عمليات إعدام متواصلة في إيران... سياسة تُخفى وراء صمت العالم
في حين تستمر موجة الإعدامات والوفيات المشبوهة في السجون والضغط على النساء والسجناء السياسيين والعائلات التي تسعى لتحقيق العدالة في إيران، لا يزال غياب استجابة فعالة من المجتمع الدولي يغذي استمرار وتكثيف السياسات القمعية في السجون الإيرانية.
مركز الأخبار ـ بينما ينصبّ اهتمام العديد من الحكومات والمؤسسات الدولية على المفاوضات والتوترات الإقليمية، تشير تقارير حقوق الإنسان إلى استمرار عمليات الإعدام والوفيات المشبوهة في السجون، إضافة إلى الاعتقالات والضغوط على النساء والعائلات الساعية إلى تحقيق العدالة.
في ظل واقع انتهاكات حقوق الإنسان التي تشهدها إيران، يلتزم المجتمع الدولي صمتاً لافتاً تجاه تدهور الأوضاع، ما يمنح الجمهورية الإسلامية مساحة أوسع لاستغلال المناخ المتوتر وتكثيف القمع ضد المعارضة والمواطنين المحتجين، وخلال الأسابيع الأخيرة استمرت السلطات في تنفيذ أحكام الإعدام في عدة سجون إيرانية، حيث أُعدم 16 سجيناً في زاهدان، زابل، يزد، بيرجند، شيروان وشيراز ومراغة، بينهم عدد من أرباب الأسر وثلاثة مواطنين أفغان، وفق ما أفادت به تقارير حقوقية.
وأُعدم عدد من السجناء البلوش وغيرهم من المواطنين في سجن زاهدان المركزي في قضايا غير سياسية، وتشير التقارير إلى أن بعضهم نُقل إلى الحجر الصحي أو الحبس الانفرادي قبل يوم واحد فقط من الإعدام، واستُدعيت عائلاتهم لزيارة أخيرة.
وفي الوقت نفسه، أُعدم سجين بلوشي في سجن تاغازي، وله تاريخ يمتد لنحو ثلاثة عقود من السجن والإدانات في قضايا غير سياسية، وقد أفادت مصادر حقوقية بوجود غموض خطير في الإجراءات القضائية وتغييرات في الأحكام الصادرة في هذه القضية، كما تم إعدام ثلاثة سجناء، بينهم مواطن أفغاني، في سجن يزد المركزي، وشهدت سجون شيروان، بيرجند، مراغة وعادل آباد شيراز عمليات إعدام أخرى في الأيام الأخيرة.
تنفيذ أحكام الإعدام بحق السجناء البلوش
ولا تزال محافظة سيستان وبلوشستان واحدة من المناطق الرئيسية لتنفيذ أحكام الإعدام في إيران، وبحسب بيانات شبكة توثيق حقوق الإنسان في بلوشستان، أُعدم 143 مواطناً بلوشياً في 29 سجناً في إيران عام 2025 وحده، ووفقاً لهذه الإحصائية، أُعدم 139 شخصاً بتهم غير سياسية، وأربعة بتهم أيديولوجية وسياسية. وقد حذر نشطاء حقوق الإنسان مراراً وتكراراً من أن العديد من السجناء البلوش قد حُرموا من الوصول إلى محامٍ مستقل، وإجراءات محاكمة عادلة، ومرافق للدفاع القانوني.
وفاة في ظروف غامضة
وفي واحدة من أكثر الحالات إثارة للقلق في الأسابيع الأخيرة، توفي سجين سياسي يبلغ من العمر 57 عاماً، كان قد اعتُقل خلال الاحتجاجات التي عمت البلاد في بداية العام الجاري، السجين الذي تم اعتقاله بعد الاحتجاجات وحُكم عليه بالسجن 10 سنوات بتهم تشمل "العمل ضد الأمن القومي" و"تدمير الممتلكات العامة"، فقد حياته في ظروف لم تقدم فيها السلطات المسؤولة أي تفسير واضح لسبب وفاته.
وتشير التقارير إلى أن جثمانه سُلّم إلى عائلته بعد التأخير، وأن الجنازة أُقيمت وسط إجراءات أمنية مشددة، وقد زاد من غموض هذه القضية عدم إمكانية إجراء تشريح مستقل للجثة، وانعدام الشفافية في المعلومات، والقيود المفروضة على العائلة.
