روجبين بور: كلما كان الدفاع الذاتي جماعياً أصبح أكثر قوة وتأثيراً

يتصاعد النقاش حول مفهوم الدفاع الذاتي في سياق ازدياد مستويات العنف ضد النساء وضعف آليات الحماية في تركيا وشمال كردستان، حيث يُطرح هذا المفهوم بوصفه أداة تتجاوز البعد الفردي لتشمل أبعاداً اجتماعية وقانونية ونفسية.

مميهان هلبين زيدان

وان ـ في تركيا وشمال كردستان حيث تتزايد مستويات العنف وتضعف آليات الحماية، يبرز مفهوم الدفاع الذاتي كأحد أكثر الوسائل فاعلية لحماية الحياة والحق في العيش.

في ظل العنف المنهجي الذي تتعرض له النساء، لا يُعدّ الدفاع الذاتي مجرد وسيلة لحماية المرأة لنفسها، بل هو أيضاً ردّ فعل على اللامساواة والإفلات من العقاب، ولا يقتصر الدفاع الذاتي على مقاومة الأفراد أو المجتمعات للهجمات الجسدية فقط، بل يشمل أيضاً الوعي بمواجهة كل أشكال التهديد والعنف النفسي، باعتباره وسيلة للبقاء وحماية الهوية.

 

"الدفاع الذاتي وعي ينشأ في معركة الوجود"

أوضحت الناشطة في مجال حقوق المرأة روجبين بور من مدينة وان بشمال كردستان أن الدفاع الذاتي غالباً ما يُفهم على أنه مجرد فعل جسدي، لكنه في الواقع أوسع من ذلك بكثير "الدفاع الذاتي يجب أن يتناول ضمن إطار أوسع فهو ليس مجرد رد فعل لحظي تجاه خطر مباشر، بل هو وعي يتشكل في معركة النساء من أجل الوجود".

وبينت أن هذا الوعي يشكل مسألة حياتية وسياسية للنساء في آنٍ واحد "الدفاع الذاتي هو قدرة الفرد أو الجماعة على مواجهة التهديدات الموجهة إليه. هذه القدرة قد تكون جسدية، أو قانونية، أو حتى لفظية، وهي في النهاية انعكاس لرد فعل من أجل البقاء".

وأضافت أن الدفاع الذاتي لا يقتصر على كونه مجرد رد فعل، موضحةً أنه تاريخياً، كان جسد المرأة دائماً عرضة للهجوم والهيمنة، وصوتها ومساحتها تُقمع باستمرار عبر العنف وأنظمة السيطرة "النساء يخضعن لرقابة دائمة. الدفاع الذاتي يتحول هنا إلى شكل من أشكال المقاومة، فهو بالنسبة للنساء يعني التعرف على الخطر، وتسميته، والقدرة على اتخاذ موقف ضده. النساء بحاجة إلى هذا الموقف المقاوم في الشارع، وفي المنزل، وفي المؤسسات، وفي أماكن العمل، وفي الفضاء العام".

 

"العنف هو إعادة إنتاج للعقل الأبوي لنفسه"

وفي حديثها عن أهمية الدفاع الذاتي في حياة النساء، أكدت الناشطة روجبين بور أن النساء تواجهن العنف بجميع أشكاله منذ سن مبكرة "العنف ضد المرأة ليس نتاج فرد منحرف أو رجل لا يستطيع التحكم في غضبه أو أي بنية أخرى، بل هو في جوهره إعادة إنتاج للنظام الأبوي للعنف وللعقل الذكوري نفسه. هذه حقيقة واقعية تُعاش يومياً".

وأوضحت أنه في تركيا تُقتل مئات النساء كل عام، وغالباً ما يكون الجناة من المقربين "النساء تتعرضن لعنف منهجي داخل علاقات يُفترض أنها آمنة. العنف حاضر في الشارع والبيت وفي كل مجالات الحياة، ويعيد إنتاج نفسه باستمرار. هذا الواقع يفرض على النساء إدارة حالة عدم الأمان، ويجعل الدفاع الذاتي ضرورة وجودية وحتمية".

وأضافت أن هذا الواقع يجعل الدفاع الذاتي مسألة وجودية للنساء "بالنسبة للرجال، قد يكون الدفاع الذاتي حالة استثنائية، أما بالنسبة للنساء فهو ضرورة دائمة، وهذا التفاوت يوضح بجلاء لماذا يُعد الدفاع الذاتي مطلباً نسوياً".

والدفاع عن الحق في الدفاع الذاتي يعني الاعتراف بأن جسد المرأة ملك لها، وأن حمايته لا يجب أن تُترك للآخرين كما تقول "إذا كانت الدولة أو المجتمع أو أي سلطة أخرى غير قادرة على ضمان ذلك، فإن دفاع المرأة عن نفسها يصبح أمراً ضرورياً ومشروعاً وحتى مقدساً".

