مشاركات في ندوة يطالبن بإعادة إدراج قضايا التونسيات ضمن الأولويات الوطنية

أجمعت المشاركات في الندوة الإقليمية على أن التضامن يشكل المسار الأساسي لحماية نضالات الحراك الحقوقي والنسوي في المنطقة المغاربية والإقليمية، لاسيما في ظل موجة الارتدادات التي شهدها هذا الحراك مع صعود أحزاب يمينية إلى الحكم، تستهدف النساء بصورة مباشرة.

زهور المشرقي

تونس - عقدت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات الأربعاء 12 آب/أغسطس، والتي استمرت يومين ندوةً إقليمية بحضور ناشطات وناشطين من تونس وخارجها، احتفالاً بالذكرى السبعين لصدور مجلة الأحوال الشخصية.

في يومها الثاني ناقشت الندوة الإقليمية التي احتضنتها تونس، حول قوانين الأحوال الشخصية في المنطقة، واقع النساء في سوريا والعراق وفلسطين والسودان ولبنان والمغرب، وركزت المتحدثات على التطورات التي كانت نتاجاً لنضال نسوي مستمر لكنها باتت مهددة بسبب سطوة اليمين أو صعود جهات معادية لحقوق للنساء في الدول المذكورة، إضافة إلى عدم ايلاء قضايا النساء الأولوية تحت شعار "مو وقتها". ودعت المتحدثات إلى أهمية التضامن والتنسيق لاعتبارهما الطريق الأول للدفاع عن حقوق النساء.

واستهلت الناشطة المغربية عاطفة تيمجردين، مداخلتها بعدم الرضى عن مدونة الأسرة التي ترى أنها بحاجة للتعديل بما يناسب واقع المغربيات اليوم، لافتةً إلى أنها لم تعد منسجمة مع الحاضر والواقع الذي باتت فيه النساء متعلمات ومساهمات في الإنتاج الاقتصادي ومشاركات في العمل السياسي، مؤكدةً أن النساء يجب أن يتمتعن بنفس حقوق الرجال دون تمييز أو تفرقة واقصاء.

 

التشاركية والمناصفة أساس نظام الإدارة الذاتية

         


        

بدورها تحدثت نوبهار مصطفى، الناشطة النسوية والسياسية الكردية، عن تجربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (تحديداً في مناطق روج آفا) منذ عام 2011 التي تعتبر نموذجاً فريداً في التنظيم النسوي على مستوى المنطقة، حيث أحدثت هذه التجربة قطعية جذرية مع الهياكل الأبوية والتقليدية السائدة، معتبرةً تحرير المرأة أساس لتحرير المجتمع ككل، "تمأسس هذا التوجه عبر فرض مبدأ المناصفة والإدارة المشتركة في كافة مفاصل الحياة المدنية والسياسية والعسكرية والاقتصادية بحيث لا ترأس أي مؤسسة امرأة وحدها أو رجل وحده، بل يشغل المنصب رئيسان رجل وامرأة بصلاحيات متساوية لضمان القرار التشاركي ومنع التفرد بالسلطة".

​ولفتت إلى أن هذا التمكين السياسي والهيكلي دفع ببناء منظومة حماية مجتمعية وقانونية متكاملة تهدف إلى اجتثاث العنف المبني على النوع الاجتماعي، وتم إنشاء مؤسسات مستقلة مثل "دار المرأة" ومجالس العدالة الخاصة بالنساء لحل النزاعات الأسرية والمجتمعية خارج إطار المحاكم التقليدية المعرقلة، فضلاَ عن تأسيس وحدات حماية المرأة (YPJ) التي لعبت دوراً محورياً في مواجهة التنظيمات المتطرفة، وعلى الصعيد التشريعي أُقر "العقد الاجتماعي" للإدارة الذاتية، والذي نص بوضوح على منع زواج القاصرات وتجريم تعدد الزوجات، ومنح الأم حق الحضانة لأطفالها حتى سن الخامسة عشرة إلى جانب تكريس المساواة التامة في الميراث والمكتسبات الاقتصادية.

