سوريا تتشح بالسواد... الدولة التركية تعيد إحياء داعش وتعيد سوريا إلى المربع الأول من الصراع
صاغت الدولة التركية سيناريو فيلم طويل من العنف في سوريا منذ تدخلها في الثورة وتمويل الإرهابيين، وأكملت أبشع فصول روايتها بتسليم السلطة لجهاديي هيئة تحرير الشام، لنصل إلى هذا اليوم الذي يطالب فيه داعش الأطراف السورية بالانصياع له لأنه يقود سوريا اليوم.
سناء العلي
مركز الأخبار ـ ما يحدث في سوريا لن تستطيع أي قصة من أدب الديستوبيا "المدينة الفاسدة" تصوره، ولا كتابها العظماء لا جورج أورويل ولا نجيب محفوظ، فمن كان يتخيل أن قوات سوريا الديمقراطية التي حاربت داعش طيلة سنوات، وقدمت 15 ألف شهيد وشهيدة تصبح اليوم متهمة بـ "الإرهاب"، وتحارب برضى المجتمع الدولي والعربي من قبل داعش وتوصم بالقول أنها "قوة احتلال".
جاءت الأوامر التركية للحكومة السورية المؤقتة بالهجوم على مناطق إقليم شمال وشرق سوريا فلم تعد تقبل بالتباطؤ، ولم يكن لقاء أحمد الشرع الجولاني على قناة شمس الكردية مطمئناً فقد بان في لهجته التهديد وتبني الخطاب التركي الواضح بعلاقة قسد بـ "حزب العمال الكردستاني"، والاتهامات التركية المعتادة ولذلك لم تقبل القناة عرض المقابلة لكن التسريبات بينت النية ودقت ناقوس الخطر خاصةً أنه كانت تتم إبادة الكرد في حيي الأشرفية والشيخ مقصود.
لم يكن يلوح في الأفق قبل أحداث القصر الجمهوري وإطلاق النار بين قادة الحكومة المؤقتة "الذين اجتمعوا حاملين أسلحتهم، ويا لها من دولة"، أي هجوم على مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، ولكن انتشرت الكثير من الإشاعات عن اشتباك حصل بين هؤلاء على رأسهم وزير الخارجية الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة العملاء المباشرين لتركيا وأحمد الشرع "الجولاني" للضغط عليه من أجل مهاجمة المنطقة.
ولكن لأنه براغماتي يحابي أحمد الشرع "الجولاني" كل القوى من أمريكا إلى إسرائيل وروسيا وكذلك تركيا أراد اللعب بالوقت وتأجيل العملية خوفاً من ردود الفعل الدولية، إلا أن وكما أشيع تعرض لإطلاق نار، وكذلك عندما ظهر في لقاءه على قناة شمس بانت كدمات على وجهه، ونقول أن "كل ذلك تحليلات" لكن خيوط الحكاية بدأت تتضح أكثر وربما كثير من هذه الإشاعات يكون صحيحاً فنحن لا نتبنى ولا ننفي هذه الرواية. وبذلك أجبر على إعلان الحرب مع قوات سوريا الديمقراطية.
الأحداث تسارعت دراماتيكياً منذ السادس من كانون الثاني/يناير والبداية من الخاصرة الرخوة "الشيخ مقصود والأشرفية"، وبعد مقاومة دامت خمس أيام، تم تسليم الحيين لحقن الدماء، وكان الاتفاق أيضاً يشمل دير حافر ومناطق غرب الفرات، كل ذلك حقناً للدماء في ظل حملة إعلامية شعواء ما تزال مستمرة ضد قسد.
ولأن قسد لم تمتلك الحاضنة الشعبية في المناطق العربية التي غلب عليها التشدد رغم كل حملات التوعية التي قامت بها المؤسسات المدنية والنسائية والتابعة للإدارة الذاتية حول الديمقراطية والحقوق وحقوق المرأة والوطن والسياسة، لقد سيطر الخطاب القومي، واستطاعت الحكومة المؤقتة استخدام العشائر كما استخدمها داعش وقبله النظام لتحقيق أجندتها، انقلبت العشائر "وليس كلها لأن التعميم لغة الجهلاء" على من رحبت به عندما ذاقت الأمرين من داعش والتي لما يثير العجب قدمت له أبنائها للقتال وامتزجت دمائهم مع دماء الشبان والشابات الكرد.
