روج آفا تعيد رسم ملامح وحدة الأمة الكردية في جميع أجزائها

في مواجهة الهجمات والضغوط المستمرة، تحول صوت الشعب الكردي إلى قوة سياسية واجتماعية وروحية، استطاعت أن تجعل من تضحيات روج آفا رمزاً للدفاع والحرية، وأن تعيد رسم ملامح وحدة الأمة الكردية في جميع أجزائها.

هيفي صلاح

السليمانية ـ في زمن التكنولوجيا والإعلام وأشكال التفكير الجديدة، عزز الشباب الكردي روابطهم مع الأمة والهوية، مما يطرح سؤالاً مهماً؛ هل يسهم هذا الارتباط في وحدة الصوت الكردي أم يكشف عن الفوارق بين الأجيال؟ لقد أصبح الشباب جزءً من عالم مفتوح سريع الإيقاع، أعاد تشكيل إحساسهم بالكردية وطريقة ارتباطهم بكردستان.

إذا كانت الأجيال السابقة قد ركزت على تحرير جزء من كردستان، فإن شباب اليوم يعملون من أجل وحدة كردستان بأكملها، مردّدين "واحد واحد واحد، الشعب الكردي واحد". بالنسبة لهم، الأمة ليست مجرد أرض وتاريخ، بل تجربة إنسانية عميقة تتجسد في لحظة التوحّد.

ويرى الخبراء أن الشباب يفهمون الهوية القومية بطريقة مختلفة، إذ يبنونها عبر الإعلام والفن والوعي الاجتماعي الجديد. لكنهم يحذرون من أن غياب الحوار بين الأجيال قد يؤدي إلى انقسامات تُضعف وحدة الصوت الجماعي. لذلك، فإن احتواء الاختلافات الفكرية والدينية وتوحيد الجهود شرط أساسي لمستقبل الأمة واللغة والثقافة الكردية.

وحدة الصوت الكردي ليست مجرد عاطفة، بل قوة سياسية واجتماعية وروحية قادرة على إعادة رسم تاريخ روج آفا. فعندما يتوحّد الكرد محلياً ودولياً، تتحرر روج آفا من دائرة الضغط والصمت لتصبح قضية للنقاش والدعم والمسؤولية المشتركة. ورغم أنها تعيش تحت ضغوط وهجمات متواصلة، فإن وحدة الصوت تجعل أي اعتداء عليها اعتداءً على جميع الكرد، وتخلق حماية معنوية وسياسية.

روج آفا ليست مجرد ساحة حرب، بل رمز للحياة والاستمرار، وتاريخها ارتبط دائماً بالذين توحّدوا في صوت واحد. وإذا حافظ الكرد على هذه الوحدة، ستغدو روج آفا نموذجاً لبناء حياة حرة وديمقراطية في المنطقة. وقد أثبتت الاحتجاجات، خاصة في إقليم كردستان، أثرها المباشر على مقاتلي روج آفا، إذ منحتهم شعوراً بالاعتزاز حين رأوا أن الشعب الكردي بأسره قد توحّد في صوت واحد، وأظهر شعب الإقليم من خلال احتجاجاته أنه يقف أخلاقياً ومعنوياً وسياسياً داعماً لنضال المقاتلين.


"الهجمات التي استهدفت روج آفا أظهرت وحدة الصوت الكردي"

وفي هذا السياق قالت الناشطة النسوية سوز عبد القادر بابان "المرحلة التي نشهدها اليوم في إقليم كردستان هي مرحلة جديدة؛ فقد مررنا عبر التاريخ بمراحل عديدة وكوارث كثيرة، مثل حلبجة والأنفال والاعتقالات والإعدامات بحق قادتنا السياسيين، لكن ردود الفعل لم تكن دائماً بمستوى طموح الأمة الكردية. أما هذه الهجمات على روج آفا فقد وحدت صوت الشعب الكردي جمعيها".

