تلوث الهواء في طهران... أزمة مزمنة بين الحلول الطارئة والإصلاحات الهيكلية

تعاني طهران ومدن إيرانية أخرى من ضباب دخاني كثيف لأيام عديدة كل عام، وتُلقي الحكومة باللوم على السيارات والوقود والطقس البارد في هذه المشكلة، لكن الخبراء يرون أن جذورها تكمن في سياسات الطاقة، والتخطيط العمراني، وندرة المياه.

مركز الأخبار ـ تشهد طهران مستويات مرتفعة من تلوث الهواء، ما ينعكس مباشرة على صحة السكان وحياتهم اليومية، ويفقد آلاف الأشخاص حياتهم سنوياً نتيجة الأمراض المرتبطة بالتلوث.

يعزو المسؤولون في إيران تلوث الهواء في العاصمة طهران إلى مجموعة من العوامل، أبرزها تدهور أسطول النقل، وانخفاض جودة الوقود، والازدحام المروري الشديد، إضافة إلى ظاهرة انقلاب درجات الحرارة في فصل الشتاء، وتشير الوثائق الحكومية والتقارير الرسمية إلى أن التركيز ينصبّ عملياً على تنظيم حركة المرور، ورفع معايير الوقود، وتطبيق تدابير موسمية لإدارة الأزمة، وتؤكد هذه المصادر أن السياسات المتبعة لمكافحة التلوث تظل قصيرة الأجل، وتعتمد على برامج تجديد محدودة باعتبارها التدابير الرئيسة في مواجهة المشكلة.

وتُولي البحوث العلمية والتحليلات المستقلة أهمية بالغة لمساهمة قطاع النقل، فقد وجدت إحدى الدراسات أن المركبات مسؤولة عن ما يصل إلى 82% من بعض انبعاثات التلوث في طهران، إلا أنها تُسلط الضوء أيضاً على دور سياسات الطاقة (الوقود غير النظيف والدعم الحكومي)، والصناعات المحيطة بالمدينة، ومحطات توليد الطاقة القديمة، وحرق أنواع الوقود الرديئة في فصل الشتاء، والآثار المناخية والهيدرولوجية (الغبار الناتج عن الجفاف والتصحر)، ولا ينظر هذا التحليل إلى التلوث باعتباره مشكلة تقنية أو موسمية بحتة، بل كنتيجة لخلل في البنية الاقتصادية والطاقية والمكانية للمدينة.

وعلى مستوى التأثير البشري، أعلنت المؤسسات الرسمية والمستقلة أرقاماً متباينة، فقد نشرت تقارير حكومية ووسائل إعلام محلية أرقاماً تُشير إلى وفاة عدة آلاف سنوياً في طهران، بينما أعلنت بعض المصادر الرسمية في البلاد أن عدد ضحايا التلوث على المستوى الوطني بلغ حوالي 58,975 شخصاً في عام 2024، كما تُشير دراسات علمية تستند إلى نماذج عالمية إلى وفيات كبيرة، إلا أن "القياس الدقيق للضحايا" لا يزال محل جدل واختلاف في المنهجية.

وأظهرت الدراسات التي أُجريت بين عامي 2016 و2021 أن مؤشر جودة الهواء في طهران كان عند مستوى "غير صحي" لمدة تتراوح بين 17 و33 % من أيام العام الجاري، وفي السنوات الأخيرة، ازداد عدد الأيام الملوثة.

 

ماذا يحدث وماذا يمكن فعله؟

وتُطبّق إجراءاتٌ مثل إغلاق المدارس في الأيام الحرجة، وفرض قيودٍ مرورية (مناطق فردية وزوجية أو أنظمة فردية وزوجية إقليمية)، وإغلاق المكاتب أو تقليص ساعات عملها، وتقديم توصياتٍ للحدّ من حركة المرور، وتفعيل أساطيل النقل العام في الأيام الحمراء، وفي حالاتٍ حديثة، أعلنت المدن عن إغلاق المدارس وفرض قيودٍ مرورية، وعادةً ما تمنع هذه الإجراءات الطارئة تقبّل العواقب فوراً، لكنها لا تُؤثّر بشكلٍ دائم على الحدّ من التلوث.

