طلاب إيرانيون يعلنون رفضهم لعقوبة الإعدام ويصفونها بأداة لهيمنة الدولة

أعلن طلاب من جامعات إيرانية عدة رفضهم لمبدأ عقوبة الإعدام، مؤكدين أن هذه العقوبة تُستخدم أداةً لهيمنة الدولة وبث الخوف، وأن نزع شرعيتها يشكل خطوة أساسية نحو بناء مجتمع ديمقراطي يصون الحق في الحياة.

مركز الأخبار ـ تعد عقوبة الإعدام في إيران إحدى أكثر أدوات الدولة إثارة للجدل، إذ تُستخدم لترسيخ الهيمنة السياسية وردع المعارضين، وسط تصاعد الانتقادات التي تعتبرها ممارسة تقوض الحق في الحياة وتعمق مناخ الخوف داخل المجتمع.

أصدرت مجموعة من النشطاء الطلابيين المستقلين من جامعات إيرانية مختلفة من بينها طهران، بهشتي، الزهراء، خواجه ناصر، شيراز، علامة طباطبائي، جامعة العلوم والتكنولوجيا، بياناً مشتركاً، معلنين معارضتهم لـ"مبدأ عقوبة الإعدام".

وجاء في نص البيان "إن الإعدام ليس إقامة للعدالة، بل هو قتل متعمد لإنسان، تُعلنه الحكومة شرعياً مستندةً إلى القانون، ولا يُغير أي مسمى من 'الحد' و'القصاص' إلى 'العقاب القانوني' و'الأمن القومي' من طبيعة هذا الفعل، فالإعدام هو اللحظة التي تستحوذ فيها السلطة السياسية على حق تقرير مصير حياة الإنسان وموته، لذا فإن معارضة الإعدام ليست مجرد معارضة للعقاب بل هي معارضة لإحدى أهم أدوات هيمنة الدولة وقمعها، فالسلطة التي تملك سلطة القتل هي نفسها التي تضع حدوداً وقيوداً للحياة، وهذا الادعاء بملكية الحياة هو السائد اليوم بأبشع صوره في الشوارع والسجون، لدرجة أن أخبار الإعدامات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة المواطنين الإيرانيين".

وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من ألفي شخص أُعدموا على يد السلطات خلال العام الماضي وحده، وتُعد هذه الإعدامات انتقاماً لوحشية النظام في المجتمع الإيراني، وكل إعدام سياسي هو انتقام لتاريخ الحركات الاجتماعية ومناهضة الاستبداد، وفقاً للبيان.

وأكد البيان إن أحكام الإعدام التي تُصدر وتُنفذ هذه الأيام هي استمرار مباشر لجرائم التي وقعت خلال الاحتجاجات الأخيرة، ونفس السياسة التي تجلّت بالرصاص في الشوارع، والتعذيب في مراكز الاحتجاز، والأحكام القاسية في المحاكم والجامعات، لا يوجد فاصل بين قمع الشوارع والسجون والمشانق فهذه حلقات مختلفة في سلسلة تهدف إلى تفتيت مجتمع ينشد الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

وأوضح البيان أن آلة القمع هذه ليست بلا تاريخ بالطبع؛ فقد مرت قرابة خمسة عقود على قيام الجمهورية الإسلامية؛ نظام وجد نفسه في ظل استمرار القمع والإعدامات والمحاكم العسكرية التي انتهجتها الحكومة السابقة، في وضعٍ أكثر وحشيةً من جميع أشكال الحكم السابقة لحظة قيامه.

 

"كل عملية إعدامٍ تحمل رسالةً عامة"

ولفت إلى أن الإعدامات الثورية والقتل المتسلسل وموجة الإعدامات واسعة النطاق التي أعقبت كل حركة اجتماعية، ليست سوى قطرة في بحر الدماء الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية "لقد هيمن منطق واحد على هذا التاريخ: حكومةٌ عاجزة عن تمثيل المجتمع تلجأ إلى سياسة الموت من أجل البقاء، الإعدام في الجمهورية الإسلامية ليس رد فعلٍ عابرٍ على جريمة بل هو جزء من آلية حكمٍ دائمةٍ لبث الرعب في قلوب ملايين الناجين، كل عملية إعدامٍ تحمل رسالةً عامة: الاحتجاج، المعارضة، وحتى التفكير له ثمن، لذلك تحاول السلطات من خلال عمليات الإعدام القضاء على إمكانية العمل الجماعي".

وأكد البيان أن سياسة الإعدام لم تنجح في إسكات صوت المجتمع؛ بل إن صوت المقاومة يُسمع اليوم أعلى من أي وقت مضى، وتُظهر حملة "الثلاثاء لا للإعدام" التي أطلقها السجناء، إلى جانب مقاومة بعض قطاعات المجتمع المدني لهذه الجريمة، أن المجتمع لم يستسلم، كما يُعد رد فعل مكتب المدعي العام المتسرع وإعلانه التهديدي بتجريم أي شكل من أشكال دعم المحكوم عليهم بالإعدام، دليلاً على عمق هذه الحملة وتأثيرها، وعلى أهمية هذه السياسة بالنسبة للحكومة.

