طريق العلم الوعر... من الحظر إلى الماجستير
تمثل مسيرة ربيعة إيتو من النزوح إلى منصات التخرج، تجسيداً حياً لانتصار الهوية على محاولات الإبادة الثقافية، ورحلة بحث عن الذات بدأت بفضول طفلة وانتهت بإنجاز أكاديمي.
سيلفا الإبراهيم
كوباني ـ يجسد جيل كامل من طلبة مدينة كوباني قصة انبعاثٍ حضاري، بعدما نجح في الانتقال من مقاعد دراسية حظرت فيها لغتهم الأم إلى منابر الدراسات العليا باللغة الكردية، هذا الجيل الذي اختبر مرارة القمع الثقافي وعاصر ويلات الحرب، لم يستسلم لسياسات الإقصاء الممنهج، بل جعل من لغته هوية أكاديمية وسلاحاً فكرياً، محولاً آلاف التجارب الفردية إلى نهضة تعليمية شاملة أعادت الاعتبار للجذور والتاريخ.
لطالما كانت اللغة أكثر من مجرد وسيلة للتواصل، لقد كانت خندق المقاومة الأخير والحصن الذي حفظ الهوية من الذوبان أمام عقود من سياسات الإقصاء الممنهج، فمنذ المنع الصارم الذي طال الحرف والكلمة في أجزاء كردستان الأربعة، وصولاً إلى سياسات التعريب والتتريك القسري، عاشت الأجيال الكردية صراعاً مريراً لإبقاء لغتها الأم حية خلف الأبواب الموصدة، ولم تكن روج آفا استثناءً حيث اختزلت ذاكرة شبابها تفاصيل القمع الذي مارسه المعلم ضد طفلٍ لا يملك سلاحاً سوى لغته التي لا يفقه غيرها.
إلا أن عام 2012 لم يكن مجرد تاريخ لثورة سياسية، بل كان شرارة ثورة لغوية أعادت بناء الجسور بين الشعب وتاريخه، محولةً اللغة الكردية من "جريمة" يُعاقب عليها إلى منهاج أكاديمي يدرس في المدارس والجامعات.
وفي ظل هذا التحول التاريخي، تبرز قصة الشابة ربيعة إيتو التي ولدت في أزقة كوباني لتشهد مخاض ولادة اللغة من رحم المعاناة، ربيعة التي بدأت تعليمها بلغة فرضت عليها، وجدت نفسها اليوم ليست فقط خريجة القسم الجامعي الذي كان حلماً محظوراً، بل صوتاً صحفياً ينقل حقيقة مجتمعها، وطالبة دراسات عليا في علم الاجتماع.
من أزقة كوباني إلى منابر الأدب والصحافة
ولدت ربيعة إيتو في مدينة كوباني، وهي الآن في السابعة والعشرين من عمرها، تلقت تعليمها الابتدائي والإعدادي باللغة العربية في مسقط رأسها، إلا أن هجمات داعش عام 2014 حال دون خوضها امتحانات الشهادة الإعدادية في ذلك العام، تستذكر بدايات شغفها قائلة "فتحت ثورة روج آفا عام 2012 الأبواب أمامي للالتحاق بدورات اللغة الكردية في مدرسة "الشهيد أوصمان"، مما ولد لدي فضولاً ودافعاً قوياً لتعلم لغتي الأم بشكل أكاديمي"، فقد كان حظر التحدث بالكردية في المرافق العامة والمدارس إبان حكم نظام البعث سبباً في إجادة أهالي كوباني للغة نطقاً في حياتهم اليومية فقط، مع افتقارهم لمهارات القراءة والكتابة نتيجة سياسات القمع السائدة آنذاك.
وتوضح أن ثورة روج آفا كانت نقطة تحول للشعب الكردي لأنها أحدثت ثورة لغوية داخل المجتمع، مشيرة إلى أن فرض لغة غير لغة المجتمع مثل العربية على طلاب لا يتقنونها يؤدي إلى إضعاف مستواهم الدراسي وحرمانهم من القدرة على التعبير، إضافة إلى الآثار النفسية الناتجة عن معاقبة الطالب لمجرد التحدث بلغته الأم. في المقابل، تؤكد أن اعتماد المناهج الكردية خلق بيئة تعليمية محفزة ساعدت الطلاب على تحقيق نجاحات ملموسة.
