كرمشان… ساحة صراع على الهوية والذاكرة والرواية التاريخية

لطالما شكلت كرمشان، باعتبارها من أبرز مدن كردستان، فضاءً تتقاطع فيه مشاريع السلطة، وساحة صراع على الهوية والذاكرة والرواية التاريخية، إذ سعت القوى المختلفة إلى إعادة تشكيل رمزية المدينة بما يخدم أهدافها السياسية.

برشنك دولتياري

مركز الأخبار ـ كانت كرمشان عبر التاريخ الإيراني معضلة حدودية ـ مركزية تتجاوز الإدارة الحضرية، إذ واجهت الدول المتعاقبة خيارين ثابتين هما الاستيعاب أو التدمير وشكل هذا المنطق الإطار الدائم لعلاقة السلطة بالمدينة، التي أجبرت المركز دوماً على اتخاذ قرار مصيري تجاهها.

لا تنبع أهمية كرمشان من عامل واحد، بل هي نتاج تضافر قوى متعددة الأوجه، فبصفتها بوابة جيوسياسية بين الهضبة الوسطى وبلاد ما بين النهرين لطالما كانت جزءاً من شبكات العبور، مروراً بالطرق التجارية وتدفقات رؤوس الأموال وحركات السكان، وموقعها على حافة جبال زاغروس، بالقرب من موارد المياه والأراضي الخصبة، وموقعها في قلب حقول النفط غرب إيران جعل من كرمشان نقطة تداخل بين الاقتصاد السياسي، والجيوسياسة والأمن القومي، لكن ما يميز هذه المدينة عن غيرها من مناطق غرب إيران هو كونها أكبر مدينة كردية في جغرافية إيران، وهو موقع يحولها من "منطقة حدودية" إلى مركز محتمل للتأثير السياسي.

لذا، لم تكن كرمشان قط "هامشاً بعيداً" بالنسبة للحكومات المركزية بل لطالما اعتُبرت هامشاً قريباً بشكل خطير، هامشاً إن لم يُدمج بشكل صحيح يُمكن أن يُصبح مركزاً لأزمة ليست مجرد أزمة أمنية، بل أزمة على مستوى شرعية الدولة وهويتها وسرديتها، وبهذا المعنى يُمكن اعتبار المنطق السائد للحكومات تجاه كرمشان منطق "الاستيعاب والاحتلال" استيعاب على المستوى الخطابي من خلال إعادة تعريف الهوية واللغة والتاريخ، واحتلال على المستوى السياسي والأمني من خلال الوجود العسكري والسيطرة الإدارية وقمع التنظيم المستقل.

في هذا السياق، كان على كرمشان أن تصبح "إيرانية" و"غير كردية" في آنٍ واحد موالية ومع ذلك محرومة من إمكانية تشكيل كيان مستقل، يكمن هذا التناقض في صميم مشروع بناء الدولة في غرب إيران دولة تسعى إلى دمج مناطق داخلها، لكنها تخشى الاعتراف بالاختلاف كمصدر للسياسة، من هنا يمكن فهم سبب كون كرمشان دائماً خاضعة للاحتواء بدلاً من التنمية.

منذ عهد أسرة بهلوي الأولى، التي رسخت بناء الدولة الحديثة بالعسكرة والمركزية القسرية والتجانس اللغوي، مروراً بعهد أسرة بهلوي الثانية، التي واصلت المشروع بدمج النخب المحلية وتوجيه الخطاب بشكل أكثر مرونة، وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية التي كثّفت هذا النهج بدمجها بين التشدد الأمني ​​المزمن والتسييس الأيديولوجي، ظلت كرمشان دائماً "مشكلة" لم يكمن الاختلاف بين الأنظمة في المنطق الأساسي، بل في أساليب ممارسة السلطة وما ظل ثابتاً هو قلق الحكومة المركزية من احتمال تحول كرمشان إلى نقطة التقاء بين سياسات التحرر في كردستان والمظالم الطبقية والدينية والحضرية في غرب إيران.

