صراع بلا إطار ثابت... لماذا تعجز التحليلات عن مواكبة الحرب؟

مع استمرار الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتكشف ملامح صراع يتجاوز حدود الميدان العسكري التقليدي، فالتوترات السياسية، والضغوط الإعلامية، والتقلبات السريعة في المواقف والقرارات، جعلت من الحرب ظاهرة متعددة المستويات.

شيلا قاسمخاني

مركز الأخبار ـ قارب مرور شهر على الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى؛ حربٌ أثبتت أن صراعات اليوم لم تعد محصورة في ميادين القتال التقليدية. فضغط التجاذبات السياسية والهجمات العسكرية، حين يقترن بقوة الإعلام، يبلغ حداً يجعل العقل والنفس البشرية ساحةً أخرى للمواجهة.

في هذا السياق، جاءت المناورات الكلامية لدونالد ترامب عبر وسائل الإعلام لتربك المحللين، وتزيد من غموض آفاق التفسير والتوقع. والنتيجة وضعٌ بات فيه التحليل أكثر تعقيداً، والرأي العام غارقاً في حالة من الضبابية المرهقة تجاه مستقبل هذه الحرب.

في هذه الأيام التي تعصف فيها الحرب، بل وحتى قبل اندلاعها، باتت وتيرة التفسير أسرع من وتيرة الواقع نفسه. تُصاغ الروايات على عجل، وتتوالى التحليلات الواحد تلو الآخر، ويسعى كل طرف إلى تعريف معنى الحرب ضمن إطار يمنحه شرعية وموقعاً متفوّقاً. غير أنّ المشكلة تكمن في أنّ الحروب لا تسير بالضرورة وفق هذه الروايات؛ فهي تُصنع في مجرى أحداثها أكثر مما تفسر.

في الرؤية الكلاسيكية، تعد الحرب ظاهرة قابلة للفهم وإلى حد ما قابلة للتنبؤ. فمن نماذج توازن القوى إلى منطق الردع وحسابات الكلفة والمنفعة، كان يُفترض أن تساعدنا هذه الأدوات على فهم متى تبدأ الحرب، وكيف تتطور، وفي أي نقطة قد تتوقف. لكن تجربة الحروب المعاصرة، ولا سيما ما نشهده في التوترات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تُظهر أن هذه الأطر على الرغم من فائدتها لم تعد كافية لتفسير الواقع كما هو.

المثال الواضح على ذلك هو الفجوة بين الرواية الرسمية وواقع الميدان. فمن جهة، تُعرف إسرائيل هجماتها بوصفها عملاً استباقياً لاحتواء التهديد، ومن جهة أخرى تصف إيران هذه الأفعال بأنها اعتداء، وتقدّم ردها في إطار الدفاع المشروع. وعلى المستوى الإعلامي يبدو هذا التناقض بسيطاً ومفهوماً: فعل وردّ فعل. لكن في الميدان، فإن التوسّع التدريجي في نطاق المواجهة، من تبادل الضربات إلى تزايد حضور الولايات المتحدة ودورها في المنطقة، يكشف أن الواقع أعقد بكثير من هذا الثنائي المبسط.

وتتجلى هذه التعقيدات أكثر عندما ننظر إلى التوقعات التي سبقت اندلاع الحرب، ففي الأشهر التي سبقت اندلاع المواجهة، قدر العديد من مراكز الفكر الأمريكية ومنها معهد بروكينغز، ومؤسسة راند، ومجلس العلاقات الخارجية أن احتمال وقوع حرب مباشرة وواسعة النطاق ضعيف. وقد استندت هذه التقديرات إلى الإطار المألوف لحسابات الكلفة والمنفعة، وإلى فرضية عقلانية الفاعلين، أي أن تكاليف صراع واسع النطاق ستدفع الأطراف بطبيعتها نحو ضبط النفس.

ومع ذلك، فإن ما حدث أظهر أن الاعتماد الحصري على هذه النماذج لفهم ديناميات الحرب غير كافٍ. فجزء من هذا القصور يعود إلى افتراض ثبات سلوك الفاعلين. ففي كثير من هذه التحليلات، كان هناك افتراض بأن القادة السياسيين ومن بينهم دونالد ترامب سيتجنبون في النهاية الانزلاق إلى حرب باهظة الثمن. لكن ما جرى عملياً بيّن أن القرارات لم تكن خاضعة بالضرورة لحسابات طويلة المدى، بل تأثرت إلى حد كبير بالاعتبارات القصيرة الأجل، والضغوط الداخلية، والتغيّرات السريعة في المشهد السياسي.

