية، بل إن هناك بالفعل قوى سياسية وأحزاباً تنظم المتظاهرين وتقودهم".