لذا فإن السؤال الرئيسي هنا ليس لماذا تُعد كرمشان مهمة، بل لماذا سعت كل مشاريع القوة عبر التاريخ إلى "الاستيلاء" على كرمشان، عسكرياً واقتصادياً، والأهم من ذلك خطابياً، الإجابة على هذا السؤال تأخذنا إلى ما وراء الروايات الرسمية للدولة القومية، والتأريخ المركزي والتحليلات الأمنية الاختزالية إلى عالم لا تُعتبر فيه كرمشان موضوعاً للسياسة، بل موقعاً لكشف منطق السياسة في إيران المعاصرة.   
    
         


        

من شيعة القاجار إلى نزع الطابع الكردي عن الجمهورية الإسلامية

تُظهر علاقة الحكومات المركزية بكرمشان خلال القرنين الماضيين نمطاً ثابتاً من الاستعمار الداخلي، يتجاوز مفاهيم التهميش أو الاضطهاد، فكرمشان لم تُعامل كمجرد منطقة محرومة بل كحيز يجب استغلاله وإعادة تنظيمه ومنعه من تطوير ذات سياسية مستقلة، وقد اتخذ هذا الاستعمار أشكالاً متداخلة من الاستغلال الاقتصادي، والهندسة الديموغرافية والقمع الثقافي وتقويض الحياة الكردية، ورغم اختلاف الأنظمة المتعاقبة في خطابها، فإنها تشترك في هدف واحد دمج كرمشان قسراً في المركز دون السماح لها بإعادة تعريف موقعها داخله.

خلال العصر القاجاري، نظرت الحكومة المركزية إلى كرمشان على أنها منطقة "غير مستقرة" فهي ليست مندمجة تماماً في النظام الشيعي الإيراني ولا يمكن التنازل عنها لنفسها، وقد جعل التنوع الديني والوجود القوي للبنى القبلية والروابط الكردية العابرة للحدود، من المنطقة فضاءً بدت فيه سلطة الدولة هشة دائماً ولم يكن رد القاجاريين على هذا الوضع هو التنمية أو المشاركة السياسية بل التشيع المتعمد.

هنا لم يُنظر إلى التشيع كتجربة دينية بل كأداة للحكم، فقد أصبحت شبكة رجال الدين الخاضعين للمركز، والأوقاف، والمؤسسات الدينية، وإعادة توزيع الامتيازات الاقتصادية، آليات لإعادة صياغة الولاءات السياسية، وكانت النتيجة تهميش الأشكال المحلية للتدين الكردي، مثل اليارساني، وإضعاف الاستقلال الاجتماعي، وينبغي النظر إلى التشيع القاجاري باعتباره أول محاولة حديثة لفصل كرماشان عن الأفق التاريخي والثقافي لكردستان، محاولة لم تكن تهدف إلى الوحدة، بل إلى السيطرة من خلال التجانس الرمزي.

مع قيام دولة بهلوي، لم يتوقف منطق الاستعمار الداخلي ولم تضعف، بل ارتقى إلى مستوى أكثر تعقيداً، فقد روّج بهلوي الأول لمشروع الدولة القومية الحديثة من خلال العسكرة، والمركزية القسرية، والتجانس اللغوي وفي هذا الإطار، كان من المقرر تحويل كرمشان من فضاء كردي متعدد الطبقات إلى "مدينة حدودية موالية".

لم تكن محاولة "فارسية" كرمشان مجرد مسألة سياسة لغوية، بل كانت مشروعاً خطابياً متكاملاً شمل التعليم الرسمي والتسمية الجغرافية، والتأريخ الرسمي، والتحقير من اللهجة والثقافة الكردية، لم تُقض على اللغة الكردية فحسب بل شُوِهت مصداقيتها أيضاً، ولم يُتجاهل التاريخ الحقيقي فحسب بل أُعيدت كتابته وتشويهه، في الوقت نفسه حول التطور غير المتوازن والمركزية الإدارية كرمشان إلى فضاء تابع، مستهلك للسياسات المركزية دون القدرة على التأثير فيها.

