كرماشان... غضب متراكم ينفجر في قلب الهامش الإيراني

تشهد كرماشان، ولا سيما حي ديزل ‌آباد، موجة جديدة من الاحتجاجات التي لا يمكن اختزالها في الأزمة الاقتصادية الراهنة؛ فهي امتداد لغضب تاريخي تشكّل عبر عقود من القمع والتمييز والتهميش البنيوي.

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ لم تكن الاحتجاجات الأخيرة انفجاراً مفاجئاً، بل فوراناً لغضبٍ متراكم خرج من طبقات متداخلة من الإخفاقات البنيوية، والقمع المستمر، والفقر الممنهج، والإهانات اليومية. هذه الاحتجاجات، خلافاً لما تتصوره القوى الحاكمة، ليست مجرد ردّ فعل على الأزمة الاقتصادية؛ إنها تجل لوعي تاريخي تشكل عبر عقود من التجربة مع القمع والتمييز والإقصاء السياسي والاجتماعي والجندري.

في هذه الجولة، لم تعد الشوارع مجرد فضاء للاحتجاج؛ بل مساحة لاستعادة "حق الوجود". الجيل الذي قُمِع في 2009 و2019، يعود اليوم بذاكرة مثخنة بالجراح لكنها صلبة، النساء والطلاب والقوميات، وكل الطبقات المفقرة، يقفون هذه المرة لا كفئات منفصلة، بل في ترابط عميق وروحي واحتجاجي، تحت ضربات السلطة.

لكن الحكومة ما تزال تواجه الأزمة بالأدوات القديمة ذاتها من السجن، والإعدام، وقطع الإنترنت، والقمع الميداني، وحرب الروايات في الإعلام الرسمي. هذه الردود المتكررة ليست دليلاً على القوة، بل تعبيراً عن أزمة عميقة داخل بنية الحكم؛ دولة لا تملك القدرة على الإصغاء، ولا إرادة الإصلاح، ولا طاقة تحمل المعارضة.

وفي هذا السياق، تكشف التقارير الواردة من حي ديزل ‌آباد في كرماشان، أحد مراكز الانتفاضة الأخيرة، بوضوح حجم هذا المأزق؛ إذ ردت القوات الأمنية بإطلاق النار مباشرة على المتظاهرين وحتى على أصحاب المحال، هذا العنف السافر يحدث في بيئة مثقلة بأزمات مزمنة من البطالة، والفقر، والتمييز القومي ـ العرقي، والتهميش؛ وهي عوامل جعلت من ديزل ‌آباد رمزاً لغضب متراكم ومقاومة مستمرة، مدينة لم تعد مجرد مكان للعيش، بل مسرحاً يتكرر فيه مشهد القمع والاحتجاج مرة بعد أخرى.

وأفادت مصادر محلية ووسائل إعلام مستقلة بأنه خلال الاحتجاجات في حي ديزل ‌آباد، الواقع في القسم الجنوبي من مدينة كرماشان ومن المناطق المهمشة ذات البنية الاجتماعية الفقيرة، قامت القوات الحكومية بالتعامل مع أصحاب المحال والمتظاهرين عبر إطلاق النار المباشر، ويُعرف هذا الحي باسم "سجن ديزل ‌آباد"؛ المكان الذي سُجن فيه وأُعدم العديد من المناضلين الكرد خلال العقود الماضية، وهو ما يجعله رمزاً حيّاً للذكريات المريرة المرتبطة بالقمع السياسي في هذه المدينة.

وربما تعد زينب جلاليان أشهر وأبرز السجينات السياسيات اللواتي مررن بهذا السجن، وتعد زينب جلاليان أقدم سجينة سياسية في إيران، وإحدى الرموز النضالية لفلسفة "JIN JIYAN AZADÎ".

أصحاب المحال في ديزل ‌آباد، الذين أغلقوا متاجرهم احتجاجاً على الأزمة الاقتصادية، التضخم المتصاعد، والبطالة المزمنة، تعرضوا لإطلاق النار، وتزامنت هذه الاحتجاجات التي انطلقت في أواخر كانون الأول/ديسمبر الفائت، ما يبين أن المشكلات البنيوية الاقتصادية ‑ الاجتماعية في كرماشان، ولا سيما بين الفئات الفقيرة والمهمشة، قد تحولت إلى حركة احتجاجية شاملة.

كانت كرماشان مراراً ساحة للاحتجاج والقمع، ففي احتجاجات 2017، خرج آلاف الأشخاص إلى الشوارع مرددين شعارات ضد الفقر والبطالة والقمع، وانتهت المواجهات مع القوات الأمنية بمقتل ما لا يقل عن ٢٥ شخصاً في أنحاء البلاد، وكان لكرماشان نصيب بارز من هذه الخسائر.

