مشاركات في كونفرانس نسائي بأنقرة: يجب إكساب السلام طابعاً مجتمعياً

شددت المشاركات في الكونفرانس الذي عُقد بالعاصمة أنقرة، إلى ضرورة إكساب السلام الدائم طابعاً مجتمعياً، وضمان المواطنة المتساوية، وأكدن على أهمية أن تكون المرأة فاعلاً أساسياً في عمليات صنع القرار.

أنقرة ـ بهدف بناء السلام الدائم وتعزيز النضال المشترك، عُقد اليوم السبت 31 تشرين الأول/أكتوبر، في غرف مهندسي الإنشاءات (TMMOB) مؤتمر "النساء جنباً إلى جنب لمناقشة المستقبل".

ألقت الكلمة الافتتاحية للكونفرانس الفنانتان فريال أوني (باللغة التركية) وروجيش فيليز (باللغة الكردية). وأشارت المتحدثات في الكلمات التي أُلقيت إلى أن الحقوق المكتسبة للمرأة تتعرض للهجوم في تركيا والعالم على حد سواء، مؤكدات أن هناك فرصة تاريخية قد تشكلت من أجل الحل الديمقراطي للقضية الكردية وتحقيق السلام. كما شددن على قيم العدالة والمساواة وضرورة أن تكون المرأة فاعلاً أساسياً في هذه المرحلة، وأن تتصدر الصفوف الأمامية بإرادتها في عملية صنع القرار.

انطلقت الجلسة الأولى من الكونفرانس تحت عنوان "الحرية، الديمقراطية، العدالة والمواطنة المتساوية"، وأدارتها الصحفية جانسو تشامليبل، بمشاركة كل من عضوة مبادرة "أنا بحاجة إلى السلام" فريدة إرالب، وأستاذة العلوم السياسية فسون أوستل، والسياسية الكردية غولتان كيشاناك، والكاتبة هدايت شفقلي توكسال، والسياسية زينب ألتيوك أكاتلي.

 

"طرح الأسئلة جزء لا يتجزأ من النضال"

ولفتت مديرة الجلسة، جانسو تشامليبل، إلى أن المرحلة الحالية تتقلص فيها المساحات العامة، ويصبح فيها حتى تركيب جملة بسيطة أو طرح سؤال أمراً صعباً "لقد أصبحت الكلمة في حد ذاتها هي النضال عينه. وطرح الأسئلة هو جزء لا يتجزأ من هذا النضال".

وأوضحت أن السؤال الأساسي للنقاش يكمن في كيفية ضمان السلام الدائم والمواطنة المتساوية في فترة تتقلص فيها الحقوق الديمقراطية، مشيرة إلى أهمية مناقشة ما تعنيه المواطنة المتساوية وماهية المحتوى الذي يجب أن تكتسبه، في بيئة تحدد فيها السلطة من يملك أي حقوق.

بدورها أشارت الأكاديمية فسون أوستيل، إلى التقرير الذي قدمه حزب المساواة وديمقراطية الشعوب إلى اللجنة البرلمانية. وذكرت أن الترتيبات المتعلقة بهيكلية العدالة الانتقالية لها أبعاد مختلفة، بعضها يتطلب تعديلاً دستورياً وبعضها الآخر لا يتطلب ذلك، مؤكدة أنه لا يمكن تناول نقاش المواطنة المتساوية من خلال الوضع القانوني فحسب.

 

"مطالبة المواطنة المتساوية ليست كافية من منظور النساء"

وأكدت فسون أوستيل على ضرورة مناقشة مدى شمول مفهوم المواطنة المتساوية للنساء بشكل منفصل، مشيرة إلى وجود معايير ذكورية تقف خلف المفهوم الحالي للمواطنة. وأوضحت أن حقوق المواطنة للنساء قد جرى تقييدها تاريخياً، معتبرة أن المطالبة بالمواطنة المتساوية لا تكفي للمرأة في ظل ظروف يُفرض فيها نظام الجنس الثنائي وتُحول فيها معايير الأسرة إلى جزء من نظام الدولة.

وأشارت إلى ضرورة مناقشة الإمكانيات المختلفة للمواطنة، مقترحة ثلاثة عناوين رئيسية هي المواطنة المتمايزة، المواطنة الترميمية، المواطنة القائمة على الجندر "المواطنة المتمايزة تعني تحقيق المساواة الفعلية من خلال مراعاة القانون والبنى الاجتماعية للاختلافات. أما المواطنة الترميمية، فتهدف إلى مواجهة المظالم والتمييز وعدم المساواة التي حدثت في الماضي عبر تفاوض ديمقراطي، وإصلاح ممارسات الإقصاء. بينما تمثل المواطنة القائمة على الجندر مفهوماً يضع مطالب النساء وما تتعرضن له من تمييز في المركز".

