سياسة محو الذاكرة وفرض حالة مستمرة من الأنفال (2)
من بين أكثر من 182 ألف ضحيةٍ في الأنفال، دُفنت آلاف النساء في مقابر مجهولة، لذلك البعد الجندري لقضية الأنفال شائع بشكل مثير للقلق في مسار العدالة، كما أن العنصرية واسم الإسلام العاملين الرئيسيين اللذين مهدا الطريق لإبادة الكرد.
شيلان سقزي
مركز الأخبار ـ تناول الجزء الأول من هذا التقرير، الذي استعرض قضية إبادة الأنفال، الآليات المنهجية للقتل والاختفاء والدفن بعيداً عن الوطن، ودور المقابر الجماعية في الإبادة المادية والرمزية للشعب الكردي؛ بدءاً من سياسة نقل الجثث إلى جنوب العراق، مروراً بقصور الطب الشرعي، والتستر القانوني، وصولاً إلى الإدارة السياسية للذاكرة في العراق ما بعد حزب البعث، وقد ركز هذا الجزء على كيف دُفنت العدالة والحقيقة والذاكرة في آنٍ واحد في التراب والمختبر وبنية السلطة.
الجزء الثاني، انطلاقاً من هذا السياق، فيتناول إحدى أكثر جوانب الأنفال طمساً: المقابر الجماعية للنساء، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وغيابها المتعمد عن التاريخ الرسمي وإجراءات العدالة؛ حيث لا يقتصر الطمس على الجانب المادي فحسب، بل يشمل أيضاً الجوانب السردية والقانونية.
المقابر الجماعية لنساء الأنفال وغياب العدالة في التاريخ الرسمي
يتمحور هذا التقرير حول السؤال الرئيسي: ما مدى انتشار الأدلة على وجود مقابر جماعية للنساء في مشروع الأنفال، وماذا يعني ذلك بالنسبة للعدالة التاريخية والقانونية؟ ففي عملية الأنفال أواخر ثمانينيات القرن الماضي، استُهدفت النساء بعنفٍ ممنهجٍ ومُوجّهٍ ضدهن، سواءً كأفرادٍ من عائلاتهن المستهدفة أو كرموزٍ للبقاء والذاكرة واستمرارية المجتمع الكردي.
فمن بين أكثر من 182 ألف ضحيةٍ في الأنفال، دُفنت آلاف النساء في مقابر مجهولة، غالباً دون أي وثائق رسمية أو شهادات وفاة أو وسائل تعريف، تُؤكد التقارير والبيانات الجنائية، بما في ذلك النتائج الحديثة في تل الشيخية (كانون الأول/ديسمبر 2024)، وجود هياكل عظمية تحمل علاماتٍ مميزة للنساء (سن الإنجاب، وعلاماتٍ عظميةٍ خاصة، وملابس).
وحذرت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش، واللجنة الأوروبية لمكافحة الإبادة الجماعية، واللجنة الدولية لشؤون المفقودين مراراً وتكراراً من أنه إلى جانب الأدلة على القصف ودفن الضحايا أحياء، توجد دلائل على عنف جنسي سابق للقتل، وفصل ممنهج للنساء والأطفال عن الرجال، واختطاف متعمد للفتيات، وكلها تشكل جرائم ضد الإنسانية.
ومع ذلك، فإن البعد الجندري لقضية الأنفال شائع بشكل مثير للقلق في مسار العدالة، وإعادة تفسير التاريخ، وحتى في الخطابات العامة، فقد تم فحص العديد من القبور المكتشفة من منظور إحصائي فقط، وليس من منظور هوية الضحايا من النساء، أو جنسهن، أو تجاربهن الخاصة، ويؤدي هذا الغياب في الخطاب إلى استمرار الإقصاء والظلم.
في هذا السياق، لا يُعد تحديد قبور النساء وتوثيق تجاربهن مجرد عمل من أعمال حقوق الإنسان، بل هو أيضاً إعادة صوت لمن أُسكتوا، والذين ظلوا ضحايا للإنكار التاريخي حتى بعد وفاتهم، وبدون هذا التحديد والمتابعة القضائية الدقيقة، تبقى العدالة ناقصة، ويُعاد كتابة التاريخ مرة أخرى من قِبل السلطة، هذه المرة ليس بالأسلحة، بل بمحو الرواية.
بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على فظائع الأنفال، لا يزال الطريق إلى تحقيق العدالة والمساءلة والإنصاف لأسر الضحايا غائباً، ورغم جهود الهيئات الدولية، كاللجنة الدولية لشؤون المفقودين، وهيومن رايتس ووتش، ومركز بغداد للطب الشرعي، فإن الواقع يُشير إلى أن العدالة الدولية في قضية الأنفال لا تزال عالقة في دوامة التسويات السياسية، والقصور الهيكلي، وانعدام الإرادة لدى الحكومات العراقية المركزية والمحلية.
