روج آفا... انهيار الحدود وعودة الكرد إلى لحظة تاريخية

إن الحراك الجماعي للكرد القادمين من شمال وشرق كردستان باتجاه روج آفا لا يمكن اختزاله في كونه رد فعل عابر، بل يمثل دلالة على عودة الفاعل الكردي إلى مسرح اللحظة التاريخية والسياسية، وعلى اهتزاز الحدود المصطنعة التي فُرضت عليهم.

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ لا يمكن تفسير ما يحدث اليوم من حراك جماعي واعٍ لكرد شمال وشرق كردستان تجاه ما يجري في روج آفا مجرد رد فعل عسكري أو تعاطف عابر، فهذا الحدث على مستوى أعمق يشير إلى لحظة تاريخية سياسية فارقة، لحظة يعود فيها التاريخ المكبوت والذاكرة الجماعية والإرادة الفاعلة للأمة إلى الساحة السياسية، في مثل هذه اللحظات، ينبثق "الممكن" من قلب "المهيمن" ويُشكك في النظام القائم.

في السياق التاريخي للشرق الأوسط، كانت الحدود نتاجاً لاتفاقيات استعمارية، وتوازنات قوى، ومنطق الدول القومية الاستبدادية، ورغم أن هذه الحدود قد جزّأت الجغرافيا، إلا أنها لم تتمكن قط من قطع الروابط الحياتية واللغوية والذاكرية والتجريبية المشتركة للكرد، ولذلك في لحظات التهديد الوجودي، تفقد هذه الحدود وظيفتها الرمزية والهيمنة، وتفسح المجال لنوع من التضامن العابر للحدود للهوية، تضامن لا ينبع من أعلى بل من داخل مجتمع كردستان وتاريخها.

في غضون ذلك، لم تعد روج آفا مجرد منطقة متنازع عليها بل أصبحت فضاءً لإمكانات تاريخية، إمكانيةٌ أُزيلت فيها السياسة من احتكار الدول وأُعيد تعريفها في صورة إدارة ذاتية، وتعايش بين الاختلافات، وتمكين المرأة والدفاع الشعبي لهذا السبب، يجب النظر إلى الهجوم على روج آفا على أنه هجوم على نموذج سياسي بديل، محاولة للقضاء على إمكانية قد تُعرّض النظام الإقليمي المهيمن لأزمة من حيث الشرعية والمعنى.

من هذا المنظور، فإن تصرفات الكرد في شمال وشرق كردستان للدفاع عن روج آفا ليست مجرد رد فعل على تهديد خارجي، بل هي بالأحرى إعلان عن وجود كيان تاريخي، كيان يعترف مرة أخرى بنفسه كفاعل سياسي بعد عقود من الإنكار والانقسام والقمع. وهذا كله محاولة لفهم هذه اللحظة التاريخية بعمقها الفلسفي والسياسي، لحظة يتلاقى فيها التاريخ والسياسة والأجساد البشرية الحقيقية وتقدم لنا إمكانية مستقبل مختلف.

 

اللحظة التي يعبر فيها التاريخ الحدود

أصبحت روج آفا مسرحاً في هذه اللحظة التاريخية التي يتقاطع فيها انهيار الحدود المفروضة مع عودة الشعب الكردي إلى التاريخ، تفقد الحدود المفروضة وظيفتها المهيمنة في مواجهة العمل الكردي الجماعي، لتفسح المجال أمام روابط حية، وذاكرة تاريخية، ومسؤولية مشتركة، يُعدّ العمل الجماعي الواعي الذي قام به كرد شمال وشرق كردستان دلالةً على عودة الذات التاريخية، تلك الذات التي ظلت لعقودٍ مجرد أداةٍ في يد السياسة، والآن في لحظة تهديد وجودي، تُدرك ذاتها كفاعلٍ نشط، هذه العودة هي عودةٌ إلى دخولٍ واعٍ إلى الحاضر يحمل في طياته إمكانية المستقبل.

