من الجوع في كرج إلى المرض في كنبد كاووس... قصة تآكل الكرامة الإنسانية
أفادت تقارير من سجن كرج المركزي وسجن كنبد كاووس بزيادة الضغط على السجناء، وتدهور حاد في جودة الطعام، والحرمان من العلاج، وانتشار الأمراض وقمع الاحتجاجات، وهو وضع زاد من المخاوف بشأن صحة وحقوق السجناء في إيران.
مركز الأخبار ـ تشهد السجون الإيرانية تصاعداً في انتهاكات حقوق الإنسان، حيث تتكرر تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة وحرمان المعتقلين من الرعاية الطبية، إضافة إلى الاكتظاظ وغياب الرقابة المستقلة، ما يفاقم تدهور الأوضاع الإنسانية.
كشفت التقارير الواردة من سجن كرج المركزي وسجن كنبد كاووس صورةً مُقلقةً لأوضاع السجناء في إيران؛ بدءاً من تشديد القيود، والتدهور الحاد في جودة الطعام، وقمع احتجاجات السجناء في كرج، وصولاً إلى الحرمان من الرعاية الطبية، وانتشار الأمراض الجلدية وتزايد الضغط على السجناء السياسيين في كنبد كاووس، وتأتي هذه التقارير في وقتٍ لا يزال فيه مئات المعتقلين من الاحتجاجات التي عمت البلاد محتجزين في ظروفٍ غير ملائمة وفي ظل غموضٍ قانوني.
سجن كرج المركزي
تشير التقارير الواردة من سجن كرج المركزي إلى تدهور أوضاع السجناء بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، ويشكو السجناء من انخفاض فرص الحصول على الرعاية الصحية، ومحدودية الخدمات، ونقص في المواد الأساسية، وتدهور حاد في جودة الطعام، وهي ظروف يقولون إنها جعلت الحياة اليومية في السجن تحدياً مستمراً.
وأفادت مصادر مطلعة إلى أن العديد من الخدمات التي كانت متاحة سابقاً للسجناء تواجه الآن قيوداً واسعة النطاق، فقد انخفض الوصول إلى الماء الساخن، وخدمات الدعم، والمرافق الصحية، وحتى المتاجر داخل السجون، حيث أُغلقت بعض المتاجر جزئياً، ونتيجة لذلك يواجه العديد من السجناء صعوبات بالغة في تلبية احتياجاتهم الأساسية.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن هذه القيود لا تقتصر على مجرد تقليل مرافق الرعاية الاجتماعية، بل أصبحت في الواقع أداة لممارسة ضغط أكبر على السجناء، وهو ضغط تتضح آثاره على الصحة البدنية والعقلية للسجناء يوماً بعد يوم.
طعام السجون
ويُعد نوع وكمية الطعام المُقدّم في سجن كرج المركزي من أبرز أسباب احتجاج السجناء، حيث يقولون إنّ الطعام المُقدم ليس فقط رديء الجودة، بل إن كميته في كثير من الأحيان لا تكفي حتى لتلبية الاحتياجات الأساسية.
نظراً لعدم قدرة نسبة كبيرة من السجناء على شراء الطعام من متجر السجن، اضطر الكثيرون إلى تجميع أموالهم، ووفقاً للتقارير لا يستطيع أحياناً ما بين 10 إلى 12 سجيناً، بمساهماتهم المالية، شراء سوى دجاجة واحدة أو كمية محدودة من الطعام، يتقاسمونها فيما بينهم.
كما أن توقيت توزيع وجبات العشاء، الذي يتم حوالي الساعة السادسة مساءً، يحرم العديد من السجناء من الحصول على طعام كافٍ حتى صباح اليوم التالي، وقد أعربت بعض العائلات أيضاً عن قلقها إزاء فقدان الوزن والضعف الجسدي الذي يعاني منه ذووهم في السجن.
احتجاج السجناء
وأدى تزايد الضغط والاستياء إلى قيام مجموعة من السجناء بالاحتجاج، مطالبين بتحسين أوضاع الغذاء والخدمات الطبية ومرافق الرعاية الاجتماعية وظروف الاحتجاز، لكن مصادر مطلعة أفادت بأن هذه الاحتجاجات قوبلت برد فعل عنيف من قبل إدارة السجن.
وبحسب التقارير، اقتحم حراس السجن عنابر المحتجين واعتدوا بالضرب على عدد من السجناء، ووصف شهود عيان هذه الاشتباكات بالعنيفة، ويعتقدون أن الهدف الرئيسي من هذا الإجراء كان منع الاحتجاجات من الانتشار إلى عنابر أخرى. وبحسب العائلات، فقد دعا السجناء وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان إلى عكس الوضع الحالي من خلال اتصالاتهم المحدودة حتى يتم لفت انتباه الرأي العام إلى ظروف السجن، لا يزال مئات المتظاهرين الذين تم اعتقالهم في احتجاجات على مستوى البلاد رهن الاعتقال.
