مسيرة المرأة في كردستان... تاريخ من المقاومة والتحرر

8 آذار ليس مجرد يوم للاحتفال، بل هو استعادة لتاريخ مليء بالمنعطفات والنضالات، بدأ من قلب الثورات الصناعية في الغرب، وتحول في ساحات وجبال ومدن كردستان إلى قوة دافعة للتغييرات الاجتماعية.

هيفي صلاح

السليمانية ـ يُعدّ اليوم العالمي للمرأة محطة تاريخية تتجاوز حدود الاحتفال الرمزي، فهو ثمرة نضال طويل خاضته النساء عبر العالم من أجل العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. ومنذ شرارته الأولى في القرن التاسع عشر، تحوّل هذا اليوم إلى مساحة عالمية لرفع الصوت ضد التمييز والعنف، وللمطالبة بحقوقٍ لا تزال الكثير من النساء محرومات منها.

تعود جذور اليوم العالمي للمرأة إلى عام 1857، عندما خرجت العاملات في مصانع الغزل والنسيج في نيويورك إلى الشوارع احتجاجاً على ظروف العمل القاسية وتدني الأجور، وعلى الرغم من أن تلك التظاهرات قوبلت بالعنف، إلا أنها أشعلت شرارةً أدت لاحقاً، في عام 1910، وخلال المؤتمر الدولي للنساء الاشتراكيات في كوبنهاغن، إلى اقتراح كلارا زيتكين اعتماد هذا اليوم كيوم عالمي للمرأة.

في نهاية المطاف، أقرت الأمم المتحدة رسمياً هذا اليوم عام 1977 مناسبةً عالمية للدفاع عن حقوق النساء وتحقيق المساواة الجندرية، ويُحيى سنوياً بشعارات مختلفة لتسليط الضوء على القضايا الراهنة.

في إقليم كردستان، يحمل يوم 8 آذار/مارس بُعداً خاصاً ومتعدد الأوجه؛ فهنا لم تناضل المرأة من أجل الحقوق المدنية فقط، بل كانت أيضاً جزءاً أساسياً من النضال الوطني وحركات التحرر، فقد أدت دوراً بارزاً في الجبال كمقاتلة، وفي المدن كمنظمةٍ للمظاهرات ضد ظلم الأنظمة العراقية المتعاقبة.

وبعد انتفاضة عام 1991 وتأسيس حكومة الإقليم، تحول إحياء هذه المناسبة من مجرد احتفال سنوي إلى جهود قانونية تهدف إلى حظر العنف الأسري ومواجهة الظواهر الاجتماعية المتخلفة.

واليوم في كردستان، لم يعد الثامن من آذار/مارس مجرد استذكار للتاريخ، بل أصبح فرصة لتكريم النساء اللواتي ضحين بأرواحهن في الحرب ضد داعش، وفي بناء مجتمع مدني، والتأكيد على أن حرية المجتمع لا يمكن أن تتحقق دون حرية المرأة.

 

"الثامن من مارس هو ثمرة نضال المرأة"

وقالت ڕازاو كولي محمد عضوة الهيئة الإدارية في شبكة ٨ مارس، ومنسقة فريق المساواة الجندرية في منظمة "ئازادبوون" بإقليم كردستان أن يوم المرأة هو يوم عالمي للمطالبة بالحقوق وتحقيقها "لا أعتقد أن النساء سيحتفلن به يوماً كعيد أو مناسبة، لأنه إذا نظرنا إلى تاريخ الثامن من مارس، سنجد أنه نتاج نضال المرأة، فعلى مدى المئة عام الماضية، شهد الثامن من مارس من كل عام طرح العديد من المطالب على الصعيد العالمي، وفي العلاقات الدولية، وعلى الصعيد المحلي".

وأضافت "إذا تحدثنا عن إقليم كردستان، قبل الانتفاضة تحت ظل نظام البعث، لم تكن النساء واعيات بشكل كافٍ، ولم يكنّ قادرات على العمل على قضية اليوم العالمي للمرأة والمطالبة بحقوقهن، لأننا نعلم كيف كانت تلك المرحلة بالنسبة لكرد إقليم كردستان. ففي ذلك الوقت لم يكن بالإمكان سوى إحياء هذه المناسبة على شكل ذكرى أو احتفال بسيط في الدوائر الرسمية والمدارس".

وأوضحت أنه "بعد الانتفاضة الكردية عام 1991 حدثت نقطة تحوّل في تاريخ المرأة في إقليم كردستان، وخلال الثلاثين سنة الماضية، وبعد تأسيس منظمات نسوية عديدة، وبالتعاون مع بعض المنظمات التي كانت قد تأسست سابقاً، تم التأكيد على أهمية العمل داخل المجتمع ونشر الوعي حول حقوق المرأة وكيفية الدفاع عنها".

