سارة بوطان: الحماية تحتاج إلى المعرفة والتنظيم ووعي عميق
ترى عضوة أكاديمية الجنولوجيا في شنكال، سارة بوطان، أن الهجمات التي تستهدف النساء ليست أحداثاً عابرة، بل جزء من مشروع ممنهج يهدف إلى تفكيك المجتمع عبر ضرب المرأة، بوصفها مركز القوة والتنظيم والحياة.
كلستان عزيز
شنكال ـ يكاد لا يمر يوم من دون ورود أنباء عن مقتل نساء والانتهاكات الممارسة بحقهن فالنظام الرأسمالي القائم منذ سنوات يشن هجمات ممنهجة ضدهن، وهذه الهجمات ليست جسدية فقط، بل فكرية وأيديولوجية أيضاً، وأي حرب أو صراع ينشب بين القوى الذكورية المهيمنة، تكون النساء والأطفال هم الأهداف الأساسية فيه.
كثيرون لا يرون هذه الحقائق، ومن يراها قد يفسرها بوعي أو من دونه بشكل خاطئ، فما الهدف من هذه المجازر بحق النساء؟ وهل من المصادفة أن يكون الرجل دائماً هو القاتل والمرأة هي الضحية؟ وما مدى تأثير نضال النساء في الحد من هذه الجرائم؟ وكيف ينبغي أن يكون النضال الحقيقي للنساء؟
ولمعرفة الأجوبة على تلك الأسئلة كان لوكالتنا مع عضوة أكاديمية علم المرأة "الجنولوجيا" في شنكال سارة بوطان الحوار التالي:
هناك أشكال متعددة من الهجمات ضد النساء، ومع الحداثة الرأسمالية أصبحت أساليب وأشكال هذه الهجمات أكثر تعقيداً. برأيك، ما الهدف من الإبادة التي تُرتكب بحق النساء؟
منذ قرون تتعرض النساء للهجمات، وليس فقط داخل المجتمع الإيزيدي أو الكردي، بل في العالم كله، أحد أهداف هذه الإبادات هو القضاء على المجتمع وقيمه، ويلفتني هنا قول القائد عبد الله أوجلان "إذا أراد أحد القضاء على مجتمع ما، فإنه يبدأ باستهداف النساء"، فما تعرض له الإيزيديون عند هجوم داعش أثبت ذلك، فنحن النساء الإيزيديات عشنا هذه المأساة، خلال فرمان عام 2014 كانت النساء الأكثر استهدافاً؛ لقد قُتلن واختُطفن وتعرضن للسبي، وأرادوا بذلك القضاء على ثقافتنا ومعتقداتنا وتاريخنا.
المرأة هي التي تقود المجتمع، وتنظمه، وتدفعه إلى الأمام، وتحافظ على ثقافته وتجمعه حول ذاته، ولذلك فإنهم عبر استهداف المرأة، يريدون القضاء على هذا التماسك المجتمعي.
من هم أعداء النساء، ولماذا تُستهدفن في كل مكان وفي كل مجال؟
المجتمعات القديمة التي كانت تتمحور حول المرأة لم تكن تعرف سفك الدماء والإبادة والقتل، لأن المصلحة الجماعية هي الأساس فيها، والحماية تتم وفق هذا المبدأ، أما اليوم الدولة تعمل فقط من أجل مصالحها واستمرار وجودها، وتستغل المجتمعات في سبيل ذلك، وبسبب الدور الحاسم للمرأة داخل المجتمع، يهاجم النظام المرأة لأنه لا يريد العودة إلى الجوهر المجتمعي الحقيقي.
ما يجري اليوم في الحرب العالمية الثالثة الدائرة في الشرق الأوسط يظهر بوضوح كيف تستهدف سياسات الدول الشعوب والمجتمعات.
كيف تُنفَّذ هذه الهجمات، وما الأساليب المستخدمة فيها؟ ولماذا تُعدّ الهجمات النفسية أخطر من الجسدية، ولماذا تُستهدف النساء تحديداً؟
إلى جانب العنف الجسدي، تتعرّض النساء لهجمات فكرية ونفسية وهي الأشد خطورة، لأنها تستهدف وعي المرأة وعمقها الداخلي مباشرة. فهذه الهجمات لا تكتفي بالضغط الخارجي، بل تتسلل إلى داخل المجتمع نفسه، لتعيد تشكيل نظرة المرأة إلى ذاتها وتضعف ثقتها بنفسها.
ومن خلال هذا الاختراق، تُدفَع النساء نحو إيذاء الذات، أو الانسحاب من الحياة العامة، أو الابتعاد القسري عن المجتمع. وعندما تُمنَع المرأة من الاندماج الطبيعي مع محيطها، ويُحاصرها المجتمع بدل أن يحتضنها، تبدأ أولى مراحل العزل والتفكك، فتتضرر النساء والمجتمع معاً. بهذه الأساليب تُقتلع النساء من جوهرهن الإنساني، وتُدفعن بعيداً عن قدرتهن على الفعل والتأثير.