روج آفا، باعتبارها مساحة للإمكانات التاريخية، هي مكان يتم فيه إخراج السياسة من احتكار الدول وإعادة تعريفها في شكل إدارة ذاتية، وتعايش الاختلافات، والدفاع الشعبي، بهذا المعنى لا يُعدّ انهيار الحدود حدثًا جغرافياً فحسب بل حدثًا فلسفياَ سياسياَ، لحظة يُعاد فيها فتح التاريخ وكتابة الذات التي كان يُفترض إقصاؤها في نسيج السياسة، روج آفا اليوم هي اسم هذه اللحظة التي تتراجع فيها الحدود ويبدأ فيها التاريخ من جديد من الأسفل.

إن الحدود التي هي نتاج المعاهدات والحروب والنظام الاستعماري للقرن العشرين، في لحظات التهديد الوجودي، تفقد وظيفتها المهيمنة ويتم استبدالها بما يمكن تسميته "حدود الهوية التاريخية" يتم رسم هذه الحدود في الذاكرة الجماعية والتجربة المعاشة والشعور بالمسؤولية المشتركة.

عندما يشعر مجتمع تاريخي بأن وجوده السياسي والثقافي وآفاقه المستقبلية مهددة بالزوال أو القمع أو التدمير، فإن رد فعله لا يقتصر على الغريزة أو العاطفة، بل ينطلق نوع من العمل الجماعي العقلاني الأخلاقي، عمل يتغذى على فهم مشترك للخطر وعلى الذاكرة التاريخية للقمع، وعلى إدراك عواقب الهزيمة أو الصمت، في مثل هذه الحالة يصبح الدفاع عن روج آفا دفاعاً عن "الذات التاريخية" وإمكانية استمرارها.

من هذا المنظور، ينبغي النظر إلى العمل الجماعي الواعي الذي قام به أهالي شمال وشرق كردستان، للدفاع عن روج آفا على أنه عودة لقضية تاريخية مكبوتة إلى الساحة السياسية، قضية تم تهميشها لعقود من خلال الإنكار والانقسام والترسيم القسري، هذه العودة هي بمثابة إعلان عن وجود كيان جماعي يسعى إلى الارتقاء بتاريخه من كونه مجرد أداة في السياسة الإقليمية إلى فاعل في العمل السياسي.

على صعيد آخر، تعكس هذه الظاهرة الفجوة بين الشرعية القانونية للحدود وشرعيتها الاجتماعية والتاريخية، فبينما تسعى الدول ووكلائها بما في ذلك الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل وتنظيم داعش وهيئة تحرير الشام إلى ترسيخ النظام القائم بالعنف، يؤكد العمل الجماعي للكرد على النقيض من ذلك، أن الشرعية الحقيقية لا تنبع من القوة، بل من القبول الجماعي وإضفاء المعنى التاريخي، لذا يمكن اعتبار هذه الخطوة الواعية مؤشراً على أن النضال الكردي قد دخل مرحلةً تُصبح فيها السياسة محاولةً واعيةً لإعادة تعريف الحدود والهوية والمستقبل على مستوى عابر للحدود.

 

روج آفا فضاءٌ للإمكانيات التاريخية والسياسات البديلة

في العقد الأخير، تجاوزت روج آفا مستوى الجغرافيا المتنازع عليها، لتصبح تدريجياً فضاءً للإمكانات التاريخية؛ فضاءً تُبنى فيه السياسة على أساس العمل الاجتماعي، والتنظيم الذاتي، وإعادة تعريف الجماعة، الإدارة الذاتية المحلية، والتعايش الإثني الديني والدور المحوري والمؤثر للمرأة في السلطة السياسية ونظام الدفاع، والاعتماد على الدفاع الشعبي اللامركزي، كلها عناصر حوّلت روج آفا إلى نموذج سياسي بديل في الشرق الأوسط المضطرب، نموذج يتحدى المنطق الاستبدادي، وتمركز السلطة ومحو الاختلاف.

في هذا الأفق النظري لا تُعدّ روج آفا مجرد تجربة تنفيذية، بل مسألة فلسفية تتعلق بالسياسات المهيمنة، هل من الممكن تنظيم المجتمع خارج منطق الدولة القومية المركزية؟ هل يمكن تحقيق الأمن لا من خلال القمع، بل من خلال المشاركة الاجتماعية والتضامن بين مختلف الفئات؟ لقد جعلت استجابة روج آفا العملية لهذه التساؤلات منها نقطة حساسة في المعادلات الإقليمية.