ورغم تغيير أسلوب الحكم، حافظت سلالة بهلوي الثانية على هذا المنطق، فقد حل دمج النخب المحلية في بنية الدولة محل القمع الصريح، لكن هذا الدمج كان مشروطاً إذ كانت الولاءات مرهونة بمحو الهوية الكردية، وبهذا المعنى لم يستهدف البهلويون الاقتصاد والسياسة فحسب بل استهدفوا أيضاً أفق الخيال السياسي لسلالة كرمشان.

لا تمثل الجمهورية الإسلامية قطيعة مع الماضي، بل هي بالأحرى لحظة اندماج لمشاريع سابقة، فقد دمج هذا النظام التشيع القاجاري والفارسية البهلوية في منطق أمني أيديولوجي. في كرمشان وإيلام لم يعد التشيع مجرد أداة للاستيعاب، بل أصبح مؤشراً على الولاء الأمني، وفي الوقت نفسه يُنظر إلى أي تجسيد للهوية الكردية على أنه تهديد محتمل.

 

التنافس على الاحتلال الرمزي لكرمشان

في أواخر عام 2025 أصبحت كرمشان لفترة وجيزة مركزاً لمنافسة رمزية بين القوى الإيرانية، لم تكن مجرد ساحة للاحتجاج الاجتماعي، بل كانت ميداناً لاختبار شرعية الدولة وقدرتها على الاستمرار، وقد كشف دخول المعارضة الملكية العلني إلى هذا الفضاء عن عمق الموقف وتعقيده، منافسة على الاستحواذ على المعنى السياسي والذاكرة وليس مجرد إدارة الشوارع أو السيطرة على القمع.

من منظور النظام الملكي، تُعامَل كرمشان كرمز لإعادة بناء دولة مركزية مستقبلية، ما يرافقه إنكارٌ لهويتها الكردية والتأكيد على قمع الأحزاب الكردية، خصوصاً PJAK، بهدف تحويل المدينة إلى قاعدة سياسية خاضعة للخطاب الأيديولوجي الملكي دون أي شكل من الحكم الذاتي. أما الجمهورية الإسلامية، فتعتمد أدوات أمنية وأيديولوجية لتكريس المنطق ذاته، شيعنة الأمن، قمع القوى الكردية المستقلة، وادعاء حماية الوحدة الوطنية، ومن هذا المنظور تعد كرمشان نقطة حساسة قد يهدد استقلالها الحدود السياسية والاجتماعية للدولة.

يمثل هذا الوضع تداخلاً متناقضاً فالجمهورية الإسلامية والملكيون على الرغم من اختلافهما التاريخي والأيديولوجي يتفقان في منطق كرمشان، فكلاهما يسعى إلى إنهاء الطابع الكردي لكرمشان، أحدهما باسم الأمن والتشيع والآخر باسم إيران ووحدة أراضيها، يكشف هذا التداخل عن الأهمية التاريخية والرمزية لكرمشان، المدينة التي جعلتها روابطها الاقتصادية والثقافية والسياسية بالهوية الكردية نقطة تهديد وفرصة في آن واحد.

أصبحت كرمشان، بهذا المعنى ساحة معركة رمزية لحرب الروايات، فاحتلالها الرمزي لا يمنحها شرعية سياسية فحسب بل يسعى أيضاً إلى الحد من إمكانية أي إعادة تعريف مستقلة للهوية الكردية، وفي أواخر عام 2025 أظهر هذا التلاقي بين الضغط والتنافس أن كردية كرمشان وتاريخها الحافل بالقمع والمقاومة، وارتباطاتها بحركات التحرير، قد جعلت من الهوية الحضرية المستقلة ومقاومة الرعايا رصيداً غير مرغوب فيه للحكومات المركزية.

في الوقت نفسه، تجعل هذه المفارقة من كرمشان نقطة حساسة لكنها حيوية، فأي استيلاء على الهوية والرمزية سيُقابل حتماً بمقاومة تاريخية وسيرية من العالم الكردي، هذه المقاومة وإن تجلّت في صورة احتجاجات شعبية، إلا أنها متجذرة في بنية تاريخية وسياسية واقتصادية لن تندمج أبداً بشكل كامل مع مشاريع الاحتلال والإنكار.

