نساء أفغانيات يُقتلن داخل أسرهن وتُسجل وفاتهن كحالات انتحار
أظهر بحث جديد أجري على 231 حالة قتل للنساء في 10 ولايات في أفغانستان أن النساء غالباً ما يُقتلن على يد أزواجهن وأفراد أسرهن، وعلى الرغم من وجود أدلة على العنف فإن وفياتهن غالباً ما تُعلن على أنها حالات "انتحار".
مركز الأخبار ـ يشكل العنف ضد النساء في أفغانستان واحدة من أكثر الأزمات الاجتماعية والإنسانية تعقيداً في البلاد، إذ تواجه النساء مستويات مرتفعة من الانتهاكات داخل المنازل وفي المجال العام، في ظل بيئة قانونية ومجتمعية تُقيّد حمايتهن وتحدّ من قدرتهن على الوصول إلى العدالة.
مع اقتراب الذكرى السنوية الخامسة لعودة طالبان إلى السلطة في الخامس عشر من آب/أغسطس، نشرت صحيفة الغارديان بحثاً استقصائياً حول وضع المرأة في أفغانستان، تناول مقتل النساء، وإفلات الجناة من العقاب، وإعلان وفيات النساء انتحاراً.
وكشف البحث عن تصاعد حالات قتل النساء في أفغانستان منذ عودة طالبان إلى السلطة، مؤكداً أن غياب آليات الحماية والمحاسبة أتاح استمرار العنف ضد المرأة ووفّر بيئة لإفلات الجناة من العقاب.
أجرى البحث مراسلو صحيفة "زان تايمز"، حيث فحصوا الحالات المبلغ عنها في 10 من أصل 34 ولاية في أفغانستان، ووثّق 231 حالة قتل للنساء منها 174 حالة تم الإبلاغ عنها في وسائل الإعلام المحلية، و57 حالة وثّقها مراسلو الصحيفة مباشرةً.
وسُجلت رسمياً 53 حالة انتحار ضمن هذه الوقائع، في حين لم تتجاوز حالات الاعتقال 58 حالة، وغالباً ما جرى الإفراج عن المشتبه بهم بعد وقت قصير من توقيفهم، وتبين الإحصاءات أن الجزء الأكبر من هذه الحالات وقع في ولاية جوزجان بـ 36 حالة، تلتها هيرات بـ 32 حالة، ثم بدخشان بـ 28 حالة، وغزني بـ 26 حالة.
وتراوحت أعمار الضحايا بين خمسة و 65 عاماً، وكان 165 منهم، أو حوالي سبعة من كل 10 ضحايا، ربات بيوت، نساء لم يكن لديهن دخل مستقل أو إمكانية الوصول الفعال إلى المؤسسات الرسمية لمتابعة العنف المنزلي.
وفاة ليزا شمس مثال على نمط مقلق
أحد الملفات التي خضعت للتحقيق يتعلق بوفاة ليزا شمس البالغة من العمر 33 عاماً، والتي كانت قد أرسلت قبل أسابيع من وفاتها رسائل صوتية تتحدث فيها عن العنف الذي تتعرض له من قبل زوجها، وفي إحدى هذه الرسائل، ناشدت أقاربها الدعاء لها، موضحة أن زوجها اعتدى عليها بالضرب أثناء حملها ثم عزلها لعدة أيام.
وقد اتصل الجيران بالشرطة بعد سماع صراخها، فيما شاهد والدها ابنته عبر مكالمة فيديو قبل وقت قصير من الحادثة، وظهرت عليها إصابات بالغة، وبحسب روايته كان فك ليزا مكسوراً وكانت تجد صعوبة في الكلام.
وفارقت ليزا شمس الحياة بعد نحو ساعة من نقلها إلى مستشفى رحمت في كابول، وكشفت التقارير الطبية عن وجود كسور متعددة في عظام الوجنتين وجدران الجيوب الأنفية، إلى جانب كدمات وإصابات واسعة في وجهها وجسدها، ورغم هذه الإصابات البالغة، أشار تقرير الطبيب الشرعي إلى أن السبب المرجح للوفاة هو تسمم بسم الفئران، موضحاً أنه لم يُجرَ تشريح للجثة بناءً على طلب العائلة.
" نمط واضح" في قتل النساء
ولا تُعلن حركة طالبان وهي جهة ارتكبت انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان أي إحصاءات رسمية حول عدد النساء اللواتي يُقتلن سنوياً في أفغانستان، خصوصاً بعد حل مكتب المدعي العام الأفغاني عام 2023، وهو الجهة التي كانت تتولى سابقاً هذه البيانات.
