عيد بلا ألوان... كيف تحول نوروز في أفغانستان إلى موسم للحزن؟
حل نوروز في أفغانستان هذا العام وسط أجواء من الحزن والقمع، حيث تراجعت مظاهر الاحتفال تحت وطأة الحرب وقيود طالبان، وغابت النساء عن الفضاء العام. ومع ذلك، لا يزال هذا العيد يشكل رمزاً للمقاومة والحفاظ على الهوية الثقافية.
بهاران لهيب
كابول ـ يعد نوروز أحد أهم الأيام التاريخية في أفغانستان، ويحتفل به الناس سنوياً ببهاءٍ واهتمام كبير. يؤمن الأفغان بأنّه يجب، قبل بداية العام الجديد، تنظيف جميع أدوات المنزل، ومكان العمل، أو أي مكان يعيشون فيه، حتى ترافق النظافة إزالة أحزان العام الماضي وهمومه.
لكن مع اندلاع الحرب منذ عام 1979 وحتى اليوم، ومع تعاقب حكومات مستبدة أو استبدادية أو فاسدة على السلطة، قُتل أو اختفى ملايين الشباب من الفتيات والفتيان. ونتيجة لذلك، ارتفعت معدلات الأمية والبطالة والفقر والهجرة القسرية يوماً بعد آخر. هذا الوضع أدى إلى تراجع الدافع لدى الناس للاحتفال بمثل هذه المناسبات.
قبل الحرب والغزو السوفييتي لأفغانستان، كان الناس مهما كان مستواهم الاقتصادي يخرجون من منازلهم طلباً للفرح وتجديد الروح، ويتوجهون إلى الأماكن الترفيهية لما يسمّونه "الدوس على العشب"، معتقدين أنّ ذلك سيجعلهم مفعمين بالحياة طوال العام.
وخلال أكثر من أربعة عقود من الحرب، كانت الحكومات المتعاقبة، قبل كل نوروز أو عيد، ترتكب مجازر أو تتسبب في تفجيرات انتحارية وانفجارات، أو حتى هجمات على المراكز، ما أودى بحياة عشرات أو مئات الأشخاص. هذه الأحداث جعلت الأفغان يغرقون في الحزن بدل الاستعداد للاحتفال.
ورغم كل هذه المآسي والجرائم والحروب، أصبح الاحتفال بهذه الأيام التاريخية في عهد طالبان شكلاً من أشكال المقاومة والنضال. أمس السبت 21 آذار/مارس، كان اليوم الأول من العام الجديد في التقويم الهجري الشمسي، الأفغانيات داخل البلاد وخارجها احتفلن بهذا اليوم رغم أن طالبان وصفته بـ "الكفر". لكن في معظم الولايات، اقتصر الاحتفال بنوروز على الأطفال والفتيان فقط.
ذهبنا أمس إلى مكان كانت العائلات تقصده عادة للاحتفال بالعام الجديد، لكننا لم نجد سوى أطفال وفتيان صغار. لم يكن هناك أي أثر للنساء أو الفتيات، حتى الصغيرات منهن. هناك تلة في كابول كانت العائلات تتوافد إليها في نوروز للتنزه. كانت هذه التلة، بزهورها وأعشابها البرية، تزداد جمالاً بوجود النساء والأطفال بملابسهم الملونة.
لكن أمس لم تكن هناك أي امرأة في ذلك المكان. كان عناصر "الأمر بالمعروف" حاضرين ويمنعون دخول النساء. تواصلنا مع أصدقائنا في ولايات مختلفة لمعرفة وضع الاحتفال بنوروز. قالوا إن الوضع هناك مشابه أيضاً؛ لا أحد يبتسم، ولا يُرى أي مظهر من مظاهر الفرح بين الناس. ولهذه الأسباب، عادت أفغانستان لتتذيل قائمة الدول الأقل سعادة في العالم.
يؤمن الأفغان بأن ارتداء ملابس جديدة في اليوم الأول من السنة يجلب السعادة طوال العام. لكن في الظروف الحالية، ومع الفقر الواسع، وقمع طالبان، والأحداث الدموية الأخيرة، لم يكن هناك أثر للملابس الجديدة على معظم الناس.
لم يعد نوروز في أفغانستان مجرد مناسبة احتفالية، بل تحوّل إلى مرآة تعكس بوضوح الواقع الاجتماعي والسياسي والإنساني الذي يعيشه البلد. ففي ظل الفقر المتفاقم، والقمع المتصاعد، وانعدام الأمن، فقد العيد طابعه المبهج، وأصبح رمزاً للمقاومة والتضامن وصون الهوية الثقافية. ورغم كل ما يحيط بالأفغان من معاناة، يبقى الأمل حاضراً بأن يأتي يوم يعود فيه نوروز احتفالاً حقيقياً، يجتمع فيه جميع أفراد المجتمع، ولا سيما النساء والأطفال، في أجواء من الحرية والفرح.