في الوقت نفسه، يُحتجز مئات الأشخاص الذين اعتُقلوا خلال الاحتجاجات التي عمّت البلاد في سجن كرج المركزي، وتشير تقديرات مصادر مطلعة إلى أن عدد هؤلاء الأشخاص يتراوح بين 600 و700 شخص.
وتشير التقارير إلى أن ما بين 400 و500 محتجز في الجناح رقم 2، بالإضافة إلى 200 آخرين في إحدى زنزانات السجن، ورغم إطلاق سراح بعضهم بكفالة، إلا أن عمليات التوقيف الجديدة واستبدال المحتجزين أبقت عدد المحتجزين مرتفعاً. كما أفادت بعض المصادر بأن الأجهزة الأمنية تقوم بفحص الهواتف المحمولة للأشخاص الذين تم اعتقالهم، وهي عملية يقولون إنها مهدت الطريق لتحديد هوية واعتقال المزيد من الأشخاص.
نزوح واسع النطاق
في الأشهر الأخيرة، وردت تقارير عن نقل مئات السجناء فجأة بين زنازين مختلفة، وبحسب هذه التقارير نُقل نحو 500 سجين إلى أقسام أخرى دون تفسير واضح، كما تم نقل عدد من المعتقلين المحتجين من القاعة 16 إلى القاعة 2 وتقول مصادر السجن إن عمليات النقل هذه تمت بهدف الحد من الاتصال بين المعتقلين والسجناء السياسيين، وهي قضية أثارت المزيد من المخاوف بشأن سياسات الرقابة في السجن.
سجن كنبد كاووس
وبينما تستمر التقارير الواردة من سجن كرج المركزي، سلطت معلومات جديدة من سجن غونبادـ كافوس الضوء أيضاً على مخاوف جدية بشأن وضع السجناء السياسيين.
أفادت التقارير أن سجيناً سياسياً محتجزاً في هذا السجن أصيب بالجرب بعد نقله إلى الحجر الصحي، وتشير مصادر مطلعة إلى أن سوء الأوضاع الصحية، واكتظاظ السجناء، ونقص المرافق الكافية، كلها عوامل ساهمت في انتشار الأمراض الجلدية والمعدية في هذا الجزء من السجن.
ويُقال إن شدة المرض قد بلغت مستوى لا يستطيع فيه السجين النوم في ليالٍ عديدة، ويعاني من حكة شديدة وألم وانزعاج مستمر، ومع ذلك لم تكتفِ إدارة السجن بعدم توفير الرعاية الطبية اللازمة له، بل منعت أيضاَ وصول الأدوية التي أحضرتها عائلته.
حجر صحي أصبح بؤرة أزمة صحية
وقد نُشرت تقارير عديدة حول ظروف الحجر الصحي في سجن كنبد كاووس، تشير إلى وجود بق الفراش والحشرات والنقص الحاد في مستلزمات النظافة وكثافة عالية للسجناء. تفيد مصادر حقوق الإنسان بأن بعض صلاحيات إدارة الحجر الصحي قد مُنحت لسجناء مقربين من إدارة السجن، والذين اعتدوا جسدياً في مناسبات عديدة على سجناء محتجين، وقد تسبب هذا الوضع في تعرض السجناء السياسيين لتهديدات مستمرة لصحتهم وأمنهم، فضلاً عن حرمانهم من حريتهم .
أسئلة قانونية حول معاملة السجناء
وتثير التقارير الواردة من كلا السجنين تساؤلات جدية حول مدى التزام الجمهورية الإسلامية بالقوانين المحلية والتزاماتها في مجال حقوق الإنسان، فبحسب المادة 39 من الدستور، يُحظر أي شكل من أشكال تدنيس حرمة السجناء أو معاملتهم معاملة مهينة. كما تلزم لوائح منظمة السجون المسؤولين بتوفير الغذاء الكافي والخدمات الطبية والمرافق الصحية، وحماية صحة السجناء.
الكرامة الإنسانية خلف جدران السجن
ومن منظور حقوق الإنسان، يتعارض الوضع المُبلغ عنه في سجني كرج وكنبد كاووس مع المبادئ المعترف بها دولياً بشأن معاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم، فالحق في الغذاء والرعاية الطبية والظروف الصحية الملائمة وصون الكرامة الإنسانية من بين الحقوق الأساسية التي تم التأكيد عليها في الوثائق الدولية، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وقواعد مانديلا.
تُظهر سلسلة من التقارير الحديثة أن سجن كراج المركزي وسجن كنبد كاووس لا يواجهان فقط مشكلة الاكتظاظ أو احتجاز السجناء السياسيين؛ بل إن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو الروايات المتزايدة التي تشير إلى تراجع مستويات المعيشة، ومحدودية الوصول إلى الرعاية الطبية، وقمع الاحتجاجات، وزيادة الضغط على السجناء؛ وهي ظروف أثارت مخاوف بشأن صحة وأمن وكرامة السجناء أكثر من أي وقت مضى.