ضحايا صامتات للقمع والعنف
إلى جانب موجة الإعدامات والاعتقالات لا تزال النساء من بين الأهداف الرئيسية لسياسات الجمهورية الإسلامية القمعية، وبحسب التقارير المنشورة فقدت 21 امرأة حياتهن منذ بداية الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية نتيجة للعنف المنزلي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، كما تم إعدام سبع نساء وسُجلت سبع حالات انتحار بين النساء.
ويتم نشر هذه الإحصائيات في وقت لا تزال فيه النساء المسجونات، والناشطات في مجال حقوق المرأة، والطلاب، والصحفيون، وعائلات أولئك الذين يسعون إلى تحقيق العدالة يواجهون ضغوطًا أمنية واسعة النطاق، واستدعاءات، واستجوابات، وتهديدات، وقيودًا اجتماعية.
ويقول نشطاء حقوق الإنسان إن العديد من النساء المسجونات محرومات من الحصول الكافي على الخدمات الطبية، والتواصل مع أسرهن، والحقوق الأساسية للسجينات، وأن الضغوط النفسية والأمنية ضدهن مستمرة بشكل منهجي، كالاعتقالات والكفالات الباهظة، والضغط على عائلات أولئك الذين يسعون لتحقيق العدالة.
ومع ازدياد القمع، نُشرت تقارير عديدة عن اعتقال مواطنين في مدن مختلفة في إيران، وحذرت منظمات حقوق الإنسان في الأشهر الأخيرة من إصدار كفالات باهظة لإطلاق سراح المحتجزين، وهي كفالات أجبرت في كثير من الحالات العائلات على بيع منازلهم أو أراضيهم أو ممتلكاتهم الشخصية.
بالإضافة إلى ذلك، لا تزال التقارير تشير إلى أن نقل بعض السجناء بين السجون دون إبلاغ عائلاتهم، والاحتجاز المطول في الحبس الانفرادي، والحرمان من الزيارات، والضغط لانتزاع الاعترافات القسرية، ممارسات شائعة في الجهاز الأمني والقضائي للجمهورية الإسلامية، ولا تزال العائلات التي تسعى لتحقيق العدالة هدفاً للتهديدات والاستدعاءات والضغوط الأمنية؛ وهي عائلات لا ترغب إلا في الكشف عن الحقيقة بشأن قتل أو إعدام أحبائها.
من زاهدان إلى شيراز جغرافية القمع
وتشير التقارير المنشورة في الأسابيع الأخيرة إلى تسجيل حالات إعدام ووفيات مشبوهة وإجراءات قمعية في مدن مختلفة، بما في ذلك زاهدان، زابل، سراوان، ديزاك سراوان، نهبندان، بيرجند، شيروان، آمول، يزد، أردكان، شيراز، مراغة، أبهار، جرجان، تربات حيدرية، جلال آباد، وولاية خوست في أفغانستان، ويكشف هذا الانتشار الجغرافي أن القمع وانتهاكات حقوق الإنسان لا تقتصر على منطقة معينة، بل أصبحت جزءاً من السياسة العامة للسلطات.
صمت المجتمع الدولي
وفي ظل الوضع الذي تشير فيه تقارير حقوق الإنسان إلى زيادة في عمليات الإعدام، والوفيات المشبوهة في السجون، والضغط على النساء، وقمع العائلات التي تسعى إلى تحقيق العدالة، والانتهاكات واسعة النطاق لحقوق السجناء، لا تزال قضية حقوق الإنسان لا تحتل مكانة بارزة في المفاوضات والمناقشات الدولية مع الجمهورية الإسلامية.
ويعتقد نشطاء حقوق الإنسان أن تركيز الحكومات الغربية على الأمن والقضايا النووية والإقليمية قد همّش انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، ويعتقدون أيضاً أن الجمهورية الإسلامية تستغل هذا الفراغ السياسي والدبلوماسي لتكثيف القمع الداخلي في حين تستمر السجون الإيرانية في تنفيذ أحكام الإعدام، والضغط على السجناء السياسيين والنساء والطلاب والصحفيين والعائلات التي تسعى لتحقيق العدالة، يبقى العديد من الضحايا وحيدين في مواجهة مصيرهم دون دعم دولي فعال، وهو وضع أثار مخاوف بشأن تصعيد القمع في الأشهر المقبلة.