كيف توثق الرواية آثار النزوح وتستحضر صمود النساء؟
يُشكل الأدب المعاصر، عبر الرواية والدراسات الجندرية، مساحةً إنسانية بديلة للتقارير الحقوقية، إذ يوثق الكلفة الحقيقية للحروب والنزاعات، متتبعاً تفاصيل النزوح واللجوء، ومحولاً شهادات النساء وصدمات الأطفال المنسية من مجرد أرقام صماء إلى إدانات صارخة.
رابعة خريص
الجزائر ـ تؤكد الدراسات الجندرية وسيسيولوجيا الأدب أن الرواية المعاصرة باتت مساحة لرصد الكلفة الإنسانية للحروب والنزاعات، من خلال تتبع تفاصيل الحياة اليومية للنساء والأطفال في ظروف النزوح واللجوء، وبينما تركز التقارير الحقوقية على الأرقام والمعطيات، تذهب الأعمال الروائية إلى تفاصيل التجربة الإنسانية، وتكشف ما يرافق الاقتلاع من فقدان للأمان، وتفكك للعلاقات، ومخاطر تواجه النساء والفتيات في أماكن النزوح.
تتناول روايات وأعمال أدبية من المنطقتين العربية والإفريقية تجارب النزوح واللجوء في سياقات مختلفة، من الكونغو ونيجيريا وجنوب السودان والصومال إلى سوريا وفلسطين، مركزة على التهديدات اليومية التي تواجه النساء والأطفال في فضاءات تفتقر أحياناً إلى الخصوصية والأمان، وتفتقد المرافق المنفصلة والإنارة، بما يجعل التنقل ليلاً أو استخدام المرافق المشتركة مصدر خوف مستمر.
ولا تقف آثار هذه الظروف عند حدود الخوف من العنف أو التحرش، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.
سرديات النزوح قسراً
في مقدمة الأعمال التي تناولت أزمات النزوح واللجوء من منظور إنساني، تبرز روايات وأعمال أدبية لكتاب من القارة الإفريقية والعالم العربي، من بينها رواية "نصف شمس صفراء" للروائية النيجيرية شيماماندا نغوزي أديتشي التي تتناول آثار الحرب الأهلية النيجيرية على حياة الشخصيات، وما رافقها من خوف وفقدان واضطراب.
وتقدم الكاتبة الرواندية كليمنتين واماريا في "الفتاة التي ابتسمت للخرز" سرداً لتجربة نزوحها طفلة برفقة شقيقها الأكبر عبر سبع دول إفريقية، مستحضرة مخاطر الرحلة وتجربة اللجوء وما تركته من آثار في حياتها.
كما تناولت الكاتبة الحائزة على جائزة نوبل للآداب نادين غورديمر في أعمالها، ومن بينها "اليوم أفضل من الغد"، قضايا الشتات واللجوء السياسي ودور المرأة في الحفاظ على الأسرة.
وفي المشهد العربي، تتناول السورية سمر يزبك في روايتها "المشاءة" وكتابها التوثيقي "بوابات أرض عدم" تجارب الحرب والنزوح وآثارها على النساء، فيما ترصد المصرية ميرال الطحاوي في "بروكلين هايتس" و"أيام الشمس المشرقة" تجارب النساء المهاجرات والنازحات وما يرتبط بها من فقر وخوف وتهميش وانعدام للأمان.
أما الفلسطينية سحر خليفة، فتتناول في أعمالها الروائية، ولا سيما "باب الساحة"، التاريخ اليومي للمرأة في ظل الاحتلال والحصار، وتبرز أدوار النساء في مواجهة الظروف القاسية وبناء أشكال من الصمود اليومي.
وتتقاطع هذه السرديات الأدبية مع المعطيات الإنسانية المتعلقة بالنزوح، وتشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن النساء والفتيات يمثلن نحو 50 بالمائة من اللاجئين والنازحين داخلياً وعديمي الجنسية، فيما حذرت المفوضية من المخاطر التي تواجهها ملايين النساء والفتيات بسبب العنف القائم على النوع الاجتماعي.
صدمات الطفولة المنسية
ولا تقتصر تداعيات النزوح على النساء، بل تمتد إلى الأطفال، الذين يواجهون آثار الحرب وفقدان الأمان والانقطاع عن التعليم، إضافة إلى الضغوط النفسية والاجتماعية المصاحبة لتجارب النزوح.
وتتناول أعمال أدبية عن النزاعات في الشرق الأوسط وأفغانستان وسوريا آثار الهروب من الحرب على الأطفال، من خلال تصوير الخوف والاضطرابات النفسية ومشاعر فقدان الأمان، إلى جانب الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها الأطفال في مخيمات النزوح واللجوء.
وفي رواية "المشاءة" لسمر يزبك، تقدم الكاتبة تجربة الطفلة "ريما" وما تعانيه من اضطرابات نفسية في سياق الحرب والحصار، كما تطرح أعمال أخرى مسألة تحمل الأطفال مسؤوليات تفوق أعمارهم، نتيجة فقدان الوالدين أو تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وما قد يترتب على ذلك من ترك الدراسة والانخراط في أعمال شاقة وغير آمنة.
