صدارة نسوية في يوم الأسير الفلسطيني... حضور يفرض معادلة جديدة
في مشهدٍ لافت، احتشد آلاف الفلسطينيين في مدينة غزة في تظاهرة جماهيرية إحياءً لليوم الوطني للأسير، حيث رفع المشاركون صور الأسرى وهتفوا ضد قانون الإعدام الذي أقرّه الكنيست، ولعبت النساء دوراً محورياً خلالها.
نغم كراجة
غزة ـ أجمعت المشاركات خلال التظاهرة الجماهيرية على أن دور المرأة الفلسطينية في الحراك الشعبي دور أصيل ومحوري، وأن قضية الأسرى قضية وطنية لا يمكن التنازل عنها، مؤكدات على رفضهن قانون الإعدام وتمسّكهن بضرورة الإفراج عن الأسرى وحماية حقهم في الحياة والكرامة.
في مشهدٍ يعكس تماسك الشارع الفلسطيني رغم أهوال الحرب، احتشد آلاف المواطنين في مدينة غزة إحياءً لليوم الوطني للأسير الفلسطيني، في تظاهرةٍ جماهيرية انطلقت اليوم الخميس 16 نيسان/أبريل من مفترق الاتصالات وصولاً إلى مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر غربي المدينة حيث تعالت الهتافات المنددة بسياسات الاحتلال، والمطالِبة بالإفراج الفوري عن الأسرى، وإلغاء قانون الإعدام الذي أقرّه الكنيست مؤخراً.
وامتلأت شوارع غزة بالأعلام الفلسطينية وصور الأسرى، فيما رفع المشاركون لافتات حملت شعارات تؤكد مركزية قضية الأسرى في الوعي الجمعي الفلسطيني، من بينها "أسرانا عنوان الثبات"، "القيد لا يكسر الإرادة"، و"يسقط قانون الإعدام"، وترددت في المكان هتافات جماعية عكست حالة الغضب الشعبي، مثل "الحرية الحرية لأسرى الحرية"، و"مهما تطول يا ليل لا بد للنهار" في رسالة واضحة بأن الشارع الفلسطيني لا يزال يرى في قضية الأسرى بوصلة نضاله.
وشهدت الفعالية حضوراً لافتاً للنساء الفلسطينيات، اللواتي شكّلن كتلة جماهيرية بارزة، ليس فقط بالمشاركة العددية بل أيضاً بالحضور الفاعل في الهتاف والتنظيم ورفع الرسائل السياسية، وبدت المرأة الفلسطينية في هذا المشهد كفاعل أساسي في إعادة إنتاج الحشد الشعبي، وتثبيت الرواية الوطنية في وجه محاولات الطمس والتهميش.
"ليست حدثاً عابراً"
وفي هذا السياق، قالت نسرين راضي، مسؤولة دائرة العمل النسائي، إن مشاركة النساء في هذه التظاهرة ليست حدثاً عابراً بل امتداد طبيعي لدور المرأة الفلسطينية التاريخي في النضال الوطني "نحن لا نخرج اليوم بدافع التضامن فقط، بل لأننا جزء أصيل من هذه القضية؛ فالمرأة الفلسطينية هي أم الأسير، وزوجته، وشقيقته، وهي أيضاً من تتحمل أعباء غيابه القسري بكل تفاصيلها القاسية".
وأشارت إلى أن "هذا الحشد النسوي هو رسالة مزدوجة، للاحتلال أولاً بأن إرادة النساء لا تُكسر، وللمجتمع الدولي ثانياً بأن صمته لم يعد مقبولاً أمام ما يتعرض له الأسرى من انتهاكات جسيمة".
"دور المرأة في صياغة الفعل الجماهيري"
من جانبها، شددت الناشطة النسوية وردة رضوان على أن الحضور النسائي في الفعاليات الوطنية لم يعد هامشياً أو رمزياً بل بات يعكس وعياً سياسياً متقدماً بدور المرأة في صياغة الفعل الجماهيري "نحن أمام لحظة مفصلية، تحاول فيها سلطات الاحتلال تمرير قوانين عنصرية تمس جوهر الحق الإنساني في الحياة، وهنا تبرز المرأة كقوة ضاغطة قادرة على تحريك الشارع وإعادة توجيه البوصلة نحو القضايا الجوهرية".
وعن خروج النساء بهذا الزخم قالت "رغم الخوف والفقد والنزوح هو فعل مقاومة بحد ذاته، ورسالة بأن المجتمع الفلسطيني، بكل مكوناته، يرفض الخضوع لمنظومة القمع".
