واقع قاتم يخيّم على نساء أفغانستان في ظل حكم طالبان

في اليوم العالمي للمرأة، تتجدد التحذيرات الدولية من تدهور أوضاع النساء في أفغانستان، إذ تكشف البيانات الحديثة عن تصاعد القيود المفروضة عليهن تحت حكم طالبان وحرمانهن من حقوقهن الأساسية إلى جانب تفشي أنماط متعددة من العنف ضدهن.

بهاران لهيب

أفغانستان ـ حل الثامن من آذار/مارس هذا العام بينما تواجه النساء في أفغانستان واقعاً مغايراً للاحتفاء العالمي بإنجازات المرأة، إذ يشكل هذا اليوم تذكيراً بتصاعد القيود وتدهور حقوقهن وخلال العام الماضي تراجعت أوضاع النساء بشكل حاد في العديد من المجالات والمشاركة الاجتماعية ما يهدد مستقبل جيل كامل من الفتيات.

أفغانستان، التي يبلغ عدد سكانها قرابة 40 مليون نسمة، تشكل فيها النساء والفتيات ما يقارب نصف السكان، ومع ذلك فإن أكثر من 78% من النساء والفتيات الأفغانيات محرومات من التعليم والتدريب المهني والعمل، ولا تزال ملايين الفتيات في البلاد ممنوعات من الالتحاق بالمدارس الثانوية والجامعات.

وبحسب تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" يُقدّر عدد الفتيات الأفغانيات غير الملتحقات بالمدارس بنحو 2.2 مليون فتاة، ولا يقتصر تأثير هذا الحرمان التعليمي على تهديد مستقبل الفتيات فحسب، بل يمتدّ ليشمل آثاراً طويلة الأمد على التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي في أفغانستان.

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" من أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن أكثر من أربعة ملايين فتاة في أفغانستان سيُحرمن من التعليم الثانوي بحلول عام 2030، وقد تسبب الحرمان من التعليم في فقدان العديد من الأسر الأمل في مستقبل بناتهن، وفي بعض المناطق، تُجبر الفتيات على الزواج في سن مبكرة، وهو أمر يعرض حياتهن وصحتهن لخطر جسيم.

 وفي الوقت ذاته تواجه النساء الأفغانيات قيوداً واسعة النطاق في مجال العمل، حيث يُمنع الكثير منهن من العمل في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وقد أعلنت منظمة "مراسلون بلا حدود" في تقرير لها أن أكثر من 80% من النساء العاملات في وسائل الإعلام والمؤسسات المختلفة فقدن وظائفهن بعد عام 2021.

وتُقدّر نسبة البطالة بين النساء بأكثر من 90%، وهو وضعٌ أدى إلى انتشار الفقر بين الأسر التي تعيلها نساء، وقد جعل انعدام فرص الحصول على دخل مستقل العديد من النساء يعتمدن كلياً على أسرهن أو أزواجهن، مما أدى إلى تقييد حقوقهن الاجتماعية بشكل متزايد، كما ساهم ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانخفاض المساعدات الدولية في تفاقم الأوضاع الاقتصادية للنساء.

يُعدّ العنف ضد المرأة أزمة خطيرة أخرى في أفغانستان، ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أعلنت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن ما لا يقل عن 14.2 مليون امرأة وفتاة أفغانية كنّ بحاجة إلى الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي في العام الماضي.

وحالت أشكال العنف المنزلي والمجتمعي والعرفي دون إبلاغ العديد من النساء عن تعرضهن للعنف، مما أدى إلى استمرار تزايده، وفي الوقت نفسه تزايدت المخاوف بشأن غياب الحماية القانونية للنساء.

 

الوضع الصحي مقلق للغاية

وبحسب تقرير صادر عن بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) في تشرين الأول/أكتوبر 2025، جُلِد 215 شخصاً، بينهم 44 امرأة، علناً خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من ذلك العام، وكانت العقوبات تُفرض في الغالب بتهم مثل العلاقات خارج إطار الزواج أو انتهاك القيود الاجتماعية.

ولا تزال عمليات الاحتجاز التعسفي للنساء مستمرة، فقد تم اعتقال بعض النساء بسبب ملابسهن أو تحركاتهن أو وجودهن في الأماكن العامة، واحتُجزن لأيام أو حتى أسابيع دون السماح لهن بالاتصال بمحامين أو عائلاتهن.

إن الوضع الصحي للمرأة في أفغانستان مقلق للغاية، إذ تُعدّ أفغانستان من بين الدول التي تسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات في العالم، وقد ذكرت منظمة الصحة العالمية، أن حوالي 638 أماً تموت لكل 100 ألف ولادة، وهو رقم يشير إلى وفاة امرأة أفغانية أثناء الحمل أو الولادة كل ساعتين تقريباً.

ويُعدّ نقص الطبيبات، ومحدودية الوصول إلى المرافق الصحية، والفقر، وانعدام الأمن من أهم العوامل المؤثرة في هذه الحالة، تُضطر العديد من النساء إلى قطع مسافات طويلة للحصول على الخدمات الصحية، وفي بعض الحالات لا يستطعن ​​الوصول إلى المرافق الصحية لعدم وجود ولي أمر ذكر، ونتيجةً لذلك تتم نسبة كبيرة من الولادات في المنزل دون وجود أخصائي، مما يزيد من خطر وفيات الأمهات والمواليد.

إلى جانب المشاكل الجسدية، تفاقمت أزمة الصحة النفسية بين الأفغانيات، فبحسب تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تعاني نحو 90% من النساء والفتيات من مشاكل نفسية خطيرة، ويُعزى هذا الوضع بشكل رئيسي إلى الفقر والعنف والإقصاء الاجتماعي والقيود الثقافية المنتشرة.

ولا يزال الزواج المبكر مستمر، فالعديد من العائلات، بسبب الفقر أو نقص التعليم، تزوج بناتها في سن مبكرة، مما له عواقب وخيمة على صحتهن وتعليمهن ومستقبلهن.

 

الأوضاع في السجون

ويُعدّ الوضع في سجون النساء في أفغانستان مصدر قلق بالغ، وتشير التقارير إلى ازدياد عدد النساء في السجون بشكل ملحوظ منذ عام 2021، ووفقاً لإحصاءات صادرة عن حركة طالبان، بلغ عدد النساء المحتجزات في 34 سجناً للنساء في أفغانستان عام 2026 نحو 1825 امرأة، وتم احتجاز العديد من هؤلاء النساء بتهم مثل "الهروب من المنزل" و"إقامة علاقات خارج إطار الزواج" أو انتهاك القيود الاجتماعية، وتشير التقارير أيضاً إلى أن ظروف المعيشة في بعض السجون صعبة، حيث تعاني من مشاكل مثل نقص الغذاء والخدمات الصحية ومرافق الصرف الصحي، بالإضافة إلى محدودية الوصول إلى المحامين أو الزيارات العائلية.

رغم كل هذه التحديات، لا تزال المرأة الأفغانية تسعى جاهدة للحفاظ على صوتها، وتحاول الجماعات النسائية والناشطات الاجتماعيات وشبكات التعليم غير النظامي إبقاء الأمل حياً في التعليم والمشاركة الاجتماعية.

وفي اليوم العالمي للمرأة حاولت عدد من النساء في كابول وبعض المدن إيصال أصوات النساء الأفغانيات الصامتة إلى العالم مرة أخرى من خلال تنظيم حركات رمزية واحتجاجات محدودة.