 

العنف يظهر حيث يُنظر إلى المرأة كضعيفة

وأشارت إلى أن المستوى الأول والأكثر وضوحاً من الدفاع الذاتي هو الجسدي، وأن الرياضات القتالية أصبحت خياراً متزايداً لدى النساء "إلى جانب فنون القتال، فإن رفع الصوت، وإبلاغ الأقرباء بالموقع عند الشعور بعدم الأمان، وإدراك الخطر مسبقاً، كلها أشكال من الدفاع الذاتي. هذا لا يمنح فقط القدرة على المقاومة، بل يبني أيضاً ثقة بالنفس لدى المرأة فمعرفة المرأة بأنها قادرة على الدفاع عن جسدها يغيّر من حركتها ونبرتها وطريقة مشيتها. هذه ليست مجرد تقنية بل بناء ثقة جسدية، ولها أثر وقائي أيضاً، لأن العنف يجد بيئة أقوى في الأماكن التي يُنظر فيها إلى الضعف سمة من سمات النساء".

 

الدفاع الذاتي القانوني... إجراءات شكلية

وأوضحت أن الدفاع الذاتي القانوني غالباً ما يتم تجاهله، وأن النساء لا يملكن معرفة كافية به، كما أن الدولة لا توفر الوصول الفعلي إليه، معتبرةً أن القوانين تبقى على الورق فقط "ينبغي معرفة ما الذي يتيحه قانون 6284 لمكافحة العنف ضد المرأة، وكيف يمكن طلب أوامر الحماية، ورفع الدعاوى، وما معنى أن يكون تصريح المرأة أساساً في البلاغات، وهنا يأتي دور المجتمع المدني، الذي يلعب دوراً مهماً في تمكين النساء وجعل حقوقهن أكثر وضوحاً وتطبيقاً من خلال الورشات والأنشطة الميدانية".

وأكدت أن صورة "المرأة المقبولة اجتماعياً" تُبنى على الصمت والتحمّل وعدم الاعتراض، قائلةً "التسامح، الصمت، التكيف، وتحمل العنف هي صفات تُعرّف بها المرأة "الجيدة" أما الدفاع عن النفس فيُنظر إليه اجتماعياً كنوع من التمرد. النظام الأبوي لا يمارس العنف الجسدي فقط، بل يعيد إنتاجه نفسياً أيضاً".

ولفتت إلى أن العنف النفسي قد يكون أكثر خطورة من الجسدي، لأنه يستهلك المرأة من الداخل ويؤثر على صحتها النفسية، مشددةً على أهمية تسمية العنف ومواجهته وبناء الوعي الذاتي.

 

الدفاع الذاتي الجماعي... نموذج روج آفا

وأوضحت روجبين بور أن أقوى أشكال الدفاع الذاتي هو الجماعي، مشيرةً إلى أن الدفاع الفردي يظل محدوداً بسبب الضغوط الاجتماعية "عندما تمارس المرأة الدفاع عن نفسها بشكل فردي، قد تواجه الكثير من العوامل الاجتماعية التي تثنيها أو تُشعرها بالعار، لكن عندما يتم تنظيم النساء معاً تتوسع هذه الحدود. شبكات التضامن، مجموعات الحماية النسائية في الأحياء، التنظيمات النسوية، كلها أشكال للدفاع الجماعي".

وقدّمت مثالاً على روج آفا "في روج آفا لم يكن هناك تنظيم مسلح فقط، بل نشأت مدرسة لحرية المرأة تطورت فكرياً وعلمياً بشكل كبير، ويمكن أيضاً بناء شبكات مماثلة في أماكن أخرى، تقوم على الحماية المتبادلة والعمل الجماعي، وهذا ما يعطي معنى حقيقياً للنضال الجماعي، أي تحويل الدفاع الفردي إلى قوة جماعية".

 

"كلما كان الدفاع الذاتي منظماً كان أكثر فعالية"

وأشارت إلى تجارب في أمريكا اللاتينية، والمكسيك، والأرجنتين، حيث أنشأت النساء شبكات حماية ذاتية بسبب تقاعس الدولة أو انحيازها "في أوروبا، مثل ألمانيا وهولندا والدول الإسكندنافية، يتم توفير بعض الحماية عبر البنية القانونية، لكن هناك انتقادات تقول إن ذلك يبقى شكلياً. عدم تطبيق القانون يجعل العنف مستمراً، وبالتالي يصبح الدفاع الذاتي ضرورياً، وكلما كان هذا الدفاع أكثر جماعية وتنظيماً ووعياً، كان أكثر فعالية".

واختتمت الناشطة في مجال حقوق المرأة روجبين بور حديثها بالتأكيد على أن فكرة "المرأة الجيدة" تُستخدم للسيطرة على النساء "المرأة الجيدة هي الصامتة، المتأقلمة، المتراجعة عن حقوقها. الدفاع الذاتي هو رفض لهذه الفكرة. أن تقول المرأة (لا)، وتضع حدوداً، وتملك جسدها وعقلها هو شكل من أشكال الدفاع الذاتي. الدفاع الذاتي ليس رد فعل خوف، بل هو كفاح وجودي ومطلب حرية، وسنواصل رفع هذا الصوت بشكل فردي ومؤسساتي وتنظيمي".