لماذا يعد صوت النساء في زمن الحرب أمراً حيوياً؟
إن الروايات النسائية عن الحرب هي صوت الحياة وسط الدمار، وهي الشرخ الضروري الذي يزعزع السرد الرسمي والذكوري للحرب.
شيلان قاسمخاني
مركز الأخبار ـ عادةً ما تروى الحروب بلغة قوة يغلب عليها الطابع الذكوري. تروى بلغة القادة والدول والمحللين العسكريين. في هذه الروايات، تبدو الحرب سلسلة من العمليات وخطوط الجبهات وموازين القوى، لكن الحياة الحقيقية لا تختزل في هذه الإطارات. فالحرب تجري في الوقت نفسه داخل البيوت، وفي الأجساد، والعلاقات الإنسانية، وغالباً ما تظهر هذه التجارب بوضوح أكبر في روايات النساء والأطفال.
أهمية رواية النساء
وسط الأخبار المتعلقة بالهجمات الصاروخية والتحليلات العسكرية، كتبت امرأة في شبكات التواصل الافتراضي "أخاف أن أدخل الحمام وفي تلك اللحظة يسقط صاروخ فأموت. لا أريد أن يرى أحد جسدي العاري".
قد تبدو هذه الجملة القصيرة بلا أهمية في الرواية الرسمية للحرب؛ فلا مكان لمثل هذه الكلمات في التقارير العسكرية. لكن هذه العبارة البسيطة تكشف ما يُمحى غالباً من سرديات الحرب: التجربة النسائية للحرب.
فالحرب، بكل عنفها الساحق، تدفع النساء أكثر إلى الهامش، وتؤجل سماع أصواتهن إلى "وقت لاحق"؛ ذلك الوقت الذي يطيح بإنجازات الحركة النسائية التي حاولت التأكيد أن قضايا النساء ليست شأناً مؤجلاً.
وفي مجتمعات سلطوية مثل إيران، يصبح هذا التهميش أشد خلال الحرب. فالحرب لا تعزز العنف العسكري فحسب، بل تعيد إنتاج البنى الاجتماعية الهرمية القائمة. وفي مثل هذه الظروف، تكون النساء غالباً أول من يُستبعد من مركز السرد، وكأن التجربة الوحيدة الجديرة بالاهتمام هي التجربة الذكورية للقتال والبطولة.
أما الروايات التي انتشرت في الأيام الأخيرة على شبكات التواصل الافتراضي، فترسم صورة مختلفة للحرب؛ صورة لا تظهر في الخرائط العسكرية، بل في القلق اليومي الذي يعيشه الناس. في لحظات يصبح فيها انهيار نظم الرقابة والمساءلة فرصة لبعض الرجال لارتكاب العنف ضد المرأة.
فقد كتبت إحدى النساء "طليقي أخذ ابني إلى مكان آمن، ووافقت على ذلك لأنني كنت مضطرة للبقاء في المدينة والعمل، لكن بعد أيام اكتشفت أنه أعاده إلى المدينة. الآن لا يرد على اتصالاتي، وهاتف ابني أيضاً مغلق. من شدّة القلق أكاد أفقد عقلي".
هذه الرواية تكشف أنه عندما ينهار النظام الاجتماعي وتنقطع الاتصالات، يتسلل الخوف واللااستقرار والعنف إلى الحياة الخاصة أيضاً، ولا أحد يشعر بأنه ملزم بمساءلة النساء أو حماية حقوقهن وسط الحرب.
بالنسبة لكثير من النساء، ليست الحرب مجرد خوف من القصف؛ بل سلسلة من انعدام الأمن المتزامن: القلق على الأطفال، محاولة الحفاظ على الحياة اليومية، رعاية أفراد الأسرة، وفي كثير من الأحيان مواجهة عنف خفي يتفاقم في أوقات الأزمات.
في مثل هذا المناخ، يتحول جسد المرأة نفسه إلى أحد ميادين الحرب غير المرئية. والجملة التي قالتها المرأة التي تخشى الموت في الحمام تشير تماماً إلى هذا المعنى. فالجسد في مجتمعات كثيرة، ومنها إيران، يخضع دائماً للرقابة والسيطرة الاجتماعية. وحتى في الموت، تستمر هذه السيطرة: الخوف من انكشاف الجسد، من انتهاك الخصوصية، من الإذلال.
لهذا السبب تحديداً، غالباً ما تربك الروايات النسائية الصورة الرسمية للحرب. فهي تُنزل الحرب من مستوى الاستراتيجيات والقوة إلى مستوى التجربة الإنسانية المباشرة. في هذه الروايات، لا تُختزل الحرب في مواجهة عسكرية، بل تُفهم كعملية تُغير الحياة اليومية في أعمق طبقاتها.
في القراءات النسائية للحرب، يُشدد على أن السرد الرسمي لا يكتفي بتجاهل تجارب النساء، بل يروي الأحداث من موقع ذكوري يفرض نفسه باعتباره الصوت الوحيد المسموع.
أما النسوية، فتركز على أهمية السرد "من الأسفل" أي روايات أولئك الذين يعيشون الحرب كتجربة يومية ملموسة، لا كاستراتيجية سياسية. بالنسبة لكثير من النساء، تعني الحرب إدارة الحياة وسط الخراب، أي الحفاظ على البيت، رعاية الأطفال، تحمّل القلق المستمر، والسعي في الوقت نفسه للحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
وهذا ما يظهر بوضوح في الروايات القصيرة والمتناثرة التي تكتبها النساء. روايات بسيطة، قد تبدو بلا "رسالة سياسية" مباشرة، لكن قيمتها تكمن في بساطتها نفسها. فهي تكشف كيف تتسلل الحرب إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية.
الرواية النسائية... شرخ في السرد الرسمي
في السنوات الأخيرة، شهد المجتمع الإيراني حراكاً واسعاً تحت شعار Jin jiyan azadî؛ وهو شعار أبرز بشكل رمزي الارتباط بين جسد المرأة، والحياة اليومية، والحرية. واليوم، مع امتداد ظل الهجمات على المنطقة، يلوح خطر تهميش تلك المطالب مرة أخرى.
الحروب غالباً لحظات تُؤجل فيها النقاشات الاجتماعية. يُطلب من المجتمع "الوحدة" وتُهمش الأسئلة النقدية، لكن التجربة التاريخية تُظهر أن هذا التأجيل يعني في كثير من الأحيان إسكات الأصوات الأضعف؛ تلك التي يبتلعها ضجيج الحرب.
لهذا، فإن تسجيل روايات النساء عن الحرب ليس مجرد عمل أدبي أو عاطفي، بل ضرورة سياسية. فهذه الروايات قادرة على تحدي الصورة المجردة للحرب، والتذكير بأن خلف كل تحليل عسكري، هناك حيوات حقيقية.
الرواية النسائية تُترجم الحرب من لغة القوة إلى لغة الحياة. تُذكرنا بأن الحرب لا تقع فقط على خطوط الجبهات، بل تسكن البيوت، العلاقات الإنسانية، وحتى أكثر اللحظات خصوصية. وإذا كُتب تاريخ الحرب فقط بلغة الدول والجيوش، فسيكون تاريخاً ناقصاً، لأن جزءاً كبيراً من حقيقة الحرب يُسجّل في الأماكن التي نادراً ما تُرى.
وما دامت النساء يروين تجاربهن، فلن يسود الصمت تماماً؛ فكل رواية نسائية عن الحرب تُحدث شرخاً في السرد الرسمي، شرخاً يسمح برؤية الحقيقة الإنسانية للحرب من الداخل.