قطع الإنترنت في إيران سياسة تفقر النساء وتقصيهن عن المجال العام

أصبحت عمليات إغلاق الإنترنت والقيود المفروضة عليه في إيران سياسة تؤثر على سبل عيش النساء وحضورهن الاجتماعي، وتزيد من عدم المساواة من خلال إضعاف الاقتصاد الإلكتروني ودفع النساء إلى المنصات المحلية.

شيلا قاسم خاني

مركز الأخبار ـ أصبحت عمليات قطع الإنترنت في إيران أداة للسيطرة على سبل عيش النساء وصوتهن وقدرتهن على اتخاذ القرارات؛ وهي سياسة تعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع وعدم المساواة بين الجنسين من خلال شل الاقتصاد الإلكتروني، وإبعاد النساء عن المجال العام، وإجبارهن على اللجوء إلى منصات خاضعة للسيطرة مثل روبيكا.

لم يعد قطع الإنترنت في إيران إجراءً تقنياً أو أمنياً مؤقتاً، بل أصبح سياسة متكررة تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية لملايين الأشخاص، قد يؤدي قطع الإنترنت إلى إبطاء تدفق المعلومات على المدى القصير، ولكنه على المدى الطويل يُعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع ويرفع تكلفة المعيشة، يمكن اعتبار هذا الوضع شكلاً من أشكال "العقاب الجماعي" الذي يستهدف الشعوب.

وفي هذه المذكرة، أوضح كيف تؤثر عمليات إغلاق الإنترنت أو القيود المفروضة عليه على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لحياة الناس، وخاصة النساء وكيف يؤدي الانتقال القسري إلى المنصات المحلية لتقويض قدرة المرأة على اتخاذ القرارات.


انقطاع الإنترنت والإرهاب الاقتصادي

يُشير بعض المحللين إلى عمليات قطع الإنترنت واسعة النطاق باعتبارها إرهاباً اقتصادياً، وهو مصطلح وإن كان قاسياً، إلا أنه ذو دلالة عملية، ولا يُستخدم هذا المصطلح لربطه بالعنف الجسدي، بل لوصف آلية لا تكون فيها أداة العنف هي القنابل والبنادق، بل تعطيل سبل عيش الناس الاقتصادية.

في إيران، تعتمد آلاف الشركات الصغيرة والمنزلية، من البائعين عبر الإنترنت إلى العاملين لحسابهم الخاص والمترجمين والمصممين والصحفيين المستقلين وصناع المحتوى على الإنترنت، انقطاع الإنترنت يعني خسارة مفاجئة للدخل دون تأمين، ودون تعويض ودون إمكانية للاحتجاج، يمكن فهم هذا الوضع في ضوء مفهوم "العنف البنيوي" (يوهان غالتونغ)؛ حيث تخلق هياكل السلطة، دون عنف مباشر، ظروفاً تؤدي إلى الفقر وعدم المساواة المنهجية، انقطاع الإنترنت يفعل ذلك تحديداً يفرض الفقر، دون تحمل المسؤولية عنه.


         


النساء ضحايا صامتات لانقطاع الإنترنت

بالنسبة للعديد من النساء، لم يكن التواجد على الإنترنت مجرد وسيلة لكسب المال، بل كان أيضاً فرصة لتشكيل هويتهن الذاتية، وكما أكدت سيمون دي بوفوار "المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة" وهذا التشكيل له دلالة بالغة الأهمية فيما يتعلق بإمكانية المشاركة والتفاعل في المجال العام، كان نشاط النساء في إنتاج المحتوى الإلكتروني وبيعه ورواية القصص بمثابة تجربة لهن كذوات فاعلة لا مجرد متلقين.

ترى جوديث بتلر أيضاً أن الذاتية ليست ثابتة، بل هي نتاج أفعال متكررة في الفضاء العام، أفعال تجعل الجسد والصوت مرئيين، إن تقييد الإنترنت يعطل هذه الدورة من الأفعال ويقضي على إمكانية إعادة إنتاج الذاتية الأنثوية، بإغلاق هذا الفضاء، تُستبعد النساء ليس فقط من سوق العمل، بل أيضاً من مجال الاعتراف الاجتماعي، حيث يُعدّ "الظهور" شرطاً أساسياً للفاعلية، ونتيجة لذلك لا يقتصر الأمر على فقدان وظيفة أو دخل، بل يتعداه إلى فقدان إمكانية أن تكون المرأة فاعلة.