وقد تحولت القضايا التي فُتحت في العقد الأول من الألفية الثانية ضد بعض قادة حزب البعث السابقين، بما في ذلك أمام المحكمة العليا العراقية، إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية أكثر من كونها عملية عدالة شاملة، ولم يُقدَّم العديد من المسؤولين المحليين ومتوسطي الرتب، الذين لعبوا دوراً محورياً في تنفيذ الأنفال، إلى العدالة.
وفي إقليم كردستان، ورغم الالتزامات الأخلاقية، والقيود السياسية، والاختلافات الحزبية، والضغوط الخارجية، لم تُصبح العدالة جزءاً من الذاكرة الرسمية والمؤسسية، حتى عملية التعرف على الجثث وإعادة الهويات للضحايا تواجه نقصاً في الموارد، وخبرات فنية محدودة، وعقبات قضائية؛ بينما لا تزال العديد من العائلات تنتظر أي خبر عن ذويها.
وبالمثل، فشل القانون الدولي، رغم كل القرارات والاتفاقيات، عملياً في إجبار الحكومة العراقية على تحقيق العدالة الشاملة في قضية الأنفال، من جهة أخرى، أدى غياب محكمة دولية مختصة بمحاكمة جرائم الإبادة الجماعية في الشرق الأوسط إلى بقاء قضية الأنفال، بكل ما تحمله من نطاق وتوثيق، مهمشة في تاريخ حقوق الإنسان الرسمي.
في سياق الصراعات في العراق وسوريا، لم تتشكل الذاكرة الجماعية للأنفال على أساس الحقيقة الحرة، بل على أساس بناء سرديات مُتحكَّم بها، وتسويات سياسية، ومصالح جيوسياسية، وتلعب وسائل الإعلام، المحلية والدولية على حد سواء، دوراً حاسماً في هذه العملية؛ فتارةً تحمل الذاكرة، وتارةً أخرى تستخدمها كأدوات للنسيان المُخطط له.
روايات غير مكتملة وذكريات مصادرة
ويكشف التغطية الإعلامية الأخيرة لاكتشاف مقابر جماعية لنساء وأطفال كرد (بما في ذلك تقارير وكالة فرانس برس، وقناة كردستان 24، ومجلة دير شبيغل) عن فجوة في الروايات، فبينما اقتصرت بعض وسائل الإعلام الدولية على تقديم صور عاطفية ومُبالغ فيها، حوّلت وسائل الإعلام المحلية في بعض الأحيان السرد إلى أداة للتبرير السياسي أو الحزبي، ونتيجةً لذلك، لا يُصوَّر الضحية كشخص يستحق العدالة، بل كأداة لبناء "الهوية السياسية الراهنة".
علاوة على ذلك، يتفاقم التوتر السردي عند النظر إلى الاختلافات بين رواية إقليم كردستان، والحكومة العراقية المركزية، والمجتمع الدولي، فأي رواية هي الرسمية؟ ومن له الحق في سرد الأحداث؟ وما هي الأصوات التي تُستبعد عمداً؟ غالباً ما تُخضع الروايات التي تُركز على النساء ضحايا العنف الجنسي للرقابة أو تُضعف، لأن هياكل الإعلام الأبوية لا ترغب في مواجهة حقيقة أكثر جذرية.
بدلاً من توثيق الحقيقة المعقدة، يُختزل الإعلام أحياناً الذاكرة إلى "صور نمطية جاهزة": المرأة الثكلى، الطفل المشرد، البطل أو المجرم، بدلاً من الشبكة التاريخية المعقدة للعنف البنيوي، والنتيجة هي بناء ذاكرة ناقصة ومُسيّسة لا تخدم العدالة، بل تُوجه الرأي العام وتُديم الوضع الراهن.
في نهاية المطاف، في غياب استقلالية الإعلام، ستُدفن ذكرى أنفال إما في أرشيفات حزبية أو تُحصر في تقارير دولية قصيرة وغير موثقة، ما لم يتمكن مشروع جماعي جذري لا هوادة فيه من تحرير الرواية من قبضة التسييس.
في كثير من الحالات، لم تُنشر قوائم تحديد هوية الضحايا ونتائج اختبارات الحمض النووي، أو لم تُتح للعائلات إلا بشكل متقطع، مما أعاق عملية المساءلة العامة والشفافية، ولن تتحقق العدالة ولن تُحرر الذاكرة الجماعية ما لم تُعالج هذه النقائص بشكل جذري وبإرادة سياسية. هذا الصمت حيال الوثائق هو استمرار لسياسة الإنكار نفسها التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي بالغاز والرصاص.