وأكدت أنه ​على الرغم من قسوة الظروف المحيطة والتحديات الجيوسياسية المعقدة مثل التهديدات الأمنية المستمرة، والحصار الاقتصادي المفروض، ورفض الأطراف المركزية في دمشق وباقي المعارضة لهذا النموذج، إلا أن التجربة أثبتت استدامة نسبية بفضل اعتمادها على الاقتصاد التشاركي والتعاونيات الزراعية النسائية، حيث استطاعت المرأة الكردية (إلى جانب شريكاتها من مكونات المنطقة العربية والسريانية والاشورية وغيرها) تحويل الأزمة السورية إلى فرصة لإعادة هندسة العقد الاجتماعي، لتتحول التجربة من مجرد استجابة طارئة لفراغ السلطة إلى مرجعية تنظيمية تلفت أنظار الحركات النسوية والحقوقية الدولية.

 

الحركة النسوية ومسار المساواة

وفي مداخلة لها عبر الزوم قالت ديلان كونت آيان، نائبة عن حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Parti) في أورفا، وناشطة في حركة حرية المرأة (TJA)، إنها كانت تتمنى المشاركة حضورياً، إلا أن التزاماتها كعضوة في لجنة العدل بالبرلمان التركي حالت دون ذلك، بالتزامن مع مناقشة"قانون الإطار" ضمن مسار السلام والمجتمع الديمقراطي في تركيا.

وتناولت في مداخلتها دور الحركات النسوية في تطوير حقوق المرأة والأسرة في تركيا، مشيرة إلى أن تأسيس الجمهورية عام 1923 أرسى بعض المبادئ المتعلقة بالمساواة بين النساء والرجال، وحظر تعدد الزوجات، ودعم تعليم الفتيات وحق المرأة في العمل، إلا أن هذه الخطوات، بحسب رأيها، لم تُنهِ أدوار النوع الاجتماعي أو مظاهر عدم المساواة داخل الأسرة والمجتمع.

وأشارت إلى أن تركيا، رغم تعدد هوياتها، تبنت على مدى عقود نهجاً ركز على الهوية التركية والسنية، معتبرة أن ذلك انعكس على حقوق الكرد والأرمن والسريان والعرب والعلويين، ولا سيما النساء المنتميات إلى هذه المكونات. وأضافت أن قضية الحقوق اللغوية، بما فيها حق استخدام اللغة الأم، لا تزال موضع إشكال حتى اليوم.

وفي حديثها عن الأسرة، قالت إن نموذج "الأسرة الحديثة" رسخ صورة للمرأة باعتبارها المسؤولة بصورة أساسية عن الإنجاب ورعاية الأسرة والأعمال المنزلية، حتى عندما تكون عاملة، مؤكدة أن الحركات النسوية المستقلة لعبت دوراً محورياً في مواجهة هذه الأدوار والدفع باتجاه إصلاحات قانونية واجتماعية.

كما استعرضت أبرز المحطات التشريعية المرتبطة بحقوق المرأة، بينها الحملات ضد فحوص العذرية والعنف المنزلي، وقانون حماية الأسرة لعام 1998، وإصلاحات قانون العقوبات عام 2004 التي شملت أكثر من 30 مادة، واعتبرت الاغتصاب الزوجي جريمة وألغت بعض أشكال تخفيف العقوبة في ما يسمى بجرائم الشرف.

وتوقفت عند القانون رقم 6284 بشأن حماية الأسرة ومنع العنف ضد المرأة الذي دخل حيز التنفيذ عام 2012، معتبرة أنه من القوانين المهمة، لكنها أشارت إلى وجود مشكلات في تطبيقه. كما انتقدت انسحاب تركيا من اتفاقية إسطنبول عام 2020، معتبرة أن ذلك تزامن مع تضييق المنظور المتعلق بحقوق المرأة وتصاعد العنف وجرائم قتل النساء.