         


        

مصادرة جثث الموتى كأداة من أدوات السلطة

تُظهر أحداث نهاية عام 2025 في كرمشان وإيلام كيف جرى توظيف القمع والمذبحة على مستويين متوازيين، في الشارع عبر العنف المباشر، وفي الإعلام عبر إعادة تشكيل السرد، وكما حدث خلال الانتفاضة الشعبية، حاولت المعارضة الملكية فصل الضحايا عن سياقهم الكردي والسياسي وتحويل موتهم إلى مادة تخدم روايتها، وهو ما يشكل عنفاً ثانوياً يمحو المعنى الاجتماعي للموت.

كما أن مصادرة الجثامين تُستخدم كأداة سلطة تُحول التجربة المحلية إلى رأس مال سياسي يُعيد إنتاج خطاب "الأمة الإيرانية الموحدة" على حساب التاريخ والهوية الكردية، وفي هذه النقطة يتقاطع كلٌّ من الجمهورية الإسلامية والمشروع الملكي، فكلاهما يحول استقلالية كرمشان وحركاتها المحلية إلى مورد سياسي دون الاعتراف بشرعية المقاومة الكردية أو خصوصية المدينة.

يمثل هذا الاستيلاء اعتداءً على الذاكرة الجماعية وعلى البيئة الحضرية في آنٍ واحد، فالشعارات والأجساد والفضاءات في شوارع كرمشان وإيلام تحمل بوضوح دلالات كردية ومناهضة للاستغلال، لكن السردية الملكية أعادت صياغتها في سياق عام بلا هوية إيرانية، ولا يقتصر هذا التشويه على إلحاق عنف ثانوي بالأسر والمجتمعات المتضررة، بل يسعى أيضاً إلى محو الإطار المفاهيمي للمقاومة الحضرية والهوية الكردية من صميم التاريخ الإيراني المعاصر.

يمكن اعتبار هذا الفعل مثالاً واضحاً على "استغلال الموت" أي استخدام الموتى كأداة سياسية وتبرير أيديولوجي دون أي اعتبار لواقعهم السياسي، وهنا ينحاز الملكيون في الواقع إلى جانب الدولة القمعية، إذ يحاول كلاهما بطرق مختلفة، استغلال ذاتية وديناميكيات المقاومة الكردية في كرمشان وإيلام، دون حتى الاعتراف بصياغة الشرعية والإرادة الحقيقية للشعب.
 

لماذا لا تخضع كرمشان للمصادرة؟

دخلت كرمشان وإيلام بعد الاحتجاجات الأخيرة مرحلةً يمكن وصفها بعصيان الهوية البنيوية، وهي حالة تتجاوز من منظور النظرية السياسية والفلسفة الراديكالية الأشكال الكلاسيكية للمقاومة والتمثيل، هذه الحالة هي نتاج تداخل طبقات تاريخية واجتماعية متعددة، التجربة المعاشة للفقر البنيوي والقمع المستمر، والذاكرة المزدوجة لعنف البهلوي والجمهورية الإسلامية، والتنوع الديني والثقافي، والتوتر الدائم بين الذاتية الفردية والضغوط التي تتمحور حول الدولة.

لا يملك أي من المشاريع التي تتمحور حول الدولة سواءً أكانت الجمهورية الإسلامية، بتسييسها للأمن وإضفاء الطابع الثقافي عليه، أم الملكيون بإعادة تمثيلهم الرمزي للموتى وإعادة بناء أسطورة الأمة الموحدة القدرة على استيعاب هذا الموضوع استيعاباً كاملاً، إن محاولة استيعابه لا تفشل فحسب بل تكشف أيضاً مآسي السلطة وحدود الدول وتُظهر أن الحياة السياسية في كرمشان، بمعزل عن أي مشروع سلطة، قادرة على الصمود ولا يمكن تحويلها إلى أداة للشرعية السياسية.