بالنسبة للعديد من النساء، لا يُمثل الاقتصاد الرقمي خياراً ترفاً، بل هو السبيل الوحيد للبقاء والاستقلال المالي، لا سيما للنساء غير القادرات على المشاركة في سوق العمل الرسمي بسبب القيود الثقافية أو مسؤوليات الرعاية، ويُعدّ انقطاع الإنترنت عائقاً أمام هذا المسار بين عشية وضحاها، ويُعتبر في الأدبيات النسوية مثالاً على "تأنيث الفقر" وهي حالة تُؤدي فيها السياسات الأمنية والاقتصادية إلى إفقار النساء بشكل غير متناسب وجعلهن أكثر عرضة للخطر.


انقطاع الإنترنت وعدم المساواة

إضافةً إلى انقطاع الدخل، عرّض انقطاع الإنترنت النساء الناشطات في الفضاء الإلكتروني للعنف الرمزي، ففي الأيام الأخيرة، واجهت العديد من صفحات إنستغرام التي تديرها نساء اتهاماتٍ بانعدام الضمير وعدم الاكتراث لأوضاع المجتمع، في الوقت نفسه تستمر الشركات التقليدية في العمل دون مثل هذه الضغوط الأخلاقية.

تمثل هذه الازدواجية تسييساً غير متكافئ للعيش، حيث يُتوقع من النساء اللاتي لا يملكن دعماً اقتصادياً التخلي عن مصدر دخلهن الوحيد بدافع التعاطف الجماعي، هذا الضغط ليس دليلاً على التضامن الاجتماعي، بل هو إعادة إنتاج للعنف الذي يُبقي النساء معلقات بين البقاء على قيد الحياة والحكم المجتمعي.


         


المنصات المحلية

مع تدهور خدمات الإنترنت، يُروج للهجرة القسرية للمستخدمين إلى المنصات المحلية كحلٍّ، وفي الوقت نفسه، يُتجاهل الفرق الجوهري بين الفضاء العام والفضاء الخاضع للسيطرة، فما تختبره النساء على إنستغرام ليس مجرد بيع أو إنتاج محتوى، بل هو وجودٌ في ساحة عابرة للحدود سعياً للظهور والتقدير والتأثير، أما المنصات المحلية بآليات مراقبتها وحدودها المحددة مسبقاً فتُحوّل هذا الوجود إلى مجرد وجود مسموح به ومُدار.

في مثل هذا الفضاء، لا تتعزز قدرة المرأة على الفعل، بل تُحيدها، بتعبير جوديث بتلر، يتشكل الذات حيث يكون الفعل محفوفاً بالمخاطر، وبإزالة المخاطر تجعل المنصات المنزلية الفعل آمناً، وفي الوقت نفسه تجرده من معناه وقدرته على الفعل، ونتيجة لذلك يمكن للمرأة أن تكون فاعلة ولكن ليس خاضعة.


الضرر النفسي

لا تقتصر عواقب الإنترنت على الجوانب المادية فحسب، ففي مجتمع متشرذم، يُؤجج الانقطاع القلق الجماعي، وقد أظهرت التجارب التاريخية في إيران والعراق وسوريا أن انقطاع المعلومات لا يُفضي إلى السلام، بل إلى تراكم الغضب والتدهور النفسي، ففي إيران خلال ستينيات القرن الماضي تُركت عائلات السجناء السياسيين المحرومة من أي معلومات، تتأرجح بين الأمل والخوف لسنوات؛ وهي تجربة لا تزال جرحاً غائراً في الذاكرة الجماعية.

إن قطع الإنترنت في إيران ليس أداةً "للسيطرة على الأزمة"، بل هو في الواقع مسبب لها، فهذه السياسة تشل الاقتصاد، وتُقصي النساء عن الحياة العامة، وتُخلف معاناةً شديدةً في الأسر، الإنترنت ليس قضيةً تقنيةً فحسب بل هو قضيةٌ بيوسياسيةٌ واقتصاديةٌ وجنسانية، إن قطعه لا يُسكت الأصوات بل يُخفي المعاناة ويُعمق السخط.