وفي محور آخر، تحدثت عن التمثيل السياسي للنساء، مشيرة إلى أن المرأة التركية حصلت على حق الانتخاب والترشح في الانتخابات المحلية عام 1930 والعامة عام 1934، وأن 17 امرأة دخلن البرلمان في انتخابات 1935، إلا أن نسبة التمثيل النسائي بقيت منخفضة لعقود.

وقالت إن نسبة النساء في البرلمان ارتفعت تدريجياً من 9.1% عام 2007 إلى 14.3% عام 2011، ثم 17.6% في انتخابات حزيران/يونيو 2015، قبل أن تصل إلى 21.1% في الدورة البرلمانية الثامنة والعشرين، معتبرة أن حزب DEM أسهم في رفع هذه النسبة من خلال إصراره على مبدأ التمثيل المتساوي.

وفي ختام مداخلتها، أكدت ديلان كونت آيان، نائبة عن حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، أن النساء في تركيا يواصلن نضالهن من أجل حقوقهن وهوياتهن ولغاتهن والعيش على قدم المساواة، مشددة على أهمية بناء نضال نسوي مشترك يضم النساء الكرديات والعربيات والأرمنيات والعلويات وسائر المكونات، ومعتبرة أن التعاون بين نساء المنطقة والعالم يمثل الطريق نحو تحقيق الحرية والمساواة.

 

الفلسطينيات بحاجة إلى قوانين عادلة

من جانبها قالت الناشطة والحقوقية عفاف غطاشة إن "هناك حالة فريدة ومختلفة في فلسطين ربما عن المنطقة العربية والمغاربية، حيث أن الشعب الفلسطيني شعب يقاوم تحت الاحتلال ويعاني من إجراءاته الفاشية سواءً في غزة أو الضفة أو القدس وما إلى ذلك، ومن يتحمل العبء الأكبر من هذه الإجراءات هن النساء والعائلات".

وأكدت أن ما يحتاجه الشعب الفلسطيني، لا يتعارض مع النضال الوطني بل يعززه، هو منظومة قوانين عادلة ومنصفة للنساء، وفي مقدمتها قوانين الأحوال الشخصية وقانون حماية الأسرة من العنف، في ظل استمرار مظاهر العنف داخل المجتمع الفلسطيني، مشددةً على ضرورة وجود إجراءات رادعة بحق المعنفين.

وأشارت إلى أنه لا يمكن تمكين النساء وبناء شخصيات قوية قادرة على خوض النضال الوطني والسياسي من دون إطار قانوني منصف يحميهن من مختلف الظروف والتفاصيل التي يواجهنها، بما في ذلك قضايا الحضانة والطلاق والنفقة والولاية وغيرها، مؤكدةً على ضرورة أن تدرك الجهات الرسمية، إدراكاً تاماً، أن المرأة الفلسطينية التي تناضل منذ قرن من الزمن وتحتاج إلى منظومة قوانين عادلة ومنصفة تعزز حضورها  وقدرتها على الاستمرار في نضالها الوطني "هناك مشاريع قوانين لها سنوات وكانت نتيجة حراك مجتمعي ومجتمع مدني ومؤسسات وأحزاب ومع ذلك وُضعت في الأدراج ولم يتم إقرارها في الفترة الأخيرة".

​واستدركت قائلة إنه حتى تكون موضوعية ومنصفة، فهناك محاولة من وزارة المرأة لإعادة نقاش هذه المسودة ولإعادة وضعها على طاولة المشرع الفلسطيني حتى يتم اعتمادها، لافتةً إلى أنه كان هناك حراك قبل أشهر حيث قامت جمعية حماية النساء العاملات من العنف والتحرش في عالم العمل بتقديم مذكرة وتقديم تعديلات، مثلها مثل كثير من المؤسسات النسوية الأخرى سواءً في الضفة أو بغزة. ​وأعربت عن أملها في أن تأخذ الوزارة هذه التعديلات بعين الاعتبار.