وتُظهر نتائج الأبحاث أن غالبية حالات قتل النساء تحدث داخل المنازل، وأن الجناة في كثير من الوقائع هم أزواج الضحايا أو آباؤهن أو إخوتهم.
كما تشير التحقيقات إلى أن أكثر من خُمس الحالات التي جرت مراجعتها تم تسجيلها رسمياً على أنها انتحار، حتى عندما كانت هناك أدلة واضحة على العنف أو وجود شبه جنائية.
وذكر أحد العاملين الصحيين في ولاية جوزجان أن عدداً من النساء اللواتي نُقلن إلى المستشفى تحت وصف "الانتحار" كانت تظهر عليهن علامات جلية للضرب والجروح والكدمات في مختلف انحاء أجسادهن.
فرشته عمادي وفاة أخرى يكتنفها الكثير من الغموض
كانت فرشته عمادي، البالغة من العمر 33 عاماً، وهي موظفة في وكالة تابعة للأمم المتحدة في كابول، عُثر عليها ميتة في منزلها في 31 أيار/مايو. وذكرت التقارير أن زوجها أخبر شرطة طالبان أن فرشته انتحرت، مشيراً إلى المرض العقلي كسبب لذلك.
لكن عائلة فرشته عمادي وأصدقاءها يعتقدون أن زوجها هو من قتلها. وقد صرّح خمسة من أقاربها بأن فرشته تعرّضت للعنف والخنق والسيطرة المستمرة من زوجها لمدة 15 عاماً، بدءاً من زواجها القسري في سن السابعة عشرة.
وبحسب قانون العقوبات الجديد لحركة طالبان، فإن عقوبة الزوج الذي يضرب زوجته لدرجة ترك علامات ظاهرة مثل الكسور أو الجروح تصل إلى 15 يوماً كحد أقصى في السجن.
وعلى العكس من ذلك، إذا ذهبت امرأة إلى منزل عائلتها دون إذن زوجها ورفضت العائلة إعادتها عندما يطلب زوجها ذلك، فقد تواجه المرأة وأفراد أسرتها عقوبة السجن لمدة ثلاثة أشهر.
يقول منتقدو هذه اللوائح إن مثل هذا الهيكل قد يعرض المرأة فعلياً لعقوبة أشدّ لطلبها اللجوء من العنف المنزلي مقارنة بارتكابها العنف ضدها.
إلغاء آليات حماية المرأة
بعد عودة طالبان إلى السلطة، تم تفكيك العديد من الآليات القائمة لحماية المرأة. فقد تم حل وزارة شؤون المرأة، ومكتب المدعي العام الخاص بالعنف ضد المرأة، وشبكة ملاجئ النساء. كما تم فصل نحو 250 قاضية من مناصبهن القضائية، بالإضافة إلى فصل المدعيات العامات.
في ظل الإطار القانوني الحالي، تواجه النساء أيضاً قيوداً خطيرة على تقديم الدعاوى القانونية بشكل مباشر. ففي ولاية تخار، قالت والدة امرأة تبلغ من العمر 23 عاماً طُعنت ثم أُضرمت فيها النيران على يد زوجها، إن محكمة محلية طلبت منها نقل توكيلها القانوني إلى زوجها لمتابعة القضية، لأنه بحسب المحكمة "لا يجوز للمرأة أن تكون طرفاً مباشراً في دعوى قضائية". ولا تزال القضية دون أي تقدم منذ أشهر.
إحصائيات لا تُظهر إلا جزءًا من الحقيقة
وأكد مراسلو صحيفة "وومنز تايمز" أن الحالات المسجلة البالغ عددها 231 حالة لا تمثل العدد الحقيقي لجرائم قتل النساء في أفغانستان، وإنما تقدم صورة محدودة فقط لأبعاد هذه الأزمة.
إن خوف العائلات من عواقب التحدث إلى وسائل الإعلام، فضلاً عن التهديدات التي يتعرض لها الصحفيون في بعض المحافظات، حال دون الوصول إلى العديد من القضايا، ففي قضية ليزا شمس واجهت عائلتها ضغوطاً أيضاً بعد محاولتها السعي لتحقيق العدالة، وقد استدعت حركة طالبان ابنتي العائلة اللتين نقلتا ليزا إلى المستشفى، وهما الآن مختبئتان. ويقول والد ليزا إن العائلة واجهت ضغوطاً كبيرة للتحدث إلى وسائل الإعلام لأن حركة طالبان، كما يقول، لا تريد أن يتم الكشف عن حالات العنف ضد المرأة.