حتى وإن فشلت الأحزاب الكردية في تمثيل كل هذا التطرف والتوتر الهوياتي، فإن هذا ليس فراغاً، بل هو ظهور ذاتية متعددة الأبعاد وغير قابلة للتصنيف، تعجز الدول عن فهمها واحتوائها، تقدم كرمشان في سياقها التاريخي، تجربة مقاومة كونية حيوية حيث لا يمثل الفقر والقمع والتعددية الدينية والذاكرة التاريخية للعنف تهديدات، بل مصادر قوة وصمود.

من منظور فلسفي أعمق، يرمز كرمشان إلى ذاتية غير قابلة للتصرف، ذاتية لا تعدو أي محاولة لاحتجازها وإعادة إنتاجها من قبل السلطة المركزية كونها كذبة وعنفاً ثانوياً، تُظهر هذه التجربة أن الحركات المحلية والهويات التاريخية حتى وإن لم تكن مُؤطَّرة من قِبَل أحزاب رسمية أو مؤسسات سياسية، تمتلك القدرة على توليد خطوط مقاومة ومعنى ضد المشاريع التي تتمحور حول الدولة.

من منظور استراتيجي، الرسالة واضحة أي مشروع يسعى لتحويل كرمشان إلى رمز للقوة يواجه قيوداً موضوعية وهيكلية، قد تمتلك الحكومات والمعارضات قوة عسكرية أو إعلامية لكن قوة المحيط الحيوي، والذاكرة التاريخية والاستقلالية الذاتية لكرمشان تجبرها على التخلي عن أهدافها في المصادرة، يمثل هذا الوضع نوعاً من القوة الجذرية الخارجة عن السيطرة من القاعدة والتي يمكن أن تكون نموذجاً للمقاومة في أجزاء أخرى من كردستان وإيران.

أكثر من مجرد مدينة، تُعدّ كرمشان فضاءً خصباً لتدريبات السياسة في إيران المعاصرة، مختبراً تتجلى فيه بوضوح حدود شرعية الدول، من القاجارية إلى الجمهورية الإسلامية والملكية، ومع ذلك أظهرت تجربة الاحتجاجات الأخيرة أن هذه المدينة ليست مجرد مركز للمقاومة، بل هي أيضاً موقع تشكّل "ذاتية ملموسة"؛ ذاتية تُعاد إنتاجها باستمرار في الروابط الاجتماعية، والمحيط الحيوي المحلي والذاكرة التاريخية، والتجربة الجماعية، ولا يمكن حصرها في سردية أو مؤسسة رسمية.

تُظهر تجربة كرمشان أن كل محاولة للسيطرة عليها سواء من قبل قوات الأمن أو المعارضة الملكية هي شكل من العنف الثانوي الذي يسعى إلى نزع الموت والمقاومة والهوية من سياقها الحي تكشف هذه التجربة حدود السلطة المركزية وقدرة الذاتية الحضرية على الصمود رغم القمع.

وتحتاج كرمشان إلى إعادة صياغة استراتيجيات مقاومتها بوصفها نتاجاً لتاريخ اجتماعي كثيف، الفقر البنيوي، القمع المتراكم، التنوع الديني والثقافي، والروابط الكردية العابرة للحدود، هذه العناصر تشكل مصادر قوة لا يمكن انتزاعها وتؤسس لمقاومة يومية متعددة الأوجه تعتمد على الذاكرة الجماعية أكثر من اعتمادها على الشارع أو المؤسسات.

وبذلك تصبح كرمشان رمزاً لحدود شرعية الدولة ولظهور ذاتية مستقلة لا يمكن استيعابها في مشاريع مركزية، فكل محاولة للاستيلاء عليها تصطدم بمفارقة المقاومة المتجذرة في التجربة المعيشة، لا في النظريات المفروضة من الخارج، هنا يتحول الموت والهوية والمقاومة إلى أدوات لإعادة تعريف السلطة ومساحاتها.

وفي النهاية، تُظهر كرمشان أن المقاومة الحقيقية تنبع من المحيط الحيوي والذاكرة الجمعية والقدرة على إنتاج ذاتية مستقلة، قوة جذرية من القاعدة تُقيّد أي مشروع سلطوي، وتقدم نموذجاً لفهم السياسة والمقاومة في إيران وكردستان.