ويمكن القول إن السنوات الثلاثين الماضية انقسمت إلى ثلاث مراحل بحسب ڕازاو كولي محمد "المرحلة الأولى كانت المرحلة التي عمل فيها جميع النشطاء والمنظمات والأحزاب على توعية المجتمع والعمل على تعديل القوانين. أما المرحلة الثانية فتمكّن خلالها برلمان كردستان من إصدار مجموعة من القوانين وتشريعها أو تعديلها بما يخدم حقوق المرأة".

أما المرحلة الثالثة فهي الأكثر تعقيداً "بعد عام 2014 ومع ظهور (داعش)، تراجع إقليم كردستان عدة خطوات إلى الوراء من حيث تنفيذ هذه القوانين. لذلك بدأنا مرة أخرى من المرحلة الثانية، أي العودة إلى العمل من جديد على تثبيت القوانين وتفعيلها".

 

"توجهات تريد إبقاء المجتمع في حالة تراجع"

وأوضحت أن العوائق أمام النساء كثيرة "لدينا عوائق سياسية، ولا ينبغي أن ننسى أن الإرادة السياسية مهمة جداً في كل مرحلة، فعندما تكون هناك إرادة سياسية يمكن اتخاذ الخطوات بسرعة أكبر. فعلى سبيل المثال، في مسألة إصدار القوانين، وبسبب وجود الإرادة السياسية تمكّنا من إصدار قانون مناهضة العنف الأسري، وكذلك تعديل قانون الأحوال الشخصية".

لكن التراجع الذي تتحدث عنه يظهر، على سبيل المثال، في عام 2025 "بعد قرن من الزمن، قام مجلس نواب العراق على مستوى العراق بتعليق العمل بـ قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959، والاتجاه إلى العمل وفق المذاهب الدينية، وهذا يعد تراجعاً واضحاً وصريحاً. فهذه إرادة سياسية تعيدنا مئة عام إلى الوراء، وإلى تلك العقلية المتأخرة".

وأكدت أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لها تأثير أيضاً "لقد عملنا على جميع هذه الجوانب معاً، لكن التأثيرات السلبية كانت أكبر من التأثيرات الإيجابية. وكل ذلك أدى إلى تقليل العمل على القوانين. كما أن هناك توجهاً فكرياً محافظاً وذكورياً يرى أن من مصلحته أن يبقى المجتمع دائماً في حالة تراجع ويتجه إلى الوراء، وعندما تواجه كل هذه العوائق فمن الطبيعي أن يصبح العمل أكثر صعوبة وأن تزداد التحديات".

ولفتت إلى دور التربية "التربية هي أساس المجتمع، وقد كان لكل هذه العوائق تأثير كبير على التربية أيضاً. صحيح أنه تم إدخال بعض الموضوعات ضمن المناهج الدراسية في المدارس، لكن في المقابل ما زالت هناك موضوعات أخرى عديدة تحتاج إلى معالجة فالتربية تبدأ من الأسرة أولاً، ثم تنتقل إلى الحي والمجتمع. لذلك يجب أن نبدأ منذ الطفولة، ليتعلم الطفل كيف تؤثر هذه العوائق على حياته. فالطفل قد ينشأ في أسرة تواجه العديد من الصعوبات والمشكلات في حياتها، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية، وعندما يخرج إلى المجتمع يواجه الظروف نفسها".

وبينت أن جزءاً من هذا التراجع يعود إلى التربية أيضاً، إذ إن التربية هي الجزء الأكبر وصاحبة الدور الأهم في تشكيل وعي المجتمع "للتربية تأثير كبير، كما هو الحال في بقية القطاعات، في توجيه المجتمع ودفعه نحو التقدم. وبالطبع فإن موضوع التكنولوجيا له تأثير كبير أيضاً في المجتمع، وله جوانب إيجابية وأخرى سلبية. فإذا استطعنا أن ننظر إلى هذا الموضوع من جانبه الإيجابي، فبلا شك سيكون عوناً كبيراً للناس، ويمكن أن يُستفاد منه في كثير من المجالات في الوقت المناسب".

لكن تقول "ما نراه في مجتمعنا، وما نشاهده في المحاكم، يدل على أن الجانب السلبي للتكنولوجيا قد أثّر في النساء والرجال في مجتمعنا. فقد أثّر في علاقات الأزواج ببعضهم، كما أثّر في علاقة الأبناء والبنات بعائلاتهم لذلك أعتقد أن للتكنولوجيا تأثيراً كبيراً في المجتمع، لكن يمكننا من خلال الإعلام ووسائل التواصل الافتراضي أن نزيد وعي المجتمع ونشجع على استخدام الجانب الإيجابي منها".

واختتمت ڕازاو كولي محمد، عضوة الهيئة الإدارية في شبكة ٨ مارس، حديثها برسالة قالت فيها "فلنجعل جميعاً هذه المناسبات مثل يوم المرأة العالمي وغيرها من الأيام فرصة لنحوّلها إلى رسالة مشتركة بيننا جميعاً، من أجل أن نقود مجتمعنا نحو الأفضل، وأن نعمل على زيادة الوعي فيه، وأن تصبح الإنسانية الرسالة التي تجمعنا جميعاً".