مسيرة في تونس احتجاجاً على تراجع الحريات وتدهور المعيشة
طالب المحتجون برحيل المنظومة الحاكمة التي أدخلت البلاد "منعطفاً خطيراً" وغير مسبوق، خاصة مع تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغياب أبرز مقومات الحياة.
تونس ـ شهدت العاصمة التونسية، أمس السبت 25 تموز/يوليو، تزامناً مع الاحتفال بعيد الجمهورية، تحركاً احتجاجياً واسعاً ومسيرة حاشدة نظمها تحرك "نفس" وقوى المعارضة بمشاركة واسعة من شباب البلاد ومكونات المجتمع المدني.
جاءت هذه التحركات لتشكل تعبيراً صارخاً عن حالة الاحتقان الشعبي، وتنديداً مباشراً بالمسار السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي آلت إليه البلاد بعد مرور ست سنوات على تولي الرئيس الحالي قيس سعيد مقاليد الحكم.
ولم تقتصر الاحتجاجات على الجانب السياسي فحسب، بل امتدت لتلامس المعيشة اليومية للمواطن التونسي المنهك، حيث ندد المتظاهرين بشدة بأزمات انقطاعات المياه والكهرباء المتكررة، وغلاء المعيشة، وتردي الأوضاع الصعبة التي يعيشها التونسيون يومياً، وعكس سقف الشعارات المرفوعة حالة من اليأس والغضب، إذ صور المحتجين واقع تونس الراهن بعبارات قاسية، معتبرين أن البلاد تحولت إلى ما يشبه "القبر" أو "السجن المفتوح".
من "مهد الثورة" إلى محطة الخذلان
لا يمكن قراءة المشهد الاحتجاجي اليوم بمعزل عن الإرث التاريخي لتونس الحديثة؛ فلم تكن البلاد بالنسبة للمنطقة العربية مجرد رقعة جغرافية، بل كانت في عام 2011 المنارة التي أضاءت طريق التغيير وألهمت الملايين، معطيةً درساً عميقاً في أن الحرية والتغيير السلمي أمران ممكنان متى توحد الشعب ونظم صفوفه.
في السنوات التي تلت الثورة، خطت تونس خطوات واسعة في مسار الانتقال الديمقراطي، وتنعّم أبناؤها بفضاءات واسعة من حرية التعبير والصحافة صعدت بها إلى مراتب متقدمة إقليمياً، وتوج ذلك بحصول الرباعي الراعي للحوار الوطني على جائزة نوبل للسلام، غير أن هذا الأمل اصطدم بمحطة انتخابات عام 2019، عندما وضع قطاع واسع من الشباب ثقته في شخصية أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد، معتقدين أنه سيكون الضامن لدستور البلاد. إلا أن الأمل تحول تدريجياً إلى خيبة أمل عميقة؛ إذ دخلت البلاد في أصعب وأقسى مرحلة تعيشها منذ الاستقلال.
انهيار خدماتي وشهادات مأساوية
لم يقتصر التراجع على الجانب السياسي، بل ضرب عصب الحياة اليومية للمواطن، منتجاً أزمات معيشية تمثلت في انقطاع المياه والكهرباء وغلاء المعيشة، وقد بلغ الوضع الإنساني درجات كارثية وثقتها التقارير المهنية، حيث أشارت منظمة الأطباء الشبان إلى وفاة ما بين 150 و200 شخص داخل المستشفيات والمشافي العمومية، فضلاً عن حالات وفاة صامتة في المنازل نتيجة انقطاع الكهرباء وتعطل الأجهزة الحيوية وتردي المنظومة الصحية بالكامل.
أكدت الناشطة النسوية والحقوقية نجاة عرعاري، أن وجودهم في المسيرة يأتي تزامناً مع الذكرى التاسعة والستين لعيد الجمهورية، مشيرة إلى أن تونس تعيش نكبة تلو الأخرى.