انقلبت هذه العشائر على تضحيات أبنائها قبل أن تنقلب على قوات سوريا الديمقراطية ومشروع الإدارة الذاتية الذي أكد على مشاركتها في إدارة المنطقة وليس استخدامها كما تفعل القوى التي سيطرت على سوريا سابقاً.
لم تدخل قوات ما يسمى بالأمن العام إلى الرقة ولا إلى دير الزور بل تحركت الخلايا النائمة من داعش ومن يدعمه في كلا المنطقتين، وأول ما فعلته عندما سيطرت هو تحرير معتقلي داعش من سجني العريشة والرقة، لكن الحكومة المؤقتة تقول أن قسد مسؤولة عن خروج عناصر داعش من السجون، مع أن مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية رفضوا الانسحاب قبل استلام التحالف أو الحكومة المؤقتة لهؤلاء المجرمين الخطرين، ولكن التحالف ورغم أن قاعدته لا تبتعد إلا 2كم عن سجن العريشة لم يتحرك رغم المناشدات، ووضع هؤلاء المقاتلين الأبطال حياتهم في خطر لكيلا تقع المنطقة تحت سيطرة مرتزقة داعش، الذين تم اعتقالهم بعد معارك كبيرة في الباغوز وغيرها من المناطق التي سيطر عليها التنظيم الإرهابي من عام 2014 حتى ربيع عام 2019.
الرقة عاصمة الخلافة الإسلامية لداعش طيلة تلك السنوات عادت لتلبس عباءتها لأنها لم تفهم المشروع التحرري، لقد عادت للظلام، وبجهود أهلها للأسف، فلا وقت للمجاملات والصورة ظلامية بعد أن جفت ألوان الوطن وكسرت ريشة الحق، بفضل قوى تعشق قتل السوريين، وهذه الحرب قبل أن تكون عسكرية هي إعلامية بامتياز لعبت عليها قنوات كبرى لا داعي لتسميتها مقدميها منهم سوريين أيضاً، وكذلك صفحات الفيسبوك لا تعرف معنى الوطن ولا قيمة سوريا ولا قيمة تضحيات الشهداء والشهيدات حتى أنها لا تعرف معنى الإنسانية، صفحات شمتت برمي جثمان المقاتلة من قبل المرتزقة في حي الشيخ مقصود، صفحات شمتت بحلق شارب مسن في السويداء، هي نفس الصفحات التي رقصت على جراح وصراخ الأمهات الثكالى في الساحل السوري، واليوم تنفث سمها للنيل من مدينة الحسكة.
في هذا الوقت العصيب تم تعيين عبد الرحمن سلامة الذي كان أميراً في جبهة النصرة، وواحد من أبرز أذرع الاقتصاد في هيئة تحرير الشام، والذي امتلك أموالاً ومنازل ومعامل من خيانته لوطنه وهو ابن مدينة حلب محافظاً لمدينة الرقة، وكذلك تم تعيين الإرهابي عمر سلخو الذي ذبح طفل فلسطيني عمره 9 سنوات بمخيم حندرات بحجة أن والده كان موالياً للنظام السابق مسؤول الأمن العام في ريف حلب.
تطالب الحكومة المؤقتة بإنهاء قوات سوريا الديمقراطية وتسليم كل المنطقة لجهادييها، لأن السلطات التركية لن تقبل بأقل من ذلك، عندما اجتمع الجنرال مظلوم عبدي وأحمد الشرع "الجولاني"، تدخل التركي وكأن سوريا إحدى ولاياته العثمانية يأتي فوراً تصريح أردوغان بأن "الحكومة السورية نفذت العملية العسكرية في شمال شرق البلاد بدقة ونجاح".
تقود الدولة التركية الحرب ضد الكرد بالوكالة وهدفها ليس فقط القضاء عليهم وإنما القضاء على مشروع الإدارة الذاتية والإبقاء على المواطن السوري تحت رحمة الدولة، وإنهاء النضال النسائي الذي تبلور في مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، وحتى إنهاء فكرة سوريا لدى الشعب.
اليوم سوريا في غالبيتها تتشح بالسواد وها هي تركيا تحقق مبتغاها، لا يفوز الحق دائماً وسيبقى الصراع بين الحق والباطل مستمراً حتى نهاية الوجود، فمنذ تدخلت الدولة في حياة الإنسان ومنذ تجبر الرجل الفئوي والصراع غالب على حياة الإنسان، وحتى يمتلك الإنسان الوعي "والذي لن تمنحه إياه أي دولة لأنه يقوض أسسها"، لن تقوم للبشرية قائمة.