صمود رغم الفقد... فتيات فلسطينيات يكتبن نجاحهن وسط الركام
بين الخيام وأنقاض المنازل والمدارس، تمسكت فتيات فلسطينيات بتعليمهن وأحلامهن، ليصبح نجاحهن أكثر من مجرد تفوق دراسي؛ شهادة على الصمود وإصرار على انتزاع مستقبل من قلب الحرب.
نغم كراجة
فلسطين ـ لم تكن شهادات الثانوية في غزة بفلسطين هذا العام مجرد وثائق نجاح، بل خلاصة سنوات من النزوح والخوف وفقد الأحبة، ومحاولات شاقة لحماية حق التعليم وسط دمار شامل. ورغم الدراسة في الخيام والإصابات القاسية، وصلت فتيات غزة إلى لحظة التتويج وهن يحملن أحلاماً تتجاوز الحرب.
في مبادرة مجتمعية بالتعاون مع معهد "الأمل" للأيتام ومؤسسة "فلسطين الوقفية"، أٌقيم أمس السبت 22 آب/أغسطس، تكريم أكثر من عشر طالبات من اليتيمات والناجحات والمتفوقات في الثانوية العامة، إلى جانب عدد من الناجين الوحيدين وفاقدي الوالدين، كان الاحتفال محدوداً في إمكاناته لكنه بدا كبيراً في دلالته؛ إذ منح الفتيات مساحة للفرح بعد أعوام من العذاب، ورسالة بأن نجاحهن لم يمر من دون أن يراه أحد. فالإنجاز بالنسبة إلى تلك الطالبات لم يكن نتيجة امتحان فحسب بل محاولة لاستعادة حقهن في المستقبل.
قصة تفوق رغم النزوح وفقدان الوالدين
وسط الطالبات المكرمات تقف فرح خليل العتال بمعدل 98.4% في الفرع العلمي، حاملة معها قصة تفوق لم تنفصل لحظة عن الفقد، تهدي فرح نجاحها إلى والديها اللذين غابا عن لحظة تتويجها "أهدي نجاحي إلى روح والدي، سنستمر على هذا الطريق في حياتنا الجامعية".
لم تصل فرح خليل إلى هذه النتيجة في ظروف عادية "جاء المعدل رغم كل الظروف والتحديات والنزوح والحرب والدمار وفقداني لأهلي، توجت اليوم وسأبقى أتوج لآخر يوم"، فهي لا ترى أن الثانوية تمثل نهاية الرحلة، بل أمامها حلم الطب الذي حملته منذ سنوات وارتبط لديها أيضاً بوالدتها الراحلة "سأسجل في كلية الطب وسأعالج المرضى، هذا ما كنت أحلم كان به منذ زمن وكان أيضاً حلم والدتي، وسأعمل على تحقيقه".
ثم تختصر تجربتها في رسالة إلى كل فتاة تحاول مواصلة طريقها وسط العوائق "رغم أنني فتاة حاربت وأصررت ودرست وتعبت ونجحت أقول لكل إنسان: كن طموحاً ولا تجعل الظروف واليأس يهزمونك تحد نفسك وواصل الطريق".
ناجية تحمل حلم عائلتها
أما لما سالم، فقد جاءت إلى منصة التكريم وهي تحمل قصة نجاة ثقيلة، حصلت على معدل 84.1% في الثانوية العامة، بعدما أصبحت الناجية الوحيدة من عائلتها إثر قصف استهدف المكان الذي كانت توجد فيه أسرتها في شارع الوحدة.
خرجت من بين الركام بعد 24 ساعة، لكن دون عائلتها، لتبدأ مرحلة جديدة من النزوح والعيش في الخيام ثم وجدت نفسها مطالبة باستكمال الدراسة في وقت كانت فيه الإمكانات التعليمية والمالية شحيحة "رغم كل ما واجهته في حياتي، بقيت مصرة على أن أواصل الدراسة والنجاح واجهت صعوبات كثيرة لكنني كنت مؤمنة بأنني قادرة على تجاوزها".
وعن الحياة في الخيمة قالت "عشت في الخيام ولم تكن هناك إمكانيات كافية لتوفير تكاليف الدراسة، عزيمتي لم تتوقف بل سعيت جاهدة لمواصلة الطريق". كان النجاح بالنسبة إلى لما سالم أيضاً تحقيقاً لأمنية والديها، اللذين لم يتمكنا من رؤية هذه اللحظة "كان حلم عائلتي أن يروني ناجحة، فرحة النجاح كانت ناقصة بالنسبة لي، أنا متأكدة أنهم سعداء بي كما أنا سعيدة اليوم".
