لقاء علمي في تونس يناقش تمثيل المرأة ودور الإعلام في تشكيلها

احتفالاً بالعيد الوطني للمرأة التونسية، شهد مركز "الكريديف" لقاءً علمياً تناول صورة المرأة في الإعلام والمجتمع، بمشاركة مختصين وباحثين، بهدف تحليل التمثلات السائدة وتطوير خطاب إعلامي يعزز حضوراً أكثر إنصافًا للنساء في الفضاءين العام والرقمي.

نزيهة بوسعيدي

تونس ـ دعت المشاركات في اللقاء إلى تطوير الخطاب الإعلامي بما يعزز حضور النساء في الفضاء الرقمي، وتنويع المحتوى السردي، ومناهضة الصور النمطية التي تعيد إنتاجها العقليات الذكورية، مع التأكيد على تظافر الجهود لضمان تمثيل منصف للمرأة في المجتمع.

في إطار الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة التونسية، نظم مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة "الكريديف"، لقاءً علمياً بعنوان "صورة المرأة في الإعلام والمجتمع: بناء التمثلات وتوجيه الممارسات"، خُصص لبحث دور الإعلام في تشكيل التصورات الاجتماعية المرتبطة بالمرأة داخل الفضاءين الإعلامي والمجتمعي، وانطلق اللقاء من وعي بأهمية الإعلام في إعادة إنتاج الصور المتداولة داخل المجتمع بما يجعل تحليل هذا الحضور وفهم آليات تشكله ضرورة علمية ومؤسساتية.

وشارك في اللقاء باحثون ومختصون من مجالات الإعلام والاتصال والعلوم الإنسانية والاجتماعية، في إطار فضاء حواري هدفه تبادل الرؤى والخبرات بين مختلف الفاعلين، وسعى المشاركون إلى تطوير الخطاب الإعلامي المتعلق بالمرأة واستشراف سبل تعزيز تمثيل أكثر إنصافاً وتثميناً لإنجازاتها ودورها الفاعل، بما يساهم في إلهام الأجيال القادمة والقطع مع إعادة إنتاج الصور النمطية أو توظيفها في الإعلام وفي المجتمع.

 

"حضور الصحفيات في الفضاء الرقمي قائم"

وقالت الصحفية والباحثة المتخصصة في رصد وتحليل قطاع الإعلام منى المطيبع، في مداخلتها بعنوان "المرأة والإعلام: تحولات الحضور والأدوار المهنية وصناعة التأثير"، إن حضور النساء في المجال الإعلامي شهد تطوراً لافتاً منذ عام 1992 وصولاً إلى عام 2025.

وأوضحت أن عدد الصحفيات سجل ارتفاعاً متواصلاً خلال هذه الفترة، إلى أن أصبح يفوق عدد الصحفيين الرجال، حيث بلغ في عام 2025 نحو 975 صحفية مقابل 824 صحفياً، ما يعكس تحولاً مهماً في تركيبة القطاع وتنامي حضور النساء في مختلف مسارات العمل الإعلامي.

ولفتت إلى أن حضور الصحفيات في الفضاء الرقمي قائم، غير أن الاستفادة منه ما تزال محدودة، إذ يظل النص الشكل الأكثر استخداماً مقارنة بالفيديوهات القصيرة والبث المباشر، كما تتركز المنشورات أساساً حول المسائل الثقافية والاجتماعية والبيئية وهي موضوعات قريبة من الحياة اليومية للمواطنين.

ورداً على سؤال من النشر الرقمي إلى التأثير، ما الذي تحتاجه الصحفيات؟ أشارت إلى ضعف استخدام الأدوات التي تتيحها الفضاءات الرقمية لتوسيع الانتشار والوصول إلى جماهير جديدة، معتبرةً أن الانتقال من مجرد الحضور الرقمي إلى صناعة التأثير يستوجب تنويع الأشكال السردية بالاعتماد على الفيديو والوسائط المتعددة، وبناء علاقة تفاعلية مستدامة مع الجمهور بدل الاكتفاء بنشر المحتوى، إضافة إلى استثمار أدوات المنصات الرقمية لزيادة الوصول والتأثير.

وخلصت القول إلى أن التحول الرقمي لا يقتصر على تغيير الممارسات المهنية في مجال النشر بل يتيح للصحفيات فرصة إعادة تشكيل ادوارهن المهنية وبناء تأثير يتجاوز حدود المؤسسة الاعلامية.

 

"هناك فجوة بين التصورات الاجتماعية وبين الواقع"

وقالت الباحثة درة محفوظ استاذة في علم الاجتماع واخصائية في الدراسات النسوية في لقاء خاص مع وكالتنا أنها "لاحظت من خلال الدراسات العديدة التي قمت بها أو شاركت في القيام بها أنه فيما يتعلق بصورة المرأة بالمجتمع التونسي هناك فجوة بين التصورات الاجتماعية وبين الواقع".