كما أن التناقض في التصريحات زاد المشهد تعقيداً. فالتأكيدات المتكررة على قرب انتهاء الحرب تُطرح في الوقت الذي لا تظهر فيه الوقائع أي تراجع في نطاق المواجهات، بل تظهر مؤشرات على توسعها. إن تغير النبرة والمواقف الرسمية باستمرار، وأحياناً خلال فترات زمنية قصيرة، يكشف أن الاعتماد على الخطاب المعلن وحده لم يعد كافياً للتنبؤ بمسار الحرب.

أولاً، هناك الحرب التي تعرف في المستوى الرسمي؛ المواجهة العسكرية المباشرة التي تظهر في الهجمات والردود والتحركات الميدانية. هذا المستوى من الحرب هو ما ينعكس في الأخبار العاجلة، ويبدو للوهلة الأولى قابلاً للسيطرة والتحليل. وفي هذا الإطار تحديداً، يسعى كل طرف إلى تغيير معادلة الردع لصالحه عبر رسم خطوط حمراء وإظهار القوة.

لكن في الطبقة الثانية، تدور حرب أقل ظهوراً؛ حرب الحسابات السياسية القصيرة المدى. في هذا المستوى، لا تُتخذ القرارات بالضرورة بهدف تحقيق نصر عسكري نهائي، بل غالباً لخدمة إدارة الأوضاع الداخلية أو إعادة ضبط التوازنات بشكل مؤقت. فعلى سبيل المثال، قد يكون للهجوم المحدود وظيفة سياسية أو إعلامية أكثر من كونه خطوة عسكرية، من تغيير أجندة الرأي العام إلى إرسال رسائل للخصوم أو الحلفاء.

في هذا المستوى، يصبح حتى "التحكم" في الحرب أداة بحد ذاته؛ أي ليست حرباً واسعة إلى حد الانفلات، ولا محدودة إلى درجة انعدام التأثير. وهذا الوضع، بطريقة ما يساهم في قابلية الحرب للاستمرار، إذ يمكن إبقاؤها في مستوى يضمن استمرار فائدتها السياسية.

وأخيراً، هناك الطبقة الثالثة؛ الحرب بوصفها عملية. عملية تُهلك البنى القائمة وتعيد تعريفها تدريجياً. يمكن رؤية ملامح هذا المستوى في تغيّر موازين القوى الإقليمية، وفي تحوّل فكرة المواجهة المباشرة بين أطراف كانت تتجنبها سابقاً إلى أمر مألوف، وفي تبدّل توقعات اللاعبين من بعضهم البعض. هذا المستوى غالباً ما يكون الأقل ظهوراً، لكنه الأكثر بقاءً في أثره.

مشكلة كثير من التحليلات أنها تتوقف عند الطبقة الأولى. تسأل: من سيربح؟ لكنها نادراً ما تسأل: ما الذي تغيّره هذه الحرب؟ ولذلك، حين تنحرف الحرب عن المسار المتوقع، تفقد تلك التحليلات صدقيتها.

بينما قد يكون السؤال الأهم ليس عن نهاية الحرب، بل عن منطق استمرارها؛ ما الذي يجعل الحرب مستمرة رغم ارتفاع تكلفتها، من الضغوط الاقتصادية إلى القلق الدولي ورفض الرأي العام؟ لا يمكن العثور على الإجابة في الحسابات العسكرية وحدها، بل في تقاطع السياسة الداخلية، والتنافسات الإقليمية، ومنطق القرارات غير المستقرة.

فالحرب لا تجري فقط في ميادين القتال، بل في اللغة، وفي الروايات، وفي القرارات اللحظية أيضاً. وطالما لم تُؤخذ هذه المستويات مجتمعة، فإن أي تحليل حتى لو بدا دقيقاً سيغفل جزءاً من الواقع.

هذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار لطرائق فهمنا للحرب نفسها؛ اختبار يكشف أن فهم الواقع المعقد اليوم يتطلب الابتعاد عن الأطر الأحادية والثابتة، والاقتراب من تحليلات تستوعب عدم الاستقرار، وتعدد الطبقات، وقابلية التحوّل.