حين لا يصبح البتر نهاية الحلم
تأخذ قصة هديل أبو الكاس الصمود إلى مستوى آخر؛ حيث فقدت والديها وإخوتها في قصف استهدف منزل عائلتها، وأصبحت الناجية الوحيدة منهم، بينما تعيش اليوم بقدمين مبتورتين، ومع ذلك تتمسك هديل باستكمال تعليمها متحدية واقعاً جسدياً ونفسياً واجتماعياً شديد القسوة.
تقول هديل أبو الكاس في تلخيص تجربتها "فقدت عائلتي وقدمي، لكنني لم أفقد حلمي مررت بأيام صعبة، وكان الألم أكبر من قدرتي أحياناً، لكنني رفضت أن تكون الإصابة نهاية مستقبلي، أريد أن أكمل تعليمي، وأن أثبت لكل فتاة تمر بظروف قاسية أن الألم لا يجب أن يكون آخر الطريق، رسالتي إلى كل فتاة تواجه صعوبة، أن تستمر وألا تسمح لأي ظرف بأن يسلبها هدفها، قد يتغير الطريق ويصبح أصعب لكن الحلم يستحق أن نواصل من أجله".
الاحتفال بداية لا نهاية
من جانبها تقول نجلاء الغلاييني، عضو مجلس إدارة معهد الأمل للأيتام، إن المناسبة خُصصت لتكريم الناجحين والناجحات من الأيتام والناجين الوحيدين وفاقدي الوالدين، مشيرةً إلى حضور أكثر من عشر طالبات من الفتيات اليتيمات والمتفوقات، لافتةً إلى أن الغاية لا تتوقف عند إدخال الفرح إلى قلوب الخريجات بل تشمل دعم استمرار العملية التعليمية، والتواصل مع الجامعات ومؤسسات التدريب المهني حتى تتعرف المؤسسات التعليمية إلى الخريجات وتوفر لهن فرصاً تتناسب مع قدراتهن "نريد أن نفرح بناتنا بعد كل ما مررن به، وأن نشاركهن فرحة النجاح لكننا نريد أيضاً أن نساعدهن على مواصلة الطريق؛ فالشهادة ليست نهاية الحكاية، وإنما بداية مرحلة جديدة".
وأكدت أن الفعاليات ستتواصل، في محاولة لتوفير مساحات للفرح والدعم والتواصل مع الخريجات، بعد سنوات من الفقد والعذاب.
مستقبل غزة يبدأ من فتياتها
من جهتها ترى الناشطة المجتمعية والمشاركة في المبادرة أريج سلمي، أن نجاح الطالبات يحمل معنى يتجاوز المناسبة "هذا النجاح هو نموذج للصمود والتحدي الذي نعيشه في قطاع غزة، قد يكون الاحتفال بسيطاً في العدد والإمكانات لكنه كبير في معناه، لأن هذه الفتيات لسن مجرد طالبات أنهين الثانوية العامة، بل هن جزء من مستقبل غزة ومن خلالهن سنعيد بناء بلدنا".
وأوضحت أن تنظيم الفعالية واجه صعوبات تتعلق باختيار المكان وتأمين التمويل والتبرعات، غير أن القائمين عليها عملوا على تجاوز تلك العقبات للوصول إلى لحظة التكريم، فالمبادرة في جوهرها، لا تسعى إلى صناعة احتفال منفصل عن الواقع، بل إلى انتزاع لحظة حياة من قلب واقع مثقل بالفقد.
حين يصبح الوصول إلى الامتحان إنجازاً
والجدير بالذكر أن الحرب على غزة حرمت نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عاماً، من التعليم الحضوري الرسمي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية بحسب تقرير حديث لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، كما أن قرابة 98% من مباني المدارس تضررت، فيما تحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل رئيسية أو إعادة إعمار كاملة، وتعرض نحو 81% لضربات مباشرة، ويظل قرابة 420 ألف طفل أي ثلاثة من كل خمسة أطفال من دون أي تعليم وجاهي.
وفي النصف الأول من عام 2026، تمكنت الجهات التعليمية الإنسانية من إيصال التعليم المنظم إلى نحو 435 ألف طفل عبر 610 مساحات تعليم مؤقتة، وشكلت الفتيات 53% من المستفيدين، فيما استفاد نحو 9.300 طفل من ذوي الإعاقة، كما تمكن نحو 98% من الطلبة المسجلين من المشاركة في امتحان الثانوية العامة لعام 2026.