"شاحنات الموت" في تونس… دماء العاملات بين لقمة العيش والحماية المعطلة
أعادت حادثة المزونة الجدل حول واقع العاملات في القطاع الزراعي بتونس، اللواتي ما زلن يُنقلن في "شاحنات الموت" رغم القوانين، ففي عام 2026 وبعد سبع سنوات على صدور القانون 51 لعام 2019، يتواصل المشهد ذاته في ظل غياب الحماية الفعلية.
زهور مشرقي
تونس ـ تنزف طرقات الأرياف التونسية مجدداً لتكشف عن وجه آخر لمأساة نساء العاملات في الفلاحة، حيث تشير الإحصائيات الصادمة إلى تسجيل نحو 88 حادث مرور منذ عام 2015 وحتى اليوم، أسفرت عن وفاة أكثر من 60 عاملة فلاحية وإصابة ما يزيد عن 900 أخرى بجروح متفاوتة وإعاقات دائمة.
لم تكن فاجعة أمس الجمعة 12 حزيران/يونيو، بمنطقة "مزونة" من ولاية سيدي بوزيد إلا حلقة جديدة في هذا المسلسل الدامي، إثر انقلاب شاحنة خفيفة أودت بحياة عاملتين فلاحيتين كانتا من أبرز الناشطات المدافعات عن حقوقهن وإصابة 13عاملة أخرى بجروح متفاوتة الخطورة.
هذا الواقع المفجع يستمر في ظل تعطيل صارخ لآليات تطبيق القانون عدد 51 لعام 2019 والمرسوم عدد 3 لعام 2021، واللذين شُرّعا لضمان النقل الآمن والتغطية الاجتماعية الشاملة، لتبقى القوانين حبراً على ورق وتظل صانعات الأمن الغذائي رهينة شاحنات الموت التي تُكدّس النساء بلا رقيب، في غياب تام للعقوبات الزجرية الرادعة التي تنهي هذه المأساة وتخرجهن من هامش اهتمامات الدولة إلى قلبها.
تستيقظ الآلاف من الفلاحيات في الأرياف التونسية، لا لمواجهة قسوة الطبيعة ومشقة العمل الأرضي فحسب، بل لخوض رحلة يومية محفوفة بالمخاطر على متن ما بات يُعرف محلياً بـ "شاحنات الموت".
هذه الشاحنات المخصصة أساساً لنقل البضائع والماشية، تُكدس فيها النساء الكادحات في ظروف مهينة تفتقر لشروط السلامة الإنسانية، مما حول طرقات تونس إلى مسارح لفواجع متكررة ومجازر مرورية تُزهق فيها أرواح صانعات الأمن الغذائي للبلاد دون رادع.
"إلى متى ستستمر مثل هذه الحوادث المفجعة؟"
وأعربت الباحثة والناشطة الحقوقية فتحية السعيدي، عن حزنها العميق إثر الفاجعة الأخيرة التي أودت بحياة عاملتين فلاحيتين في حادثة المرور الأليمة بمنطقة "المزونة"، مؤكدة أن العاملتين اللتين لقيتا حتفهما في هذا الحادث المريع، كانتا من بين أبرز الناشطات والمدافعات عن حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية، ومن اللواتي ناضلن بـصوت عالٍ من أجل المطالبة بتوفير نقل آمن يضمن كرامة العاملات في القطاع الفلاحي.
وفي سياق متصل، تساءلت الباحثة باستنكار "إلى متى ستستمر مثل هذه الحوادث المفجعة؟"، مؤكدةً أن صياغة القوانين تظل بلا قيمة ما لم تقترن بآليات تطبيق حقيقية على أرض الواقع "هناك قانون خاص بالنقل الآمن قد صُيغ وصودق عليه في البرلمان"، متسائلة عن الأسباب الكامنة وراء عدم تفعيله حتى الآن، وعن سبب استمرار تسجيل وفيات في صفوف النساء نتيجة لوسائل النقل غير الآمنة.
وشددت على أن الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات كانت قد أعدت في وقت سابق دراسة معمقة حول أوضاع العاملات الفلاحيات، وكانت خلف الدفع نحو إصدار هذا التشريع، مطالبةً بضرورة إصدار التراتيب القانونية الفورية لتفعيله كواجب حمائي وردعي.
وأكدت أن الواقع الحالي يثبت أننا "ما زلنا في نقطة البداية" حيث لا تزال العاملات الفلاحيات يطالبن بأبسط حقوقهن المهدورة، وفي مقدمتها النقل الآمن والأجر المتساوي ومنع التمييز القائم على النوع الاجتماعي، فضلاً عن الحق في الرعاية الصحية والتغطية الاجتماعية "إن هذه الفئة الواسعة من النساء باتت تعيش اليوم على هامش الدولة وخارج عمق اهتماماتها السياسية والتنموية".
واستنكرت فتحية السعيدي التعاطي اللحظي والمؤقت مع حوادث تفجع العاملات الفلاحيات في تونس، منتقدةً تحول هذه المآسي الإنسانية إلى مجرد "حدث عابر" يغيب عن الأذهان بمجرد تراجع التفاعل المجتمعي، ليعود المشهد ويتكرر مجدداً في غياب المعالجة الجذرية، مؤكدةً أن تكرار فواجع النقل غير الآمن أصبح أمراً "غير مقبول بتاتاً".
ودعت السلطات والجهات المعنية إلى إعلان موقف حاسم وحازم ينهي هذا النزيف المستمر، والتفعيل الفوري والجاد للقوانين والتشريعات التي تكفل الحماية الجسدية والاجتماعية لهذه الفئة من النساء.
وشددت على ضرورة فرض عقوبات صارمة ضد كل من يتعمد تكديس النظم النسوية في شاحنات ووسائل نقل غير مهيأة تفتقر لأدنى شروط السلامة، داعيةً إلى وضع معايير ومحددات واضحة تضبط أعداد الركاب المسموح بنقلهم، كخطوة انتقالية نحو توفير حافلات ووسائل نقل عمومية أو مخصصة تضمن تنقلهن الآمن واليومي من مقرات سكنهن إلى مزارعهن.
وفي ختام كلمتها، نعت فتحية السعيدي ببالغ الأسى الضحيتين، معبرةً عن صدمتها البالغة من المشهد المأساوي للحادث والدماء التي سفكت، معتبرةً هذا اليوم يوماً حزيناً يفيض بالألم والمرارة على واقع نساء تونس الكادحات.