من العدالة إلى القمع... السجن أداة للحكم السلطوي في إيران ـ 1ـ

الأحكام القضائية في إيران، وعلى رأسها السجن، فقدت وظيفتها كأداة لتحقيق العدالة، بل تحوّلت إلى أداة سلطوية لإدارة المجتمع عبر الاعتقالات، الأحكام الطويلة والإعدامات العلنية، بهدف ترسيخ الخوف وكبح الاحتجاجات.

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ في إيران، لم تعد السياسة تُمارَس داخل المؤسسات الرسمية، بل وجدت فضاءها في الشارع، فالنظام الحاكم الذي كان يفترض أن يتيح تداول السلطة والمشاركة العامة وتحقيق العدالة، تحوّل إلى العائق الأكبر أمام هذه القيم، وفي ظل غياب مؤسسات مسؤولة، لم يبقَ أمام المواطنين سوى استعادة الفضاء العام، لكن السلطة اختارت لغة السجن والقمع، لتنشأ مواجهة مستمرة ومرهقة بين الشارع وأجهزة القمع.

الشارع هو ردّ على تغييب السياسة، والاحتجاج هو صرخة في وجه انسداد القانون، فيما يصبح السجن رمزاً لغياب العدالة لا وسيلة لتحقيقها، في هذا السياق، يُعامل كل معترض محتمل كمجرم مسبقاً، ويتحوّل القضاء من كونه حكماً إلى أداة عقابية بيد السلطة، وهكذا، لم يعد السجن نهاية مسار الاحتجاج، بل بداية لتشكيل ذاكرة جماعية تتعمق مع كل موجة قمع، وترفع منسوب المقاومة، ومع الاحتجاجات التي انطلقت في إيران نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025، يتجلى هذا الصراع الجوهري حول الشرعية التي يعيد الشارع تعريفها كل يوم، فيما يسعى السجن إلى إنكارها كل ليلة.

 

السجن أداة مركزية في منظومة الحكم

لم يعد السجن في إيران، مجرد حكم قضائي لمعاقبة الأفراد؛ بل تحول إلى أداة مركزية في منظومة الحكم، تقنية محكمة للسيطرة على المجتمع، وضبط السلوك الجماعي، وإعادة إنتاج النظام الاستبدادي، هذا الدور يتجلى في الاعتقالات الوقائية، الأحكام الطويلة، الإعدامات الكثيرة، والقمع المنهجي للنشاط الاجتماعي، بحيث أصبح السجن فضاءً سياسياً بامتياز، يُجسّد غياب الحرية ويكرس حضور السلطة.

لقد غدا السجن في إيران أكثر من مكان للعقاب الفردي؛ إنه البنية التي تُعرّف السياسة ذاتها، حيث تُمارَس السلطة عبر إنكار الحقوق، ويُعاد إنتاج الشرعية عبر الخوف والقمع، حتى بات "فضاء السجن" هو المرآة الأوضح لجوهر السياسة في البلاد.

أما في المجتمعات الديمقراطية، يُنظر إلى السجن باعتباره الأداة الأخيرة للعدالة الجنائية، ولا يُستخدم إلا في حالات واضحة لانتهاك القانون أو تهديد المجتمع، مع ضمان رقابة قضائية مستقلة وإمكانية الاعتراض والإصلاح، على عكس إيران، فقد أصبح الاعتقال الوقائي ممارسة روتينية ضد الناشطين المدنيين والسياسيين والطلاب والنساء المحتجات، من دون أي ضمانة لمحاكمة عادلة.

الأحكام الطويلة في القضايا السياسية لا تُبنى على أدلة قانونية متوافقة مع المعايير الدولية، بل على أساس "تهديد مفترض للنظام"، كما تحوّل الإعدام إلى وسيلة لترهيب المجتمع، حتى أن حملات مثل "الثلاثاء لا للإعدام"، التي بلغت أسبوعها المئة، انطلقت من داخل السجون نفسها.

هذا الواقع يكشف أن السجن في بنية النظام الإيراني لم يعد مؤسسة قضائية لتنفيذ العدالة، بل أصبح أداة سلطوية لإدارة المجتمع، وإقصاء القوى السياسية الفاعلة، والسيطرة على المجال العام عبر القمع والخوف.

كما أن الاعتقال لا يتم غالباً بعد ارتكاب جريمة، بل قبل حدوث أي فعل اجتماعي محتمل، فالغرض منه ليس مواجهة خرق القانون، بل منع الاحتجاج والتجمع والتعبير عن الرأي، الاعتقالات الليلية، مداهمة مساكن الطلاب، الاستدعاء إلى محاكم الثورة، والحرمان من حق الدفاع، كلها شواهد على أن السجن يستخدم لترهيب الأفراد والمجتمع، وقطع الروابط بين الناشطين، وتقويض القدرة على التنظيم السياسي.