من هذا المنظور، لا يمكن تفسير الهجمات التركية الوكيلة ببساطة على أنها تهديدات أمنية أو منافسات ميدانية، بل على مستوى أعمق تمثل هذه الهجمات جهداً منظماً للقضاء على إمكانية تاريخية؛ إمكانية إذا ما ترسخت قد تنشر نموذجاً بديلاً للسياسة والسلطة والتعايش في مناطق جغرافية أخرى مضطهدة، وتواجه النظام الإقليمي المهيمن بأزمة شرعية.

لذا، فإن الدفاع عن روج آفا لا يقتصر على الدفاع عن مدينة أو خط فاصل أو حتى مشروع محلي، بل هو في الواقع دفاع عن إمكانية بناء مستقبل، مستقبل تُنتزع فيه السياسة من احتكار الدول والجيوش وتُعاد إلى مجال المشاركة المباشرة للمجتمع.

تاريخياً تُذكّرنا روج آفا بلحظاتٍ قاوم فيها النظام القديم ولادة نظامٍ جديد، وتُظهر تجارب مماثلة في التاريخ أنه كلما ظهر بديل حقيقي على هامش النظام المهيمن، لم يكن رد فعل القوى المركزية الحوار بل الإبادة، من هذا المنظور، ينبغي النظر إلى الهجمات على روج آفا كدليل على خوف بنيوي من انتشار نموذج سياسي مُلهم، لا كدليل على القوة. وهكذا، فإن روج آفا هي ساحة المواجهة بين منطقين تاريخيين، منطق بقاء الأنظمة الاستبدادية ومنطق ولادة سياسة تسعى إلى المستقبل ليس في تكرار الماضي ولكن في إمكانيات جديدة.

حدود سيمالكا من منطق اقتصاديات الحدود إلى أخلاقيات العبور

أصبح معبر سيمالكا الحدودي في إقليم كردستان على مر السنين أكثر من مجرد نقطة عبور جغرافية، بل رمزاً لاقتصاد الحدود وإدارته السياسية، مساحة طغت فيها التجارة والتوازنات الحزبية، والرقابة الأمنية وبيروقراطية العبور على منطق حركة البشر، هذا المعبر كغيره من المعابر المفروضة في المنطقة لا يُنظّم على أساس الروابط الاجتماعية، بل على أساس حسابات القوة والمصالح الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية.

مع ذلك، تشهد سيمالكا نوعاً من تعليق وظيفتها التقليدية، فتدفق المتطوعين الكرد من شرق كردستان في ظلّ قمع النظام الإيراني الوحشي والأمني ​​لها في آنٍ واحد والذين شقّوا طريقهم من شرق كردستان للدفاع عن روج آفا، رغم الأجواء العسكرية والاضطهاد الأمني ​​والتضحيات الشخصية الباهظة، يُظهر أن الحدود لم تعد مجرد ممرّ للحصول على تصاريح رسمية، هذا العمل الجماعي يُعبّر عن تزامن المقاومتين الداميتين لشعب شرق كردستان ضد النظام الإيراني، ومقاومة روج آفا ضد القوات التكفيرية.

في هذه اللحظة التاريخية، تصبح الحدود مسرحاً للالتزام، حيث يتحرك الناس ليس من أجل المكاسب الاقتصادية، ولكن مع إدراكهم للمخاطر، استجابةً لنداء أخلاقي وسياسي وتاريخي، وهو فعل يرتقي بالحدود من مجرد خط جغرافي إلى مجال للتضامن الكردي والمسؤولية المشتركة.