​وأضافت أن هذه الندوة، التي دعت لها الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات في تونس، تكتسب أهمية بالغة وكبيرة، وتأتي هذه الأهمية من وجود تجارب متعددة ومختلفة على جميع الأصعدة سواءً من تجربة تونس الغنية والمتقدمة والتي "نحتفي بها دائماً ونتعلم منها ونحاول أن نأخذ ما يمكن تطبيقه في تجربتنا الفلسطينية، فضلاً عن تجارب النساء اللبنانيات والعراقيات والسوريات والمغربيات".

​وبينت أنه في المنطقة العربية والمغاربية تحتاج النساء إلى أن تعززن أدوارهن في الشبكات الموجودة المختلفة وعلى سبيل المثال "تحالف ندى"، داعيةً النساء للانضمام إلى تحالف ندى الذي يضم مختلف المشارب ومختلف النساء من جميع المنطقة. ​واختتمت حديثها بدعوة النساء للانضمام إلى هذه الشبكات "انضموا لهذه القمم حتى نعمل ونتقاسم معاً تجاربنا ونناضل وندعم بعض البعض".

 

لا أحد يسمع السودانيات

وبدورها أفادت الصحفية والناشطة عن مبادرة "لا لقهر النساء"، نجلاء نورين بأن الحرب دائماً ما تقع أضرارها الكبرى والأولى على النساء، وهن من يدفعن الثمن الأثقل، إذ إن الحروب تُقاد وتُمارس غالباً على أجسادهن "إذا ما نظرنا إلى ما تشهده نساء السودان، فإننا نرى مأساة غير مسبوقة تم اغتصابهن وقتلهن وتشريدهن، وتهجيرهن ونزوحهن داخل السودان من قبل طرفي النزاع، بل وتعدى الأمر ذلك ليتعرضن للاغتصاب وهن هاربات عبر شبكات الاتجار بالبشر وقاطعي الحدود، وصولاً إلى تعرضهن للاغتصاب داخل معسكرات اللجوء والنزوح التي لجأن إليها بحثاً عن الأمان، وحتى من قبل مقدمي الخدمة أنفسهم مثل منظمة 'أطباء بلا حدود' تم تسجيل 55 حالة لسودانيات تعرضن للاغتصاب في أحد المعسكرات بدولة تشاد ".

​وقالت إنه على الرغم من هذه الفاجعة، فإن العالم وللأسف يوصد أبوابه تماماً في وجوه السودانيات والسودانيين، مشيرةً إلى أن "النساء في السودان يعشن وضعاً إنسانياً بالغ القسوة، في ظل غياب الاهتمام الدولي بمعاناة الإنسان السوداني وبكارثة الحرب الدائرة هناك ".

وشددت على أن تحقيق السلام بات ضرورة حتمية تُمكن الجميع من العيش بأمان، وتتيح الوصول إلى مكتسبات نسوية وحقوقية حقيقية؛ إذ ترى أنه من المستحيل إحراز أي تقدم في هذا المجال أو تعديل قوانين الأحوال الشخصية في ظل واقع الحرب، موضحةً أنه مادام السلام غائب والأمان منعدم فلن تتمكن النساء من التقدم خطوة واحدة إلى الأمام.

واختتمت بالتعبير عن أملها في أن تدرك القيادة السودانية، ولا سيما المؤسسة العسكرية، جوهر الأزمة وأسبابها الحقيقية، وأن تُعالج مشكلات السودان معالجة جذرية تقوم على تسليم السلطة إلى المدنيين، بما يتيح للسودانيات تحقيق مكتسبات مماثلة لما حققته نساء تونس من إنجازات مشرفة.