وأوضحت أن التصورات الاجتماعية تطورت تحت تأثير مجلة الأحوال الشخصية التي يتم الأحتفال بمرور سبعين عاماً عن صدورها مبينة بأن القوانين ومستوى التعليم والمحيط الدولي الواسع والتظاهرات الدولية كانت كلها عوامل مؤثرة لكن التصورات لم تتطور. 

وأشارت إلى أنه عند إجراء الدراسات يُطرح سؤال حول كيفية رؤية المرأة وصورتها في المجتمع، وفي العائلة، وفي العمل، وفي الحياة العامة، وتُلاحظ عند وضع السياسات أن الوضعية اليومية شهدت تغيراً ملحوظاً غير أن التشبث بصورة متأثرة بالنظام الأبوي ما يزال قائماً، وهو ما قد يعمّق التراتبية بين الرجال والنساء.

وأضافت أن "ما نعيشه اليوم من تحولات وظروف اقتصادية هشّة يعزز هذا التشبّث، رغم تغير توزيع الأدوار داخل الأسرة، حيث بات كثير من الرجال يتشاركون المسؤوليات المنزلية فيما تتحمل نساء كثيرات العبء الاقتصادي للأسرة".

ورداً على سؤال حول كيفية تقليص الفجوة بين الصورة الذهنية للمرأة وصفاتها المتخيّلة وبين واقعها المعاش، أوضحت أن الصور المغلوطة تحد من طاقاتها وقدرتها على خدمة نفسها والمجتمع، وذكرت مثالاً على ذلك الأحكام السائدة التي تفترض عدم نجاح المرأة في بعض المهن؛ فبرغم حضورها الواسع في الطب، تُستبعد عن الجراحة بدعوى أنها حساسة أو تخشى المخاطر، وينطبق الأمر نفسه على القضاء، حيث يُروج لفكرة أن المرأة لا تستطيع الإشراف على فريق لأنها تخجل.

وأكدت أن التاريخ يقدم شواهد عديدة على تولي النساء القيادة وتكذيب هذه الصور النمطية، غير أن المجتمع يعيد إنتاجها بفعل النظام الأبوي والعقليات الذكورية، ولا سيما في الإعلام الافتراضي، وهو ما يستوجب النضال ضد  هذا النظام برمته.

 

"الإعلام شريك استراتيجي في إعلاء مكانة المرأة"

ومن جانبها أكدت وزيرة الأسرة أسماء جابري، خلال افتتاح اللقاء العلمي، أن قطاع الإعلام شريك استراتيجي في إعلاء مكانة المرأة التونسية وتعزيز إشعاعها وريادتها، مشددةً على أهمية الالتفاف حول المشروع المجتمعي الوطني الرامي إلى بناء مجتمع متوازن، متشبث بقيمه الإنسانية، محافظ على مكتسباته الثقافية ومؤسساته الاجتماعية، ومستنير بالريادة ومتسلح بالمعرفة.

كما بيّنت دور الإعلام في دعم هذا التوجه، مؤكدةً انفتاح الوزارة على المبادرات التي تنخرط في هذا المشروع المجتمعي والقيمي وتكرس الممارسات والتمثلات الفضلى.

وبيّنت حرص الوزارة من خلال مؤسساتها تحت الإشراف من هياكل بحثية وإدارات فنية وعبر باقة من البرامجِ التوعوية والوقائيّة ذات البعد الوطني والتشاركي على مناهضة العنف والحد من السلوكات المحفوفة بالمخاطر وخاصة تلك التي تمس أمن الأطفال والنّساء وكبار السن.

واعتبرت أن الصور المتداولة في الإعلام والتي يستبطنها أفراد المجتمعِ تتجذر في ممارسات اجتماعية يصعب تغييرها وقد تقفُ حاجزاً أمام تحقيقِ الأثر المنشود من السياساتِ العُمومية في مجالِ الإدماج الاجتماعيّ والاقتصادي للنساء وتعزيز حقوقهن وتُعيق مسارات النساء وتحد من مشاركتهن في الحياة العامة ومجالات الإبداع والابتكار وريادة الأعمال.

وأكدت أن النهوض بدور قطاع الإعلام ومؤسساته في دعم صورة المرأة وتعزيز مكانتها داخل الأسرة وفي المجتمع يستدعي تظافُر جهود كافة المتدخلين من مستوى السياسات العمومية وحقول الإعلام والثقافة والإنتاج الفكري والعمل الجمعياتي.