التحديات والعودة إلى الجذور
أدت المعارك الطاحنة وهجوم داعش، إلى إغلاق المدارس وإجبار أهالي كوباني على النزوح، فكانت ربيعة إيتو وعائلتها ضمن موجة التهجير، وبعد تحرير المدينة عام 2015، عادت إلى مقاعد الدراسة، لكن التحول الكبير كان في لغة المنهاج التي أصبحت كردية بالكامل "اجتزت امتحانات المرحلة الإعدادية باللغة الكردية، وواصلت مسيرتي التعليمية بذات النهج حتى افتتحت جامعة كوباني أبوابها عام 2017، لتكون وجهتي قسم الأدب الكردي".
لم تكتفِ ربيعة إيتو بالجانب الأكاديمي، بل اقتحمت ميدان الصحافة عام 2015، مستمدة إلهامها من تضحيات زملائها الذين قتلوا في سبيل نقل الحقيقة، واستطاعت أن تنجح في الموازنة بدقة بين عملها الإعلامي ودراستها الجامعية، لتتوج هذه الرحلة الشاقة بتخرجها عام 2021، ضمن الدفعة الأولى.
الأدب والصحافة في خدمة الهوية
وعن اختيارها لقسم الأدب الكردي في الجامعة، توضح أن اختيارها قسم الأدب الكردي جاء من رغبة عميقة في اكتشاف لغة منع استخدامها طويلاً. ومع دراستها، اكتشفت غنى اللغة الكردية بالمعرفة والثقافة، وتعرفت من خلالها على تاريخ الشعب الكردي وإبداع كتابه وشعرائه، ما عمق ارتباطها بهذا المجال.
وتؤكد أن هذا المخزون المعرفي انعكس إيجاباً على عملها الصحفي، لأن اللغة والصحافة مجالان متجذران في المجتمع، وقد منحها هذا التناغم تكاملاً مثالياً بين مسارها المهني ودراستها الأكاديمية.
وتصف لحظة تخرجها بأنها إنجاز استثنائي لأنها جاءت من مدينة كوباني التي نهضت من الدمار رغم الهجمات والانقطاعات التعليمية المتكررة. وترى أن نجاحها يمثل انتصاراً للغة الكردية التي تعرضت لسنوات من محاولات المحو والقمع.
وفي يوم التخرج، اختارت مع زملائها زيارة "مزار الشهداء" قبل الاحتفال، تقديراً لمن ضحوا بحياتهم كي يتمكن الجيل الجديد من التعلم بلغته الأم، ومنذ ذلك الحين أصبحت زيارة المزار تقليداً ثابتاً يسبق مراسم التخرج.
تمكنت جامعة كوباني هذا العام من إطلاق برامج الماجستير في اختصاصات متنوعة، وقد وقع اختيار ربيعة إيتو على علم الاجتماع نظراً لارتباطه الوثيق بمجالها المهني، ورغبةً منها في تعميق خبراتها واكتساب رؤى وتجارب أوسع في هذا العلم.
رسالة وفاء للغة الأم وتحديات الواقع
وبمناسبة يوم اللغة الكردية الذي يصادف 15 أيار/مايو، أكدت ربيعة إيتو عزمها على تسخير حصيلتها العلمية في خدمة مجتمعها، وتمثيل جيل يليق بعراقة اللغة الكردية وتاريخها الغني.
وشددت على أن "ما تواجهه لغتنا من قمع ممنهج يحملنا مسؤولية إحيائها وصونها بكل الوسائل المتاحة"، مشيرة إلى التناقض في المشهد السوري الراهن، حيث تُفرض اللغة العربية رغم الوعود السابقة التي أطلقتها الحكومة السورية المؤقتة باحترام التعددية، معتبرةً أن ما يجري اليوم، وإن لم يكن منعاً رسمياً معلناً، إلا أن الممارسات على الأرض تكشف عن توجهات إقصائية ترفضها المكونات التي وُعدت سابقاً بحماية ثقافاتها ولغاتها الخاصة.