في إطار التحليل الذي يتناوله هذا النص، يمكننا الحديث عن ظاهرة تُعرف باسم "تسييس الحدود" وهي حالةٌ تتلاشى فيها منطق الربح وحسابات التكلفة والعائد لصالح منطق المسؤولية الجماعية، في مثل هذه الحالة لم تعد الحدود أداةً لتنظيم السلطة، بل أصبحت ساحةً لاختبار القيم، لتحديد من يقف على أي جانب من التاريخ، وإلى أي مدى هم على استعداد لدفع ثمن هذا الموقف، يمكن اعتبار هذا التحول في وظيفة الحدود دليلاً على الفجوة بين السيادة الرسمية والشرعية الأخلاقية، فبينما تسعى الهياكل الحزبية والإدارية إلى الحفاظ على الحدود ضمن منطق السيطرة، تُظهر تصرفات المتطوعين الكرد أن الشرعية الحقيقية للعبور لا تنبع من التصاريح، بل من الضرورة التاريخية للدفاع، وبهذا المعنى تُصبح سيمالكا نقطةً تتجاوز فيها السياسة مستوى الإدارة التكنوقراطية، وترتقي إلى مستوى الاختيار الأخلاقي.

وهكذا يمكن اعتبار عبور سيمالكا ليس مجرد حركة مادية بل فعل رمزي يتحول فيه الحد من أداة لتحقيق الاستقرار في النظام القائم إلى مسرح لكسره وإعادة تعريف العلاقة بين البشر والتاريخ والمسؤولية الجماعية.

 

شمال كردستان وقامشلو

كان ترسيم الحدود بين نصيبين وقامشلو نتاجاً مباشراً لمعاهدات القرن العشرين الاستعمارية ومنطق تقسيم الأراضي بناءً على موازين القوى، ومثل العديد من الحدود في الشرق الأوسط رُسمت هذه الحدود على نسيج جغرافي حي، دون مراعاة الروابط الثقافية واللغوية والجغرافية الحيوية لسكانها، ولذلك فرغم تثبيت هذا الخط على الخرائط، إلا أنه لم يُستوعب قط  كـ"حدود حقيقية" في الذاكرة الجماعية للكرد.

يجب فهم حركة الكرد الحالية من نصيبين إلى قامشلو في هذا السياق التاريخي، لا باعتبارها عبوراً لحدود وطنية بل باعتبارها إعادة بناء لرابط تاريخي منقطع، إنها عودة إلى جغرافية كانت قبل التقسيمات الاستعمارية تشكل وحدة اجتماعية وثقافية، هنا تحمل حركة الأفراد معنى يتجاوز مجرد النزوح المكاني إنها حركة تتحدى الفجوة المفروضة بين التاريخ الرسمي والتجربة المعيشية للشعب.

عند هذه النقطة تبرز نظرية "الأمة المعاشة" وهي نظرية لا تعتبر الأمة نتاجاً للتعريف القانوني للدول، بل بناءً يتجسد في الحياة اليومية، والذاكرة المشتركة، واللغة، ومعاناة الشعب ومقاومته، فالأمة بهذا المعنى واقع اجتماعي مُعاش قبل أن تكون كياناً قانونياً، ولهذا السبب بالنسبة لأهالي شمال كردستان، لا تُمثل روج آفا "ما وراء الحدود" بل امتداداً طبيعياً للوطن والتاريخ وإمكانية العيش المشترك.

ما يحدث في نصيبين هو مواجهة بين النظام الرمزي للدولة القومية والنظام المعيشي للمجتمع، تحاول الدول السيطرة على الهوية واحتوائها عبر رسم الحدود، لكن أفعال الناس تُظهر أن الهوية مرنة ومقاومة للأشكال القانونية، عندما يتجاوز مفهوم "الوطن" منطق الوثائق الرسمية، تتحول الحدود من أداة لترسيخ السيادة إلى رمز لهشاشتها، بهذا المعنى، لا تُمثل نصيبين وقامشلو مجرد جغرافي، بل هما مسرحٌ لمواجهة روايتين تاريخيتين، رواية ترى الأمة نتاجا لعقد، ورواية أخرى تراها ثمرة تعايشٍ مشترك ومعاناةٍ ومقاومة، وسيُحدد انتصار أيٍّ من هاتين الروايتين ليس فقط مصير الحدود بل أيضا آفاق السياسة المستقبلية في هذه المنطقة الجغرافية.