فالنساء الإيزيديات ما زلن يعانين من آثار نفسية عميقة خلّفتها المجازر التي تعرّضن لها. وحتى اليوم، ما زلن تعانين من تبعات تلك التجربة، الأمر الذي يدفع الكثيرات منهن إلى الانسحاب من الحياة أو فقدان الرغبة في الاستمرار. وعندما تصل المرأة إلى هذه المرحلة من الانهيار، يصبح الطريق ممهداً أمام الهجمات الجسدية أيضاً.
ونحن في أكاديمية الجنولوجيا في شنكال نعمل من أجل إعادة النساء الإيزيديات إلى جوهرهن، وإحياء حياتهن المشتركة والهادئة، عبر النضال المستمر. نسعى إلى إزالة آثار المجزرة من داخل المجتمع، والوقوف إلى جانب النساء في مواجهة مشاكلهن الحالية، حتى يستطعن استعادة قوتهن ودورهن.
ما هي آليات الدفاع عن النفس للنساء؟
أهم أشكال الحماية هي الحماية الفكرية، فالوعي، والمعرفة، والتنظيم الأساس الذي تُبنى عليه الحماية الحقيقية. النساء الإيزيديات لم تعدن النساء الضعيفات كما في السابق، حيث تقفن اليوم في موقع الريادة، وأصبحن نموذجاً يُحتذى به لنساء مجتمعات أخرى. لقد شيدن مؤسساتهن، وبنين هياكلهن التنظيمية، وفتحن لأنفسهن طريقاً جديداً نحو التحرر من الجهل ومن آثار الإبادة التي استهدفتهن لسنوات طويلة.
وقد كان للفكر والفلسفة المستندة إلى نهج القائد عبد الله أوجلان دور محوري في هذا التحول؛ فالكثيرات ممن تصدّين للإبادة استمددن قوتهن من هذا الوعي، ومن التجربة النضالية التي شكّلت لهن درعاً فكرياً وروحياً مكّنهُن من الوقوف في وجه الفناء.
كيف يمكن أن يتحقق التضامن والتنسيق ووحدة صفوف النساء؟ ولماذا تُعدّ وحدتهن وتنظيمهن بهذا القدر من الأهمية؟
نحن في أكاديمية الجنولوجيا في شنكال نريد أن نؤدي دوراً ريادياً حقيقياً، لأننا نعلم أن النساء الإيزيديات لعبن دوراً مهماً عبر التاريخ، ونريد الاستمرار على خطاهن.
إن ازدياد الهجمات على الإيزيديات في السنوات الأخيرة يرتبط بازدياد وعي النساء وتنظيمهن فكرياً وسياسياً، فكلما أصبحت النساء أكثر وعياً وتنظيماً، ازدادت هجمات النظام عليهن، وفي مثل هذا الوقت الذي تتصاعد فيه الهجمات ضدهن، تصبح وحدتهن وتضامنهن أمراً بالغ الأهمية، حتى نتمكن من مشاركة مشكلاتنا مع بعضنا وإيجاد حلول لها.
الحماية لا تعني فقط حمل السلاح، بل تحتاج أيضاً إلى وعي عميق، فلو امتلكنا وعياً عميقاً، لكنا قادرين على حماية أنفسنا في كل المجالات، وهذا يتحقق عبر التنظيم الذاتي والوحدة. النساء هنّ الأكثر معاناة من هذه الآلام، ولذلك يجب ألا يحتفظن بمعاناتهن في داخلهن، بل عليهن تحويلها إلى قوة للدفاع عن وجودهن وهويتهن.
المرأة هي التي تحمي هوية المجتمع الإيزيدي ووجوده وثقافته ومعتقداته، وهذه الحماية لا يمكن أن تتحقق عبر امرأة أو امرأتين فقط، بل تحتاج إلى حماية داخلية وتنظيم جماعي. إذا لم توجد حماية داخلية، فلن تتمكن حتى من حماية نفسك عسكرياً. وما حدث للمجتمع الإيزيدي كان نتيجة غياب الوعي بالحماية الذاتية.
كيف يمكن بناء طريق لحياة مشتركة وسليمة، وما هو الحلّ لذلك؟
مشروع الأمة الديمقراطية يمثل طريق الحل للنساء وللمجتمع عموماً، ففي إطار الأمة الديمقراطية لا يبقى مكان لسلطة الدولة وهيمنتها، ولا يكون أحد فوق الآخر، بل تعيش جميع الأفكار والمعتقدات والمجتمعات معاً بشكل مشترك، وهذا يعني نهاية النظام القائم، ولذلك فإن الهجمات تكون بهذه الشراسة.
وإذا كانت وحدات حماية المرأة YPJ قد تمكنت من هزيمة قوة متوحشة مثل داعش، فلن يستطيع أحد بعد اليوم القضاء على إرادة النساء وعزيمتهن.
النساء، عبر نضالهن ضد الهجمات والإبادات، رسّخن جذور قوتهن، وتشكيل قوة دفاع نسائية في شنكال منح جميع النساء هناك شعوراً بالقوة، وعلينا كنساء إيزيديات أن نطوّر وعينا بشكل أكبر في المجالات السياسية والاجتماعية والإعلامية وغيرها، وعلى النساء قبل كل شيء أن يعتبرن أنفسهن مسؤولات عن التعليم والتنظيم وحماية المجتمع.