ولمواجهة أبعاد مجزرة الأنفال حقاً وإنهاء عقود من الإنكار والنسيان وتشويه التاريخ، لا يكفي مجرد التعبير عن التعاطف؛ بل يجب أيضاً محاسبة الهياكل السياسية والقانونيةً وفي هذا الصدد، يُعد إنشاء لجنة دولية مستقلة لتقصي الحقائق بمشاركة مؤسسات مثل اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، ومراكز الطب الشرعي المستقلة، ومراقبي حقوق الإنسان المحايدين، أمراً ضرورياً، ينبغي أن تتمتع اللجنة بصلاحيات قضائية وميدانية كاملة للتحقيق في المقابر الجماعية وتوثيقها وتقديم تقارير عنها، لا سيما مقابر النساء والأطفال.
من الضروري أيضاً إنشاء قاعدة بيانات تعريف عامة تُسجّل بيانات الضحايا وتُتيحها للناجين، بما في ذلك الاسم والجنس والعمر ومكان الدفن وسبب الوفاة، هذه البيانات حيوية ليس فقط لتحديد هوية الضحايا، بل أيضاً لإعادة بناء الحقيقة التاريخية للإبادة الجماعية وللدعاوى القضائية المستقبلية، كما ينبغي تطبيق برامج العدالة التصالحية، مع التركيز بشكل خاص على النساء، في الوقت نفسه، يجب ترسيخ كتابة التاريخ التي تُركّز على الضحايا، بالتعاون مع الجامعات ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، حتى لا تبقى الرواية الرسمية أداةً للإنكار والتشويه، إلى أن يأتي اليوم الذي لا يبقى فيه اسمٌ دون شاهد قبر، إن تقصّي الحقيقة وتحقيق العدالة مهمة اليوم، وليست وعداً للمستقبل.
شبح الماضي يطارد الحاضر والمستقبل
إن قتل الكرد أو إبادتهم في المنطقة ليس ظاهرة معزولة أو عرضية، بل تكررت مراراً وتكراراً، والحكومات لا تخشى تكرارها، حيث تكمن المشكلة الأساسية في مواجهة هذه الظاهرة في احتمال تكرارها، فلماذا يتعرض الكرد للإبادة الجماعية؟ لا تحدث الإبادة الجماعية أو القتل دفعة واحدة، يجب أولاً تجريد الأفراد أو الأمم من إنسانيتهم ضمن نظام خطابي، وفي عملية قائمة على العرق أو الدين، يتطور هذا التجريد إلى حد الإبادة، وعند هذه المرحلة، يكون شعب الدولة الحاكمة مستعداً للقبول والاستسلام تجاه الآخرين المجردين من إنسانيتهم، أي الكرد.
تكررت هذه المشكلة مراراً وتكراراً في حكومات المنطقة، كان العنصرية واسم الإسلام العاملين الرئيسيين اللذين مهدا الطريق لإبادة الكرد، فعلى سبيل المثال، تغلغلت العنصرية التركية في المناهج العنصرية لدرجة أنه أصبح الكرد لا قيمة لهم في هذا النهج ويمكن قتلهم بسهولة.
واليوم يشن جهاديي هيئة تحرير الشام، هجمات إبادة جماعية على روج آفا منذ 6 كانون الثاني/يناير الجاري، كما وجدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية الجرأة الأيديولوجية لقتل الكرد باسم الدين والعرق، إلى جانب هذا الأساس الأيديولوجي، كان العجز وانعدام التنظيم في البعد التاريخي من الأسباب الأخرى لتكرار الإبادة الجماعية للكرد حتى العصر الحديث، على سبيل المثال، سواء أثناء ظهور داعش أو الآن وفي هذه الأيام مع صعود نظام جولاني الإرهابي والهجوم المتجدد على روج آفا، لامبالاة وانسحاب القوى المهيمنة العالمية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها من دعم الكرد، وفي جميع مراحل تاريخهم، فضلوا الحكومات القائمة، حتى الإرهابية، على الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل الكرد، وفي مراحل مختلفة، تم المتاجرة بهم بطرق مختلفة، ليس كأوراق لعب، ولكن كطرف قابل للتفاوض على وجوده.
وخلال نصف قرن من تاريخ الكفاح الكردي من أجل الحرية، قامت العديد من الأحزاب بإبطاء هذه العملية ودافعت عن الأمة الكردية، وتغيرت العديد من المعادلات، ويجب على جميع الأحزاب والحركات والمجتمعات في كردستان مراجعة هذه القضية بشكل جذري، أي خطر تكرار الإبادة الجماعية، وأن يكون لديهم وعي وإدراك ذاتي مختلف عما كان عليه من قبل.