وأضافت "لقد آلمنا كثيراً أن نرى إخوتنا وأخواتنا في روج آفا يتعرضون لهجمات غير عادلة من قبل الدول المحتلة، دون أي اعتبار للمدنيين أو الأطفال أو المرضى أو كبار السن، حيث استُهدفوا بمحاولة اقتلاعهم من أرضهم. ومع ذلك، يمكننا القول إننا أمام مرحلة مفصلية في تاريخنا، وهي مرحلة بناء وحدة الصوت الكردي، ليس بشكل داخلي أو في جزء واحد من كردستان، بل على مستوى شامل في كل أجزائها. حتى الكرد في الشتات أظهروا دعماً غير مسبوق لروج آفا، وهذا الدعم جعل المجتمع الدولي يضع هذه الكارثة على جدول اهتماماته، ومن الضروري أن نتوحّد نحن أولاً قبل أن نطلب دعم الآخرين؛ فإذا كنّا نحن موحّدين، فإن الشعوب الأخرى ستقف إلى جانبنا. هذه المأساة، رغم كل آلامها ومعاناتها، منحتنا أملاً كبيراً بأن الشعب الكردي شعب لا يُهزم ولا يُفنى، ومع كل كارثة ينهض من جديد". 

وأشارت إلى أن الشعب الكردي "استطاع أن يوصل وحدة صوته من جميع أجزاء كردستان ومن الشتات إلى الساحة الدولية. فالأمة الكردية، التي عاشت على مدى التاريخ العديد من الكوارث؛ تعيش اليوم زمن الانفتاح الإعلامي والتقنيات الحديثة، وهو زمن يمنحها فرصة لتجسيد وحدتها أمام العالم. إن الإعلام قادر على أن يكون مرآة للاحتجاجات والاعتراضات، وأن يثبت أن الكرد يضعون وحدة الصوت فوق كل اعتبار. وما يلفت الانتباه في هذه الاحتجاجات هو الدور الوطني للفئة الشابة، الذين عبّروا عن رفضهم بطرق تعكس القيم والعادات والثقافة الكردية، وأظهروا للعالم أن وحدة الصوت الكردي ليست مجرد شعار، بل قوة حقيقية قادرة على أن تتحول إلى فعل سياسي واجتماعي مؤثر".


"نحن الكرد لا نستسلم"

ولفتت إلى أنه "في جميع هذه الاحتجاجات، شارك الأطفال والشباب وكبار السن بصوت واحد يهتفون (نحن كرد، نحن لا نستسلم). كأم وكامرأة، لفت انتباهي أمر جعلني أشعر بالفخر والاعتزاز؛ فقد كنت من بين الذين واصلوا الحضور في التظاهرات، ولم أرى أي سلوك سلبي أو خروج عن روح الاحتجاج، بل على العكس، كان الجميع يهتفون بصوت واحد، دون أن يفرض أحد رأيه على الآخر، في مشهد يعكس وحدة الإرادة. هذا منحنا الأمل من جديد، وأعاد لنا الطموح بأن يكون لنا مستقبل مختلف، وأن نجعل القرن الحادي والعشرين قرن الكرد. لقد كانت هذه الاحتجاجات تعبيراً عن حداثة النضال، حيث انتقلنا من مراحل الكفاح المسلح والعمل السري إلى مرحلة جديدة تعتمد على الإعلام ووسائل التواصل الافتراضي، وهو ما ظهر بوضوح في إقليم كردستان وفي الشتات. لقد أثبتت هذه التجربة أن النضال يمكن أن يتطور، وأن وحدة الصوت قادرة على أن تمنحنا قوة أكبر، مع الأمل أن لا تتكرر هذه المآسي في أي جزء آخر من كردستان، وأن نستمر في نضالنا الموحد بخطوات أكثر تقدماً".


التضحية طريق وحدة ونصر 

وقالت سوز عبد القادر بابان في ختام حديثها "نحن جميعاً أمهات، وإذا لم تقدّم الأمهات التضحيات فلن يكتب لنضال شعبنا النجاح، أود أن أوجّه رسالة كأم إلى والدة الشهيد أحمد، الذي كان أول شهيد من إقليم كردستان في روج آفا، فأنا اعتبر ابنها كابني، ولا فرق بين أبنائنا جميعاً. نحن جميعاً أمهات، وإذا لم تقدّم الأمهات التضحيات فلن ينجح نضال شعبنا. وما فعله الشباب هو مصدر أمل ورجاء، ويجب ألا ننسى أن الشباب في كل العالم هم طليعة النضال، لأن الطاقة والقوة التي يمتلكونها أكبر بكثير. ونحن في زمننا كنّا طليعة النضال في كردستان، واليوم أثبت شبابنا أنهم الطليعة، ويجب ألا نتخلى عن هذه الوحدة، بل أن نواصلها ونضاعف جهودنا من أجل تقدم الشعب الكردي ورفع مكانته".