وأوضحت أنها ليست مجرد انتخابات أو صندوق رأي، بل هي منظومة قيمية أول ما تقتضيه هو حفظ كرامة المواطن، وحماية حقوقه وحرياته وعيشه الكريم، فضلاً عن تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وأكدت نجاة عرعاري أن هذه القيم بأكملها لم تعد موجودة اليوم في تونس، حيث أصبح المواطن يعيش في الظلام، والعطش، والفقر، والهشاشة، والخصاصة في مختلف المناطق، قائلة إنه بات يُتحدث اليوم عن نسب بطالة وفقر مرتفعة، وعن مواطنين يموتون في المستشفيات بسبب غياب الدواء واحتراق وتدهور الخدمات العامة.
بدورها عبرت المواطنة عزيزة بغضب شديد عن استيائها من تدهور الأوضاع المعيشية، متسائلة عن دور المسؤولين في ظل الغلاء الفاحش الذي دفعهم إلى إخراج أبنائهم من المدارس. وروت بحسرة حال امرأة مسنة في الحادية والسبعين لا تجد من يرافقها إلى المستشفى أو يوفر لها دواءً واحداً.
وأكدت أن الجوع والتعب والعطش باتت يوميات قاسية، متسائلة كيف يمكن لمن يتقاضى رواتب زهيدة أن يعيش أو يسد احتياجاته الأساسية، موضحة أن كثيرين أصبحوا حفاة وجياعاً، يقتاتون أحياناً من المزابل أو من جمع القوارير والأكياس البلاستيكية، فيما المرضى لا يجدون دواءً لأمراضهم المزمنة في المستشفيات.
وختمت بالتأكيد على أن الشباب، الذين يُفترض أن يكونوا عماد الوطن، يعانون البطالة والفقر والتشرد، مشددة على حجم الظلم الذي يعيشه المواطن البسيط الذي لم يعد يملك حتى ثمن قوته اليومي أو دوائه.
الافتقار إلى أبسط مقومات الحياة
من جانبها تستحضر زينب مرايحي وهي (زوجة معتقل سياسي) معاناتها اليومية، مؤكدة أنها مواطنة تونسية من الدرجة الأولى تعيش تماماً كما يعيش عموم المواطنين التونسيين، مشيرة إلى أن زوجها معتقل سياسي وموجود حالياً في السجون التونسية.
وقالت إنها خرجت اليوم برفقة سائر المواطنين للتعبير عن حالة الاختناق الشديدة التي يعيشها الشعب، مبينة أن الناس لم يعد بوسعهم التنفس أو احتمال الأوضاع المتردية، وأن وضعهم الكارثي يفتقر لأبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء.
وأكدت أن الأوضاع داخل السجون التونسية سيئة للغاية ومأساوية؛ إذ يعاني المعتقلون من الخنق الشديد وانعدام التهوية والحرارة الشديدة، فضلاً عن أن مياه الشرب تنقطع بصفة متكررة، مما اضطرهم لجلب مياه الشرب من خارج أسوار السجن في ظل شح المياه وغياب الرعاية الكافية، وارتفاع درجات الحرارة القياسية.
منذ 25 تموز/يوليو 2021 تراجعت الحريات في تونس بشكل كبير، حيث احتلت المرتبة 129 من أصل 180 في مؤشر حرية الصحافة لسنة 2025 مع تسجيل 167 اعتداء على صحفيين ولا يزال 4 صحفيين على الأقل محتجزين وتم إغلاق هيئة النفاذ إلى المعلومة في آب/أغسطس 2024 مما زاد من التضييق على العمل الصحفي.
ويعاني المواطن من ارتفاع الأسعار رغم انخفاض التضخم إلى 5% في أيلول/سبتمبر 2025، وتعتمد ميزانية 2026 على الضرائب بنسبة تتجاوز 75% مع استهداف نمو ضعيف بـ 3.3%.
ولا تزال نسب البطالة مرتفعة وتتجاوز 16% عموماً و38% بين أصحاب الشهادات العليا، مقابل تدهور كبير في القدرة الشرائية.
وعلى مستوى حقوق المرأة سجلت منظمات نسوية تراجعاً بعد إلغاء مبدأ التناصف في دستور 2022 وتزايد الملاحقات ضد الناشطات والمدافعات عن الحقوق.