كويه... إرث معماري عريق يواجه خطر الاندثار
بين جدران الطين والحجر التي شُيدت قبل أكثر من قرن، تحتفظ مدينة كويه بإقليم كردستان، تاريخاً معمارياً وحضارياً غنياً. إلا أن العديد من بيوتها ومواقعها التراثية باتت مهددة بالاندثار، وسط دعوات متزايدة لإنقاذ هذا الإرث التاريخي والحفاظ عليه للأجيال القادمة.
شلير كويي
كويه ـ عندما يُذكر التاريخ المعماري والتطور الحضاري والعلمي في إقليم كردستان، تتصدر مدينة كويه المشهد بوصفها إحدى أهم الحضارات الثقافية والتاريخية. فهذه المدينة ليست مجرد بقعة جغرافية، بل تمثل متحفاً يحتضن إرثاً غنياً من الثقافة الكردية وفنون العمارة التي عكست عبر العقود مستوىً متقدماً من الفكر والإبداع الهندسي.
تجسد البيوت والمواقع التراثية المنتشرة في كويه هويةً حية لعصر ازدهرت فيه الهندسة المعمارية، حيث كانت الحجارة والطين تُشكل معالم حضارية شاهدة على تطور المجتمع وعمق رؤيته العمرانية. غير أن هذه الشواهد التاريخية تواجه اليوم مصيراً مقلقاً، إذ تهدم معظمها، بينما يقف ما تبقى منها على حافة الاندثار، في مشهد يهدد بفقدان جزء مهم من ذاكرة المدينة وتاريخها.
وفي حديثها لوكالتنا، سلطت المهندسة المتخصصة في التراث العمراني، هاجان نافع، الضوء على القيمة المعمارية الفريدة لهذه المباني التي شُيدت قبل أكثر من قرن، مؤكدة في الوقت نفسه ضرورة التحرك العاجل لإنقاذها من الزوال.
وأضافت "عملتُ على دراسة وترميم عدد كبير من البيوت التراثية في كويه، والتي تُعد رمزاً للهوية المعمارية للمدينة. وخلال سنوات دراستنا في جامعة كويه، كان يُطلب منا دائماً الالتزام بأعلى معايير الدقة في العمل الهندسي. وقد أتيحت لي فرصة دراسة ما يقارب مئة منزل تراثي، فاكتشفت أن تفاصيلها الهندسية وتصاميمها المعمارية كانت متقدمة للغاية، رغم أن عمر بعضها يتجاوز المئة عام. وعندما نقارنها بمنازل الحقبة نفسها في مناطق أخرى، ندرك أنها لم تكن مجرد مساكن، بل مشاريع معمارية تحمل فكراً ورؤية واضحة. ولهذا فإن انهيارها اليوم يعني خسارة ثروة حضارية لا تُقدّر بثمن".
مدينة غنية بتراثها المعماري
وأكدت هاجان نافع أن كويه تمتلك رصيداً استثنائياً من البيوت التراثية، الأمر الذي يجعل فقدانها ضربة موجعة لهوية المدينة وتاريخها. وأوضحت أن الخسارة لا تقتصر على الجانب العمراني فحسب، بل تمتد إلى فقدان جزء من الذاكرة الجماعية للمجتمع، في وقت تعمل فيه دول عديدة على تحويل مواقعها التراثية إلى متاحف وفنادق ومراكز جذب سياحي واقتصادي، بينما تتعرض هذه الكنوز في كردستان للإهمال رغم قيمتها التاريخية والثقافية الكبيرة.
وشددت على أهمية ترميم جميع المباني التراثية البارزة، مشيرةً إلى أن غالبية البيوت القديمة شيدت من الطين، في حين أن المباني الحجرية تتمتع بقدرة أكبر على مقاومة عوامل الزمن.
واستشهدت بمنزل عائلة ملاي كورە في جليزادە، مؤكدة إمكانية تحويله إلى مكتبة أو متحف ثقافي، لما يتميز به من قيمة معمارية فريدة. ويضم المنزل غرفاً بُنيت بجدران من الطين والحجر، إضافة إلى ساحة واسعة تتوسطها نافورة تعكس جماليات العمارة الكردية التقليدية. وترى أن اعتماد هذا النموذج في ترميم البيوت التراثية الأخرى سيعود بفوائد ثقافية وسياحية كبيرة على المدينة.
مواقع تاريخية تواجه خطر الانهيار
وأعربت هاجان نافع عن قلقها إزاء الوضع المتدهور لعدد من أبرز المعالم التاريخية في كويه، وفي مقدمتها مدرسة حاجي قادر التي كانت تمثل منارة للعلم والتعليم في الماضي، إلى جانب منزل نجيبة خان جليزادە، أول امرأة تلتحق بالتعليم في كردستان. وأكدت أن هذه المواقع لا تمثل مباني قديمة فحسب، بل تُجسد مراحل مهمة من تاريخ التقدم العلمي والاجتماعي في المنطقة.
وأضافت أن ترك هذه المعالم عرضة للخراب يشكل خسارة كبيرة للإرث التاريخي، مشيرة إلى إمكانية إعادة بناء مدرسة حاجي قادر وفق مخططها الأصلي وإحياء دورها التعليمي مجدداً، باعتبارها جزءاً أصيلاً من تاريخ المدينة، وأن عملية ترميمها ليست بالمهمة المستحيلة إذا توفرت الإرادة والدعم اللازمان.
وفي ختام حديثها، دعت المهندسة هاجان نافع حكومة إقليم كردستان إلى منح المواقع التراثية في كويه اهتماماً أكبر، واتخاذ خطوات عملية لحمايتها من الاندثار، مؤكدة أن هذه المعالم تمثل الركائز التاريخية والحضارية للمدينة. كما أعربت عن أملها في أن تبادر مديرية الآثار في كويه إلى تنفيذ مشاريع ترميم شاملة تعيد الحياة إلى هذه البيوت والمواقع التاريخية، وتحفظها للأجيال القادمة بوصفها جزءاً لا يتجزأ من هوية كويه وتاريخها العريق.