لم يعد السجن مجرد عقوبة على فعل مخالف، بل تحول إلى أداة للسيطرة على إمكانية الفعل السياسي ذاته، حيث يُستهدف الحق في المشاركة قبل أن يُمارَس، ويُقمع الصوت قبل أن يسمع.

 

الإعدام والأحكام الطويلة لغة غير مباشرة للقمع

الأخطر من الاعتقالات الوقائية في إيران إصدار أحكام طويلة وتنفيذ إعدامات واسعة في القضايا السياسية، هذه الأحكام لا تستند إلى تقاليد قضائية عادلة، بل تُبنى على اتهامات فضفاضة مثل "العمل ضد الأمن القومي"، وعلى محاكمات سريعة وغير شفافة، مع حرمان المتهمين من حق الدفاع عبر محامٍ مستقل، الهدف من هذه السياسة العقابية المستمرة يتجاوز معاقبة الأفراد، ليصبح تقليص مساحة الاحتجاج، إسكات المجتمع، وترسيخ ثقافة الخوف.

في هذا السياق، لم يعد الإعدام مجرد وسيلة "ردع قانوني"، بل تحوّل إلى أداة لإظهار قوة النظام، حيث تقدمه وسائل الإعلام الرسمية كوسيلة لإضفاء الشرعية على السلطة في مواجهة الاحتجاجات، لا كموضوع قابل للنقد أو المراجعة المستقلة.

في التجربة الإيرانية تتجلى فجوة عميقة بين الدور المعلن للسجن في القانون وما يُسمّى بـ "الحكم"، وبين وظيفته الفعلية على أرض الواقع. فبينما يُقدَّم السجن في النصوص القانونية كأداة لتنفيذ العدالة، تحوّل عملياً إلى وسيلة للسيطرة على النظام الاجتماعي والسياسي، وإبطال الفعل الجماعي، وفرض أثمان شخصية وجماعية على المحتجين، وتحويل الاحتجاج ذاته إلى صورة من صور "الجريمة". بهذا المعنى، لم يعد السجن مجرد مؤسسة عقابية، بل أصبح تقنية لإدارة المجال السياسي وإقصائه، تُستخدم قبل وقوع الفعل الاجتماعي وبعده لترسيخ آثار الانكماش الاجتماعي.

وحين يُرسَّخ السجن كأداة للحكم، تتجاوز نتائجه حدود الفرد المعتقل، إذ تنهار الثقة العامة بالقانون والعدالة، ويتحوّل الفضاء العام إلى بيئة طاردة للفعل السياسي، وينقطع الرابط بين احتجاجات الشارع وإمكانية التغيير المؤسسي، ويُمحى الأمل الجماعي في الإصلاح من داخل البنية القائمة، والنتيجة أن المجتمع يفقد ثقته بالسلطة الرسمية، فيما يتآكل المجال المدني تدريجياً حتى يضيق على أي إمكانية للحياة الديمقراطية.

 

السياسة في الشارع مقابل السلطة في السجون

في إيران اليوم، لم يعد السجن مؤسسة لتنفيذ العدالة، بل تحوّل إلى أداة للحكم السلطوي، تُدار كـ "تقنية سياسية" هدفها ضبط المجتمع وإخضاعه، عبر الاعتقالات الوقائية، والأحكام الطويلة، والإعدامات التي تستخدم لترهيب الناس أكثر مما تُوظَّف لتحقيق العدالة، يسعى النظام إلى كبح الاحتجاجات، إقصاء البدائل السياسية، وإعادة إنتاج السياسة في صورة خوف وصمت وإلغاء.

وحين يصبح السجن بديلاً عن الحوار والمشاركة والعدالة، لا تُمحى الديمقراطية وحدها، بل يُفرغ مفهوم النظام الاجتماعي من معناه، ويتحوّل إلى وسيلة للبقاء عبر القمع، في مثل هذا السياق، يُعاد إنتاج "الأمن السلطوي" بتكلفة باهظة، تكلفة يدفعها المجتمع نفسه قبل أي طرف آخر، حيث يصبح مجرد الحضور في الفضاء العام مغامرة باهظة الثمن.