وأكدت فسون أوستيل على ضرورة انعكاس هذه النقاشات على سياسات الميزانية أيضاً، مشيرة إلى الأهمية التي يولونها للدراسة التي أعدها مجلس المرأة في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب تحت عنوان "ميزانية المساواة والحرية والسلام"، وشددت على وجوب جعل احتياجات ومطالب النساء مرئية في سياسات الميزانية.

 

"لا سلام دون تحقيق العدالة للنساء"

وأشارت فريدة أرالب إلى أن العنف الذكوري ضد النساء مستمر بسبب سياسات الإفلات من العقاب "يفلتون من العقاب لأنهم جنود، أو رجال شرطة، أو بيروقراطيون، أو أبناء محافظين، ولأن ظهورهم مسنودة بقوة. كيف يمكن للسلام أن يكون ممكناً دون تحقيق العدالة لجميع النساء؟ الحرب مستمرة في الحياة اليومية على شكل عنف ذكوري يستهدف أجسادهن وحيواتهن". وشددت على أنه لا يمكن تناول نقاش المواطنة المتساوية بمعزل عن السياسات الأسرية.

من جانبها لفتت زينب ألتيوك أكاتلي إلى أن السلام ليس مجرد هدف سياسي فحسب، بل هو أيضاً مسألة ثقافة ولغة، معتبرة أن ثقافة السلام يتم تذويبها داخل ثقافة العنف، وشددت على أنه من أجل بناء السلام يجب على المجتمعات أن يتعرف بعضها على بعض.

وأشارت إلى إطلاق سراح جناة مجزرة سيواس وسياسة الإفلات من العقاب في الجرائم ضد الإنسانية، مؤكدة على أنه لا يمكن بناء سلام دائم دون مواجهة آلام الماضي ومناقشة الممارسات التي تتناقض مع خطاب السلام.

 

بناء مستقبل مشترك

وأشارت كُلتان كيشاناك إلى أن الحرية مساحة يبنيها الشخص بإرادته وليس بانتظار إذن من الآخرين، موضحة أن الديمقراطية لا تقتصر على التمثيل والانتخابات فحسب، بل يمكن بناؤها من خلال الإنصات للاحتياجات اليومية للنساء وضمان مشاركتهن في عمليات صنع القرار.

وشددت على أن المواطنة المتساوية لا يمكن ضمانها عبر القوانين فقط، مشيرة إلى أن الهويات المختلفة يمكنها التلاقي على أرضية نضال مشترك، مؤكدة إمكانية بناء مستقبل مشترك عبر التعددية.

وذكرت أنه يتعين على الشباب تحمل مسؤولية المستقبل وإطلاق العنان لديناميكياتهم الخاصة، مؤكدة أن النضال هو استمرارية تتواصل عبر الأجيال، وأشارت إلى وجوب خروج الجميع إلى المساحة العامة بأولوياتهم الخاصة، إلى جانب التلاقي حول القضايا المشتركة.

ولفتت إلى أن عدم الاعتراف بالهوية واللغة الكردية في تركيا يغذي الصراع، مستشهدة بتجربة جنوب إفريقيا كمثال على إمكانية الاعتراف باللغات المختلفة. واختتمت بالقول إن السلام يمكن بناؤه عبر الإجماع المجتمعي.

 

"فقدنا حماسنا تجاه عملية السلام"

وأشارت الكاتبة هدايت شفقتلي توكسال إلى خيبات الأمل التي خلفتها مسارات الحل السابقة وحالة عدم الثقة التي تطورت لدى المجتمع، لافتة إلى أنه قد جرى تأجيج العداء طوال تلك المراحل، وأكدت أنه حتى لو اقتنعت السلطة بالسلام، فإن إقناع الناس بات أمراً صعباً بسبب حالة العداء التي تشكلت داخل المجتمع.

وأوضحت أنه يجب تطوير أساليب مختلفة من أجل إكساب السلام طابعاً مجتمعياً، مشددة على ضرورة تحمل الجميع للمسؤولية تماشياً مع إمكانياتهم وأولوياتهم الخاصة.

كما نقلت ما حدث في لقاء نظموه في آمد بمشاركة نساء لديهن آراء سياسية مختلفة؛ حيث سردت كيف شاركت الحاضرات آلامهن وقصص التهميش التي تعرضن لها، موضحة أن هذه التجربة المشتركة فتحت مساحة مهمة لفهم بعضهن بعضاً.

وأكدت أن السلام لا يمكن الدفاع عنه بالكلمات فقط، بل يجب اتخاذ خطوات ملموسة في الحياة اليومية، مستشهدة بتجربتها الخاصة "للاحتجاج على قضية اللغة في تركيا، يتوجب تعلم اللغة الكردية. لقد اشتريت الكتب في ماردين وذهبت إلى الدروس. يتعين علينا القيام بشيء ما".

وفي ختام الجلسة التي نُظمت على جولتين، فُتح المجال أمام مداخلات المشاركين وأسئلتهم.