"وحدة الموقف الفلسطيني"
بدورها أكدت مسؤولة دائرة المرأة أريج الأشقر، أن هذا الحشد يعكس وحدة الموقف الفلسطيني تجاه قضية الأسرى، مشيرةً إلى أن النساء لعبن دوراً محورياً في تعبئة الجماهير وتنظيم المشاركة "المرأة الفلسطينية تصنع دورها بنفسها، وتفرض حضورها في كل ساحة من ساحات النضال"، مضيفةً "نحن اليوم لا ندافع فقط عن الأسرى بل عن منظومة القيم التي تحاول هذه القوانين العنصرية تقويضها، وفي مقدمتها الحق في الحياة والكرامة الإنسانية".
رسالة واضحة
وفي سياق الحضور النسوي الفاعل، أوضحت عضوة الجبهة الشعبية عندليب الهندي أن مشاركة النساء في هذا الحشد تأتي كامتداد طبيعي لدورهن التاريخي في النضال الفلسطيني، مشددةً على أن المرأة لم تكن يوماً على هامش الفعل الوطني "نشارك اليوم كجزءٍ أصيل من معركة الحرية، نحمل ألم الأسرى كما نحمل مسؤولية الدفاع عنهم في كل الساحات".
ونوهت إلى أن هذا الحضور النسوي الكبير يعكس وعياً عميقاً بخطورة المرحلة، خاصة في ظل محاولات الاحتلال تشريع القتل بحق الأسرى، وهو ما لن نقبل به تحت أي ظرف "رسالتنا واضحة؛ لن يُكسر صوت النساء، ولن تُمرر هذه القوانين العنصرية بصمت، فالأسرى ليسوا وحدهم بل خلفهم شعب بأكمله، ونساء يقفن في مقدمة هذا الشعب دفاعاً عن حقهم في الحياة والحرية".
"أعيش على الانتظار"
وفي زاوية من الحشد، وقفت إنعام الدحدوح، والدة ثلاثة أسرى، تحمل صور أبنائها الذين اعتُقلوا دفعة واحدة قبل ثلاثة أعوام من أحد مراكز الإيواء، ومنذ ذلك الحين، لم تتلقَّ أي معلومات واضحة عن مصيرهم أو أوضاعهم الصحية، وبصوتٍ مثقل بالألم قالت "ثلاث سنوات وأنا أعيش على الانتظار، لا أعلم إن كانوا بخير، إن كانوا يتلقون علاجاً أو حتى إن كانوا على قيد الحياة، أبنائي لم يُعتقلوا من بيوتهم بل من مراكز الإيواء التي لجأنا إليها بحثاً عن الأمان، فكان الاعتقال بدلاً من الحماية".
وتابعت حديثها وهي تحاول كتم دموعها "أطالب العالم بأن يسمع صوتنا، نحن لا نطلب المستحيل بل نطالب بحق أبنائنا في الحياة، في رؤية الشمس، في أن يعودوا إلى حضن أمهاتهم"، مؤكدةً أن "قانون إعدام الأسرى جريمة جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال، ويجب أن يلغى، كما يجب الإفراج عن جميع الأسرى دون قيد أو شرط".
قضية الأسرى ستبقى أولوية
وخلال الفعالية، ألقت القوى الوطنية والإسلامية كلمات أكدت في مجملها أن قضية الأسرى ستبقى أولوية وطنية لا يمكن تجاوزها، مشددةً على أن الشعب الفلسطيني موحد خلف هذا الملف، وأن أي محاولة للنيل من الأسرى ستواجه برفض شعبي واسع، كما حذّر المتحدثون من خطورة الأوضاع داخل السجون في ظل تصاعد الانتهاكات، من إهمال طبي وعزل انفرادي وتشديد في الإجراءات القمعية.
وتأتي هذه التحركات الشعبية في وقت تشير فيه مؤسسات مختصة بشؤون الأسرى إلى وجود أكثر من 9 آلاف أسير فلسطيني في سجون القوات الإسرائيلية، وعدد متزايد من الأسيرات اللواتي يعانين من ظروف احتجاز صعبة تشمل الحرمان من الرعاية الصحية الكافية، والتفتيش المهين، والعزل في ظروف غير إنسانية.
ويؤكد هذا المشهد بكل تفاصيله أن قضية الأسرى لا تزال حاضرة بقوة في وجدان الفلسطينيين، وأن الحشد الجماهيري بمشاركة النساء والرجال على حد سواء يشكل أداة ضغط مستمرة في مواجهة السياسات الإسرائيلية، ورسالة واضحة بأن الحرية مهما طال انتظارها ستبقى الهدف الذي لا يمكن التنازل عنه.