مهرجان المسرح النسوي الجزائري يختتم عروضه
أسدل المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي بعنابة الستار على دورته الثامنة، التي اتجهت من العرض والمنافسة إلى مرافقة المشاريع وتطوير حضور المرأة في صناعة المسرح.
رابعة خريص
الجزائر ـ من العروض المسرحية إلى "منتدى حاملات المشاريع"، اتخذت الطبعة الثامنة من مهرجان المسرح النسوي بعنابة مساراً جديداً ركز على تطوير الأفكار ومرافقة صاحباتها نحو الإنتاج.
أسدل الستار مساء أمس الاثنين الخامس من تشرين الأول/أكتوبر، بمدينة عنابة على فعاليات الطبعة الثامنة للمهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي، التي أقيمت على مدار ستة أيام تحت شعار "آفاق"، وجمعت بين عروض مسرحية وتجارب فنية ولقاءات نقدية وورشات متخصصة، إلى جانب "منتدى حاملات المشاريع" الذي منح مساحة جديدة للكاتبات والممثلات والمخرجات لعرض أفكارهن ومناقشتها مع مختصين وأساتذة في المجال.
وكرست هذه الدورة توجهاً يتجاوز منطق الفعالية الموسمية والمنافسة التقليدية، باتجاه بناء فضاء للمرافقة والتطوير وصناعة المشاريع المسرحية، بما يعزز حضور المرأة في مختلف حلقات الإنتاج، من الكتابة والتأليف إلى الإخراج والسينوغرافيا وتسيير المشاريع.
ولم تقتصر البرمجة على العروض المسرحية، إذ أولت الدورة اهتماماً بالموروث الشفهي والذاكرة الجماعية من خلال عروض الحكواتي. واحتضن بهو المسرح الجهوي عز الدين مجوبي عرضاً للحكواتية سهام كفي، تناول قضايا اجتماعية مستمدة من الحياة الأسرية، مستعينة بالأمثال الشعبية والمأثورات القديمة لبناء الحكاية وتمرير رسائل ذات طابع توعوي.
كما قدمت الحكواتية زهرة الفل بومزبر حكاية مستوحاة من الموروث الشعبي بعنوان "الطير الحر لا طاح ما يتخبطش"، وسط تفاعل من العائلات والمثقفين، في عرض جمع بين العبرة والأداء التعبيري.
المسرح يخرج إلى الشارع
من بين الأعمال التي أثارت نقاشاً عرض "الجرح"، الذي قدم حكاية إنسانية تتمحور حول صراعات النفس وآثار الواقع اليومي، فيما عُرضت مونودراما "المتشردة" التي تناولت التهميش والاغتراب النفسي من خلال أداء فردي يعتمد على الحركة والتعبير الجسدي.
وقدم المسرح الجهوي لولاية قسنطينة عملين لافتين؛ أولهما "كرنفال روماني" للمخرجة موني بوعلام، الذي استعان بالكوميديا السوداء لتفكيك كواليس المسرح ومعاناة العاملين فيه، وثانيهما "السر والدمية" من تأليف وإخراج الدكتورة سمية بوناب، وهو عمل اعتمد الرمزية والسينوغرافيا الدلالية لطرح قضايا الاستلاب والقيود الاجتماعية.
ومن بين المشاركات الفنانة وسام ناصري، خريجة المعهد العالي لمهن فنون العرض، تخصص فن الممثل، التي قدمت مشروع "هاملت في الظل"، وهو إعادة صياغة لمسرحية شكسبير "هاملت" ضمن سياق جزائري متخيل يعود إلى سبعينيات القرن الماضي.
وتقوم الفكرة على إعادة بناء الشخصيات والأحداث وتغيير الأسماء وموقع الحكاية، بما يمنح النص الأصلي قراءة جديدة مرتبطة بالبيئة الجزائرية. وترى وسام ناصري أن تخصيص فضاء لحاملات المشاريع يمثل فرصة مهمة للفنانات، خصوصاً في ظل ما تعتبره استمراراً لبعض مظاهر الهيمنة الذكورية في مجالات الإنتاج المسرحي والسينمائي، إلى جانب ما وصفته بـ "هيمنة الأجيال".
وفي تجربة أخرى، قدمت كاتبة من ولاية سعيدة مشروعاً انتقلت فيه من الرواية إلى المسرح، من خلال تحويل عمل روائي إلى نص قابل للتجسيد فوق الخشبة. ويجمع المشروع بين الفانتازيا والأصالة والهوية والذاكرة، التي تشكل محوراً أساسياً في العمل، فيما أتاحت المشاركة لصاحبته الاحتكاك بالمختصين ومناقشة إمكانات تطوير النص مسرحياً.
من الفلسفة إلى الخشبة
وحضرت الفلسفة أيضاً ضمن المشاريع المقترحة من خلال عمل ينطلق من سؤال "من قال إن للفلسفة جنساً؟". ويبحث المشروع في التصورات التي تحصر الكتابة الفلسفية في الرجال، مستنداً إلى تجربة شخصية لصاحبته، قالت إنها تعرضت لانتقادات بسبب كونها امرأة تكتب في هذا المجال.
وشاركت كذلك وسيلة عرير، الممثلة الجزائرية المتخرجة من المعهد العالي للنقد الفني البصري، في المنتدى، معتبرة أن تخصيص فضاء للأفكار التي لا تزال على الورق يمثل مبادرة تتيح لأصحاب المشاريع تقديم أعمالهم والحصول على آراء تساعدهم في تطويرها.
نحو حضور أوسع للمرأة في صناعة المسرح
وأجمعت عدد من المشاركات على أهمية الانتقال من تقديم العروض إلى الاهتمام بمراحل ما قبل الإنتاج، باعتبارها الأساس الذي تتشكل فيه المشاريع المسرحية. وفي هذا السياق، أكدت سعيدة بن بوزيد أن الهدف من المبادرة يتمثل في تنشيط حركة الإنتاج الخاصة بالمرأة الجزائرية في مجالات الكتابة والتأليف والإخراج، معتبرة أن المهرجان أتاح فرصاً لتبادل الخبرات وتلاقح الأفكار وتعزيز حضور المرأة في صناعة القرار المسرحي.
وترى أن هذا التحول يفتح أمام المبدعات مجالات ظلت لفترة طويلة محدودة الحضور النسائي، من بينها الإخراج والسينوغرافيا ومواقع صناعة القرار.
من جهتها، سجلت الممثلة نسيبة عطوط، المعروفة فنياً باسم "سنسونة"، مشاركتها الثانية في المهرجان من خلال مسرحية "السر والدمية" للمخرجة سمية بوناب، حيث أدت شخصية "أماني"، الفتاة المتمردة التي تخالف توجيهات جدها وتدخل قبواً سرياً لاكتشاف عالم غامض من الدمى.
وتعتبر أن المهرجان يمثل فضاءً لتشجيع الإبداع النسوي، مؤكدة أهمية أن تواصل المرأة الجزائرية حضورها في المشهد الثقافي والفني وتوسع أدوارها داخله.
وبين عروض انتقلت إلى الشارع، وتجارب استحضرت الموروث الشفهي، وورشات ناقشت توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ومنتدى منح الأفكار غير المكتملة فرصة للنقاش والمرافقة، رسمت الطبعة الثامنة للمهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي ملامح مقاربة جديدة لفعل المسرح.