ندوة صحفية توثق شهادات لسجينات رأي في تونس
عقدت نقابة الصحفيين في تونس ندوة صحفية بعنوان "الصحفيون ومحنة السجن"، قدمت خلالها عدد من السجينات وعائلات الموقوفين شهادات مؤلمة عن ظروف الاحتجاز ومعاناة العائلات وسط دعوات متجددة لإطلاق سراح الصحفيين ومعتقلي الرأي العام.
نزيهة بو سعيدي
تونس ـ يواجه الصحفيون المعتقلون في السجون التونسية معاناة لا توصف وسط شهادات تكشف افتقارهم لأبسط مقومات الحياة من ظروف احتجاز سيئة وقاسية إلى حرمان من الحرية الجسدية وحقوقهم المهنية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول الملاحقات إلى تهديد مباشر.
عقدت نقابة الصحفيين التونسيين أمس الجمعة 13آذار/مارس ندوة صحفية تحت عنوان "الصحفيون ومحنة السجن" تم خلالها تقديم شهادات لسجينات رأي وعائلات بعض السجناء.
وفي شهادة للصحفية شذى الحاج مبارك قالت إن السجن يعد من أقسى التجارب التي يمكن أن يمر بها الإنسان عموماً، لكنه بالنسبة للصحفي أشد وطأة، إذ لا يستطيع ممارسة مهنته أو حياته دون فضاء من الحرية التي يتنفس بها. ومن هذا المنطلق، شددت على تضامنها الكامل مع الصحفيين القابعين خلف القضبان، ومع كل زميل يتعرض للإيقاف أو الملاحقة بسبب عمله الصحفي.
كما قالت الإعلامية سنية الدهماني أن الحديث عن زملائها السجناء يظل مؤلماً لأنها عاشت التجربة نفسها وتعرف قسوتها جيداً، مشيرة إلى أنها وضعت في غرف تملؤها الرطوبة وتآكلت جدرانها، واضطرت للنوم ساعات طويلة وسط أشخاص لم تختر العيش معهم "إن السجين يبقى في حالة يقظة دائمة لأنه لا يعرف من أين قد تأتيه الإهانات أو الضغوط، إن أقل ما يمكن قوله عن ظروف السجن هو أنها مزرية وقاسية إلى حد لا يُنسى".
وقالت إنّ الأصعب داخل السجن هو أن تدرك أنك لم ترتكب ذنباً ولا جريمة لتعاتب نفسك عليها، فتجد السؤال نفسه يلاحقك كل يوم "ماذا أفعل هنا؟"، لافتةً إلى أن أقسى اللحظات هي تلك التي تفتح فيها عينيك على محيطك القاسي داخل الزنزانة، لتعود وتتساءل من جديد "لماذا أنا هنا؟".
وأشارت إلى أن ما يزيد من وطأة التجربة هو معرفتك بأن قدرتك على تحمّل العذاب تستند إلى قوة إرادتك وعزيمتك، لأنك اخترت في لحظة ما كسر جدار الخوف، ولا يجوز التراجع أو العودة إلى نقطة الصفر بعد كل ما مرّ به الصحفيون منذ عام 2014، لكنّ الألم الحقيقي كما تقول يكمن في معاناة العائلة، وفي الذل الذي تتعرض له الأم في شيخوختها، وعذاب الأبناء الذين يدفعون ثمن غيابك، وهو ما يجعل التجربة أكثر قسوة من أي شيء آخر.
أكدت أن السجين يُحرم من أبسط أشكال الحرية الجسدية ويُفرض عليه الالتزام بقائمة طويلة من الممنوعات، تبدأ بما يأكله وما يرتديه ولا تنتهي عند حدود الحركة داخل الزنزانة، مشيرةً إلى أنها اكتشفت خلال تجربتها داخل سجن النساء أنها تُعامل كأنها "عورة"، في إشارة إلى القيود الصارمة والرقابة المستمرة المفروضة على السجينات.
واختتمت حديثها بالتأكيد على تضامنها مع جميع السجناء، معتبرةً أن ما يجري لم يعد مجرد "عبث قضائي" بل تحول إلى "جنون قضائي" مشددةً على أن الوقت قد حان لأن تعتمد الدولة قدراً من التعقّل وتضع حداً لهذه المعاناة.
عذاب العائلات
تعيش عائلات السجناء معاناة مضاعفة لا تقتصر على غياب ابنها أو ابنتها خلف القضبان، بل تمتد إلى أعباء يومية ثقيلة، وفي هذا السياق، أوضحت مريم الزغيدي، الناشطة في المجتمع المدني، أن عائلة السجين تحرص أسبوعياً على زيارته وهي تحمل "القفّة" المليئة بكل ما يحتاجه، لكن كثيراً ما تُفاجأ العائلات بتغيير السجن في اللحظة الأخيرة، لتعود مثقلة بخيبة الأمل والتعب.
وأضافت أن الصحفي أو الصحفية يفقد مصدر رزقه بمجرد دخوله السجن، ما يطرح أسئلة مؤلمة من أين ستعيش عائلته؟ وكيف سيواصل أبناؤه حياتهم ودراستهم؟ مشيرةً إلى أن العبء الاقتصادي والاجتماعي على العائلات لا يقل قسوة عن معاناة السجين نفسه.
وأثنت على الدور الكبير الذي قامت به عمتها في تحمّل مشاق زيارة إخوتها السبعة الذين مرّوا جميعاً بتجربة السجن، مؤكدة أنها ما زالت حتى اليوم تواصل دعم ابن أحد السجناء، دون أن تتخلّى عنه لحظة واحدة منذ أكثر من سنتين.
وخلصت إلى أن المكان الطبيعي للصحفيين هو الميدان وأمام المصدح لممارسة مهنتهم، لا خلف القضبان حيث تُكمّم الأفواه وتصمت الكفاءات "إن الوقت قد حان لوقف هذا المسار"، مردّدة "كفى… يزي، باسطا"، داعية لإطلاق سراح جميع الصحفيين ومعتقلين الرأي.