وفي الأنظمة السلطوية، لا يُستخدم العقاب الجنائي لمعاقبة الفرد فقط، بل يُوظَّف كأداة لإرسال رسالة إلى المجتمع بأسره، كما في إيران التي تُمارَس الإعدامات العلنية، وتُفرض أحكام طويلة على الناشطين، وتُنفَّذ اعتقالات واسعة بحق المحتجين، وهي وإن كانت تُقدَّم قانونياً كعقوبات فردية، إلا أنها في جوهرها جزء من آلة ترهيب ممنهجة تهدف إلى ترسيخ الخوف الجماعي والسيطرة على الأجساد السياسية المتمرّدة.

وإصدار أحكام بالإعدام بحق ثلاث نساء معتقلات سياسيات خلال فترة قصيرة، والحكم بالسجن لعشر أو خمس عشرة أو عشرين سنة على ناشطين مدنيين، ثم اعتقال آلاف الأشخاص بعد أسابيع قليلة من انطلاق الاحتجاجات الأخيرة، لا يعكس إرادة إصلاح أو تحقيق عدالة، بل يُستخدم لإنتاج "عبرة" للآخرين، إنها سياسة يمكن وصفها بـ "الحكم عبر العبرة"، أي تكتيك سياسي يهدف إلى قمع مسبق للاحتجاج من خلال عرض علني لكلفة العصيان.

وعند كل منعطف سياسي حاسم في إيران سواء من احتجاجات 2009 إلى 2017، ثم 2019، 2022 و2025، لا يُواجَه المجتمع بالاستجابة لمطالبه، بل يُواجَه بمسار العقاب والعنف القضائي، في هذا السياق، تُستهدف شخصيات بعينها بأحكام قاسية ومُعلنة، ليس بسبب جسامة ما نُسب إليها، بل بسبب رمزيتها في معادلة المقاومة، ولهذا تُواجَه النساء المحتجات بأحكام إعدام أو جلد تُسوَّق إعلامياً، ويُلاحق الناشطون النقابيون والطلاب والثقافيون باتهامات أمنية غامضة، فيما تُقدّم وسائل الإعلام الرسمية هذه الأحكام بلهجة "تحذير".

 

صناعة الخوف وإعادة إنتاج النظام الاستبدادي

تلجأ الحكومة الإيرانية إلى أدوات متعددة لبثّ الرعب العام؛ من الإعدامات ونشر الاعترافات القسرية وصولاً إلى الإعلان الرسمي عن تنفيذ الأحكام، وكلها تكشف أن العقوبات ليست فردية بقدر ما هي سياسية واستعراضية.

أما الأحكام الطويلة بالسجن، التي تتراوح بين عشرة وخمسة وعشرين عاماً بحق ناشطين مدنيين، تصدر في حين أن قضايا مشابهة في دول أخرى لا تتجاوز بضعة أشهر أو غرامة مالية بسيطة، أما الاعتقالات الوقائية والعشوائية، فتهدف إلى كسر سلاسل المقاومة وتفكيك التضامن الاجتماعي، فيما تُضاف إليها إجراءات تكميلية مثل المنع من السفر، مصادرة الممتلكات، والحرمان من العمل، لضمان ضغط نفسي واجتماعي دائم، وهذه الممارسات تشكّل منظومة متكاملة لإدارة الخوف، حيث يُعاد إنتاج "الأمن السلطوي" عبر تنظيم الرعب وتثبيته في المجتمع.

إصدار أحكام الإعدام بحق النساء في عام 2025 وما قبله يمثّل نموذجاً واضحاً لسياسة منهجية؛ نساء تقدّمن الصفوف الأولى في الاحتجاجات، وأظهرن شجاعة وقيادة ومبادرة، يُعاقبن بشكل رمزي ليُرسَل عبرهنّ خطاب سياسي صارم، هذه العقوبات لا تستهدف الأفراد فحسب، بل تُبنى كرسالة جماعية مفادها المرأة إذا كانت في طليعة الاحتجاج تُقصى، السياسة إذا أنتجت بديلاً تُعاقَب، والنشاط إذا اتخذ طابعاً عاماً يصبح مميتاً.

هذه الرسائل لا تُعلن في بيانات رسمية، بل تُترجم في الأحكام القضائية والتغطيات الإعلامية الحكومية، لتشكّل ما يمكن وصفه بـ "لغة القمع غير المباشرة".

وحين تُستهدف النساء الرائدات، فالأمر يتجاوز العقوبة الفردية ليصبح اختباراً للقوة موجهاً إلى المجتمع بأسره. وسيُظهر القسم الثاني من التقرير كيف أن هذه السياسة القائمة على "صناعة العبرة" تعمل على ضرب شبكات المقاومة الاجتماعية والسياسية وتفكيكها.