وشدد الخبراء على توزيع الكمامات الطبية (N95) على الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتوفير وسائل النقل العام مجاناً أو بأسعار مدعومة خلال أيام الأزمات، وتجهيز المستشفيات ومراكز الطوارئ لاستقبال أعداد متزايدة من الزوار، والإغلاق المؤقت للصناعات الملوثة في المناطق المجاورة، وتوفير معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب للحد من التعرض الجماعي للتلوث، فضلًا عن مراقبة حرق النفايات والوقود المنزلي غير المطابق للمواصفات، ويؤكد الخبراء على ضرورة أن تتم هذه الإجراءات وفقاً لخطة مُعدة مسبقاً حتى لا نشهد تكراراً لحالات الطوارئ الطارئة.

واقترحت الحكومة وبعض المؤسسات الرسمية برامجَ مثل تحديث أسطول النقل العام، وتحسين جودة الوقود، وإنشاء محطات رصد وتوسيع نطاقها، وتشجيع انتقال السكان من المناطق الحضرية الكبرى (وهي سياسة أُقرت لدعم الهجرة من طهران)، والاستثمار في مترو الأنفاق والمركبات النظيفة. وتشير وثائق التنمية والتقارير الرسمية إلى "إعطاء الأولوية" للتحكم المحلي في الموارد، على أمل أن يُسهم مزيج من اللوائح ومشاريع البنية التحتية في تحسين جودة الهواء خلال العقد القادم.

ويرى باحثون مستقلون ومحللون دوليون أن التدابير المحلية لن تكون كافية دون تغييرات جذرية في سياسة الطاقة والاقتصاد، وتشمل مقترحاتهم مراجعة سياسات دعم الوقود وإصلاح نظام تسعير الطاقة للحد من استهلاك الوقود المرتفع في المنازل والصناعة، والاستثمار السريع والواسع النطاق في الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة شبكة الكهرباء، وتحديث أسطول النقل بالكامل (من خلال برنامج فعال لإخراج السيارات القديمة من الخدمة واستبدالها بسيارات نظيفة وحافلات كهربائية)، والسيطرة على الانبعاثات الصناعية في أنحاء المدينة، ونقل مصادر التلوث أو تنظيفها، إلى جانب توحيد معايير التلوث الصناعي. وفي الوقت نفسه، يشككون في إمكانية تحقيق هذه الأهداف في ظل الهيكل السياسي الحالي.

ويواجه تطبيق هذه النسخة المستقلة عقبات اقتصادية وسياسية، فارتفاع تكاليف تحويل نظام الطاقة، ومقاومة الجهات المعنية، بما فيها الصناعات التي تعتمد على الوقود الرخيص، والتعقيدات المالية لتحديث الأسطول، والحاجة إلى سياسات شاملة للقطاعات (تنسيق الوزارات، وجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية)، كلها قضايا بالغة الصعوبة في ظل العقوبات والأزمات الاقتصادية، كما لاحظ المراقبون الدوليون أن بعض الأزمات البيئية في إيران (الجفاف، واستنزاف المياه الجوفية) تُفاقم التلوث، وأن النتائج ستكون محدودة ما لم تُعالج هذه الأزمات في آنٍ واحد.

وتواجه طهران أزمة تحمل في طياتها جانباً موسمياً يمكن التعامل معه، وجانباً هيكلياً طويل الأمد يصعب تجاوزه، فالإجراءات الحكومية العاجلة قد تخفف الضغط عن المستشفيات مؤقتاً وتساهم في إنقاذ الأرواح، غير أن الخبراء المستقلين يحذرون من أن الاكتفاء بالحلول الطارئة دون إصلاحات جذرية في مجالات الطاقة والصناعة والتخطيط العمراني سيؤدي إلى تضخم التكاليف عاماً بعد عام. ومن ثم فإن معالجة المشكلة تتطلب مزيجاً من إدارة يومية لحماية السكان، وسياسات استراتيجية بعيدة المدى على الصعيدين الاقتصادي والطاقي والعمراني. ويظل الخلاف القائم بين الحكومة والجهات المستقلة حول أي من المستويين يجب أن يحظى بالأولوية العقبة الأبرز أمام الوصول إلى حل فعّال.