 

 "الإعدام هو الحلقة الأخيرة في عملية نزع الإنسانية"

وأشار البيان إلى أن حركة "لا للإعدام" تُعد واحدة من أكثر الحركات السياسية راديكالية، لأنها تقف في معارضة مباشرة للأيديولوجية الدينية السائدة، وتدافع عن الحق في الحياة، وتدرك الحكومة أن معارضة الإعدام يعد هجوماً على أسس سلطتها، ولذلك تسعى عبر جهازها الدعائي إلى وصم المعارضين بأنهم "داعمو المجرمين" و"متواطئون مع الإرهابيين" و"معادون للأمن"، وقمع أي دعم لهم بالتهديدات القضائية والأمنية.

وشدد على أنه يمكن جذر هذا القمع في منطق قديم: أي دكتاتور يريد تبرير إعدام سياسي عليه أولاً أن يُجرد خصمه من صفة "المواطن"، فيصفه أولاً بـ"العدو" أو "العميل الأجنبي" أو "الإرهابي" أو "المُفسد"، ثم ينكر عليه حقه في الحياة، الإعدام هو الحلقة الأخيرة في عملية نزع الإنسانية هذه، حيث يُفرض القضاء على الإنسان كضرورة للحفاظ على النظام "نرفض هذا المنطق ليس فقط في الجمهورية الإسلامية، بل في أي شكل من أشكال السياسة التي تختزل حياة الإنسان إلى لعبة سلطة، لا تقتصر معارضتنا على الإعدام السياسي فحسب، بل تشمل 'مبدأ عقوبة الإعدام'  بقتل الناس حتى أولئك الذين ارتكبوا أخطر الجرائم، لا تكتسب الحكومة مزيداً من الأمن ولا تقضي على العنف".

وأكد البيان أن العديد من الدراسات الموثوقة أظهرت أن عقوبة الإعدام ليست حلاً فعالاً للحد من الجريمة؛ بل على العكس أثبت التاريخ أن هذه العقوبة أداةٌ للقضاء على المعارضين، وإعادة إنتاج العنف غير المشروع، وترسيخ سلطة الدولة، إذا كانت الحياة هي الحق الأول لكل إنسان فلا يحق لأي حكومة أو محكمة أو قانون أن يسلبها، انطلاقاً من هذا الأساس تُعد معارضة عقوبة الإعدام مطلباً أساسياً لتحقيق مجتمع ديمقراطي حر، إن شعار "لا لعقوبة الإعدام" يُشير إلى حركة وعملية لا تدعو فقط إلى إضعاف سلطة الدولة القمعية، بل تدعو أيضاً إلى استئصال العلاقات والآليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تُنتج، في المقام الأول مفهومي "المجرم والعدو"، أن  "الجهود المبذولة لإلغاء عقوبة الإعدام لا ترتبط فقط بالنضال من أجل تدمير البنية السياسية القائمة، بل تتجاوز ذلك أيضاً وإلغاء الشروط المسبقة للإعدام، وبالتالي الجهود المبذولة لإلغاء هذه العقوبة فعلياً هي عملية ستستمر حتى بعد تدمير الجمهورية الإسلامية".

 

"الدفاع عن الحق في الحياة جزء من النضال"

وأعلنت الجامعات على رفضها التام لأي مشروع سياسي يُساوي بين العدالة والانتقام، أو بين العدالة والإعدام، أو بين الانتقال من الاستبداد وإعادة إنتاج آلة القتل التابعة للدولة، إن مستقبلاً مبنياً على المشانق ليس إلا امتداد للماضي، لا قطيعة معه "نرفض رفضاً قاطعاً أي حركة تعتبر العنف السياسي، أو التصفية الجسدية للخصم، أو المنطق العسكري أدوات سياسية مشروعة؛ لأن المجتمع الحر لا يُبنى باستبدال آلة موت بأخرى، كما نرفض تلك القوى التي تُقلل من شأن عنف الدولة وإعدامها أو تلتزم الصمت حيالهما، بمبررات أيديولوجية أو جيوسياسية أو أمنية، لا يمكن لأي مشروع سياسي ولا 'مصلحة تاريخية' ولا أي عدو أجنبي أن يُبرر جرائم القتل التي ترتكبها الدولة، إن أي قوة سياسية تلتزم الصمت حيال آلة الموت، قد ابتعدت عن تقاليد الحرية والمساواة، وكما تُدان عمليات الإعدام باسم 'الأمن الداخلي'، فإن تبرير القمع والقتل باسم 'المقاومة'، أو 'محاربة الإمبريالية'، أو أي مسمى آخر أمر مرفوض بنفس القدر، لا يوجد مثال يبدأ بالتغاضي عن جرائم القتل التي ترتكبها الدولة وأي سياسة تخضع حياة الإنسان لمصالح الدولة ستؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى إعادة إنتاج الاستبداد".

"نحن الطلاب الموقعين على هذا البيان، نعتبر الدفاع عن الحق في الحياة جزءاً أصيلاً من النضال من أجل الحرية والمساواة والديمقراطية، وندعو جميع الطلاب والأكاديميين والنقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني والمعلمين والعمال والمتقاعدين والكتّاب والفنانين، وكل من يؤمن بالحرية والكرامة الإنسانية، إلى عدم التزام الصمت إزاء هذه الدوامة المنظّمة للموت. يُعد نزع الشرعية عن عقوبة الإعدام اليوم عنصراً محورياً في النضال من أجل مجتمع حر وديمقراطي؛ فكل حكم إعدام لا يُنفذ يمهد الطريق لتنفيذ حكم آخر، وكل صوت يُرفع ضده خطوة نحو كسر منطق الموت والدفاع عن الحياة"، بحسب ما أوضحه الطلاب في بيانهم.