وفي هذا السياق، تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى وصول أعداد الأطفال النازحين قسراً بسبب الصراعات والعنف إلى 36.5 مليون طفل، بينهم 13.7 مليون طفل لاجئ وطالب لجوء ونحو 22.8 مليون طفل نازح داخلياً.
وتستحضر كليمنتين واماريا في "الفتاة التي ابتسمت للخرز" كذلك الآثار النفسية التي تلاحق الناجين من تجربة اللجوء والنزوح، وما يمكن أن تتركه تلك التجربة من أثر في علاقتهم بأنفسهم وبالمجتمعات التي يعيشون فيها لاحقاً.
تحويل الشهادات إلى إدانات
يتجاوز دور الأدب والبحوث السيسيولوجيا مجرد وصف المعاناة، ليصل إلى حفظ الذاكرة الإنسانية وتوثيق التجارب التي قد تغيب عن التغطيات التي تركز على العمليات العسكرية والتحركات السياسية والاتفاقيات.
وتكتسب شهادات النساء والناجيات أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تنقل تفاصيل العنف والنزوح والحياة اليومية خلال الحرب، وتوفر مادة يمكن للجهات الحقوقية الاستناد إليها في توثيق الانتهاكات.
وفي السودان، تعمل هيئات أممية وحقوقية على توثيق الانتهاكات التي تتعرض لها النساء والفتيات في سياق الصراع، من خلال التقارير والتحليلات المتعلقة بالنوع الاجتماعي وجمع الإفادات حول مخاطر العنف والنزوح وأعباء إعالة الأسر.
وتبرز ضمن هذه الجهود هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومفوضية اللاجئين، إلى جانب "المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي" (شبكة صيحة)، التي تعمل على تعزيز حضور النساء وأصواتهن في قضايا السلام والأمن ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلاً عن جهود بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان في توثيق الانتهاكات.
وتكشف هذه الجهود أهمية إبقاء تجارب النساء والناجيات حاضرة في السجل الحقوقي، وعدم اختزال آثار الحروب في أرقام الضحايا أو خرائط العمليات العسكرية، بل النظر أيضاً إلى ما يتركه النزاع من آثار اجتماعية ونفسية وإنسانية ممتدة.
إلى جانب التوثيق، تدرس البحوث السيسيولوجيا والدراسات الجندرية العوامل البنيوية التي تسهم في استمرار الحروب، من خلال تفكيك الخطاب الأبوي وعلاقته بالعسكرة، ورصد كيفية إقصاء النساء من مراكز القرار وحصر قضايا الحرب والسلم في أيدي القوى السياسية والعسكرية.
وفي هذا الإطار، تبرز أبحاث عالمة الاجتماع سينثيا إنلو، ولا سيما كتابها "الموز والشواطئ والقواعد العسكرية"، الذي يناقش العلاقة بين النساء والعسكرة والبنى الاجتماعية والسياسية التي تشكل أدوار الجنسين في سياقات الحرب.
وتتقاطع هذه المقاربة مع أطروحات الباحثة لورا شوبيرغ في دراساتها حول النوع الاجتماعي والحروب، والتي تتناول العلاقة بين الحرب والانتهاكات القائمة على النوع الاجتماعي، وانتقاد المقاربات التي تتعامل مع هذه الانتهاكات باعتبارها آثاراً جانبية للنزاع.
كما تستند هذه الرؤية إلى دراسات ومقاربات بحثية صادرة عن مؤسسات متخصصة، من بينها مركز أبحاث النوع الاجتماعي والسلم والأمن بجامعة "موناش"، ودراسات معهد التنمية بجامعة "ساسكس"، التي تبحث في قضايا النوع الاجتماعي والسلام والأمن وآثار النزاعات.
ومن هذا المنظور، لا يقتصر بناء السلام على وقف القتال، بل يتطلب معالجة الآثار الاجتماعية والمؤسساتية التي خلفتها الحرب، وإشراك النساء في صياغة السياسات والقرارات المتعلقة بمرحلة ما بعد النزاع.
ويشمل ذلك حضور النساء في صياغة القوانين والدساتير وإدارة الموارد الاقتصادية، بما يضمن مراعاة احتياجات المجتمع وقطاعات الخدمة العامة والرعاية، إلى جانب تعزيز دور المنظمات واللجان النسائية المحلية في إدارة المساحات المجتمعية ومخيمات النزوح ورصد الانتهاكات وحماية الأطفال وتوزيع المساعدات.
كما يبرز مسار العدالة والمساءلة والحد من العنف المجتمعي في مرحلة الانتقال من الحرب، بما يتيح معالجة آثار النزاع وعدم الاكتفاء باتفاقيات مؤقتة لوقف إطلاق النار.
وبين الرواية التي تحفظ تفاصيل التجربة الإنسانية، والشهادة التي تساهم في توثيق الانتهاكات، والدراسات التي تحاول تفسير البنى المنتجة للحرب، تتشكل مقاربة تتجاوز النظر إلى النساء والأطفال بوصفهم مجرد ضحايا للنزاعات، فإبراز تجاربهم وإشراك النساء في عمليات صنع القرار وبناء السلام يفتح المجال أمام التعامل مع آثار الحرب باعتبارها قضية حقوقية واجتماعية ممتدة، لا مجرد نتيجة مؤقتة لنزاع مسلح.