'مجزرة باريس جريمة سياسية تستهدف إرادة المرأة الكردية'
أصبحت ساكينة جانسيز رمزاً لحرية المرأة والمقاومة الكردية، واغتيالها مع رفيقتيها كان جريمة سياسية هدفت إلى إسكات صوت المرأة الحرة وعرقلة مسار السلام، إلا أن إرثها ما زال حياً في نضال النساء، والمطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة الجناة الحقيقيين مستمرة حتى اليوم.
هيلين أحمد
السليمانية ـ اليوم تمرّ ثلاثة عشر عاماً على اغتيال ساكينة جانسيز ورفيقتيها ليلى شايلمز وفيدان دوغان، اللواتي استُهدفن في فرنسا على يد أعداء الحرية وأجهزة الاستخبارات التابعة للاحتلال التركي.
وُلدت ساكينة جانسيز، المعروفة باسم "سارة"، عام 1958 في قرية تخته خليل التابعة لديرسم في شمال كردستان، ضمن عائلة كردية علوية نجت من مجزرة ديرسم، وهو ما جعلها تكبر وهي تحمل في ذاكرتها جراح تلك المأساة.
لم يكن تأثير ساكينة جانسيز مقتصراً على شخصيتها السياسية أو دورها في الحركة الثورية والدفاع عن المرأة، بل امتد ليشكّل تحولاً عميقاً في الوعي الاجتماعي، فقد أصبحت رمزاً مؤثراً لدى النساء في الشرق الأوسط وأوروبا، ومصدر إلهام لمسيرة نضال طويلة، ولهذا، وبعد اغتيالها، تتواصل الجهود لإحياء ذكراها واستعادة سيرتها، أملاً في تقديم المسؤولين الحقيقيين عن هذه الجريمة إلى العدالة، وإنصاف الحقيقة التاريخية لمجزرة استهدفت إرادة المرأة وصوتها.
حيث أوضحت وجدان نورالدين نجم الدين، المختصة في تاريخ الحركات النسوية والناشطة في حقوق المرأة، أنه قبل 14 عاماً استُهدفت ثلاث ناشطات سياسيات في مجزرة باريس، وفي مقدمتهن المناضلة الكردية ساكينة جانسيز ورفيقتاها، اللواتي ترك نضالهن الثوري أثراً بالغاً في وعي النساء، وخلق تأثيراً سياسياً أربك الاحتلال التركي.
وبيّنت أن ساكينة جانسيز لم تكن مجرد مناضلة سياسية، بل صوتاً للحرية ووعياً يقظاً للمرأة، ولذلك جاء اغتيالها ورفيقتيها محاولة لضرب الحركة الكردية وإسكات الصوت النسائي المقاوم في مواجهة الظلم "في عام 2013، كانت هناك مباحثات حول السلام بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، لكن اغتيال ساكينة جانسيز ورفيقتيها كان رسالة واضحة من تركيا لعرقلة أي خطوة نحو السلام".
وأكدت أن ساكينة جانسيز كانت رمزاً لتأسيس قوة حماية المرأة، القوة التي هدفت إلى تمكين النساء وتعزيز ثقتهم بأنفسهن والدفاع عن الأرض والهوية الكردية النسوية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى قوة عسكرية مستقلة عن هيمنة الرجال "استهدافها ورفيقتيها كان محاولة لضرب النساء المناضلات في مختلف البلدان، وأن هذا الواقع جعل منها رمزاً بارزاً للثورة الكردية، ولذلك تم استهدافها مع رفيقتيها بشكل مباشر لأنها كانت تمثل وجهاً صريحاً للثورة وإرادة المرأة الحرة".
وترى أن المجزرة التي ارتُكبت لم تكن حدثاً عابراً، بل جريمة مخططة استهدفت المكانة القوية التي كانت تتمتع بها ساكينة جانسيز ورفيقتيها "كان لها حضور سياسي ونضالي مؤثر في الشرق الأوسط وحتى في مراكز القرار داخل باريس، وهو ما جعلها هدفاً مباشراً للقوى الإمبريالية والفاشية".
وأوضحت أن "الجميع يدرك أن تلك الجريمة جاءت نتيجة صفقة سياسية قذرة، نفّذتها فرنسا تحت ضغط الدولة التركية وتعاونها معها، مما شكّل وصمة سوداء في تاريخ فرنسا لا يمكن محوها"، مشيرةً إلى أن وقع الجريمة امتد إلى الشرق الأوسط وفرنسا وباريس، وأن المحاكمة التي جرت لاحقاً كانت شكلية، إذ وُجهت تهم سطحية لعدد من الأشخاص وانتهت حياتهم داخل السجن، دون أن تكشف الحقيقة أو تُحاسَب الجهات الفعلية التي خططت للجريمة.
وتابعت "لم نعتبر تلك المحاكمة نهاية القضية، ولم نقتنع بأن الجناة الحقيقيين قد نالوا عقابهم، ما زلنا نطالب بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة المسؤولين الفعليين عن هذه الجريمة، سنواصل نضالنا حتى يصل المجرمون الحقيقيون إلى العدالة وينالوا العقاب الذي يستحقونه".
وشددت وجدان نورالدين نجم الدين أن ساكينة جانسيز كانت على الدوام صوتاً نقدياً جريئاً يدعو النساء إلى التفكير الواعي في مسألة السلام، مؤكدةً على ضرورة كشف سياسات المحتل وفضح ممارساته "وجود امرأة تمتلك فكراً حراً وإيماناً راسخاً بالحرية، وتعمل على انتزاع حقوق النساء ومشاركتهن في الحياة السياسية والعلمية والاجتماعية، يشكّل تهديداً حقيقياً للمحتل الذي يحمل تاريخاً طويلاً من العداء للشعب الكردي، خاصة للنساء اللواتي وقفن في مقدمة النضال".
ولفتت إلى أن الاحتلال التركي ما زال يسعى إلى القضاء على النساء الحرائر "إذا لم يستطع إسكات المرأة الكردية الثائرة فكرياً وروحياً، فإنه يلجأ إلى استهدافها جسدياً، وهو ما يعكس العقلية الذكورية الفاشية، وحتى في الانتخابات، تُبذل محاولات لإقصاء النساء المطالبات بالحرية، وخاصة اللواتي يدعمن قضية الشعب الكردي ومسار السلام، وقد رأينا كيف استُهدفت ليلى زانا، صاحبة التاريخ النضالي الكبير، في محاولة لإخماد صوتها، لكن الإرادة الكردية أفشلت ذلك".
وأشارت في ختام حديثها إلى أن ساكينة جانسيز أثبتت حتى في أحلك الظروف، قدرتها على مواجهة الاحتلال التركي "أصبحت رمزاً لثورة الرابع عشر من آب 1984، وأسست لظهور القوة الكردية المسلحة التي نرى نتائجها اليوم في إقليم شمال وشرق سوريا، كما أعادت كتابة تاريخ المرأة الكردية، وأكدت أن المرأة قادرة، في كل الظروف، على أن تعرّف العالم بقوتها، وأن النساء الكرديات نساء بطلات بكل معنى الكلمة".