كما واجهت كرماشان خلال احتجاجات 2019 موجة عنيفة من القمع، وتداولت تقارير عن سقوط قتلى وجرحى في المدينة، وفي انتفاضة عام 2022 شهدت كرماشان وضواحيها اشتباكات متفرقة بين المتظاهرين والقوات الأمنية، رغم عدم صدور إحصاءات رسمية.

واليوم، يقف المتظاهرون في كرماشان مرة أخرى في مواجهة القمع، فيما تلقي الأزمات الاقتصادية والتمييز الاجتماعي بظلالها الثقيلة منذ سنوات، لتجعل من الأحياء المهمشة خط المواجهة الأول في كل موجة احتجاج.

 

تاريخ طويل من الاحتجاجات

تُعدّ كرماشان، بوصفها أكبر مدن شرق كوردستان، مدينة ذات تاريخ طويل من الاحتجاجات الاجتماعية ومسارٍ ممتد من النضال، لكنها في الوقت نفسه من بين المحافظات التي سجلت فيها معدلات بطالة أعلى من المتوسط الوطني، ويعيش جزء كبير من سكانها في أطراف المدينة، بما في ذلك حي ديزل ‌آباد، وقد أدى هذا الواقع إلى تفاقم المشكلات الاجتماعية مثل الفقر والإدمان والجريمة، ممهداً لبيئة من السخط المتراكم منذ سنوات.

وفي مواجهة الاحتجاجات الأخيرة، انتشرت القوات الأمنية على نطاق واسع داخل المدينة، فيما تتحدث التقارير عن قطع الإنترنت، وانتشار كثيف للعناصر بلباس مدني، واستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي لتفريق المتظاهرين، ورغم هذا الضغط، يواصل المحتجون تنظيم التجمعات وإضرابات أصحاب المحال في مختلف مناطق المدينة، ولا سيما في الأحياء الجنوبية مثل ديزل ‌آباد، حيث واجه السكان إطلاق نار مباشر من قبل القوات المسلحة.

 

دیزل‌ آباد... إعادة إنتاج القمع

إنّ سجن ديزل ‌آباد في كرماشان ليس مجرد مركز احتجاز عادي؛ بل يعد أحد الأعمدة الاستراتيجية في "هندسة القمع" الإقليمية التي ينتهجها النظام الإيراني، فهذا السجن، بوصفه أكبر مركز اعتقال في غرب إيران، يلعب دوراً محورياً في إدارة التوتر البنيوي بين المركز والأطراف.

وفي البنية الأمنية للجمهورية الإسلامية، تدار سجون كرماشان وإيلام بسبب تركيبتها الإثنية والدينية، دائماً بمنطق "الأمننة"، ويُعامل سجن ديزل ‌آباد بوصفه "معسكراً انضباطياً" يهدف إلى كسر الإرادة الساعية إلى التغيير لدى النشطاء المدنيين والسياسيين.

على مدى العقود الأخيرة، كان سجن ديزل ‌آباد موطناً لطيف واسع من النشطاء، ورغم أن حصر جميع الأسماء في نص قصير أمر غير ممكن، يمكن الإشارة إلى أبرز الفئات التي تعرضت للضغط والقمع في هذا السجن، الفئة الأولى تضم النشطاء الذين حوكموا بسبب دفاعهم عن اللغة والثقافة الكردية أو بسبب عضويتهم في أحزاب معارضة، وهؤلاء تعرضوا لأقسى أشكال التعذيب. الفئة الثانية تشمل النشطاء اليارسان الذين واجهوا أحكاماً طويلة نتيجة التمييز الديني الممنهج واحتجاجهم على الإهانات الموجهة لمقدساتهم. أما الفئة الثالثة فتضم معتقلي انتفاضات 2017 حتى 2022، إضافة إلى العديد من المعتقلين المجهولين الذين خضعوا لتحقيقات قاسية في زنازين انفرادية تابعة للأجنحة الأمنية في ديزل‌ آباد.

النقطة الجوهرية هنا أنّ ديزل‌ آباد، عبر دمج السجناء السياسيين مع سجناء الجرائم الخطرة، يعتمد استراتيجية "الإذلال وخلق انعدام الأمان" لرفع كلفة النشاط السياسي في المناطق المهمّشة إلى أقصى حد. وقد كانت كرماشان، في جميع الانتفاضات الوطنية خلال العقد الأخير، واحدة من المراكز الأساسية للاحتجاجات؛ إذ تُظهر أعداد القتلى والجرحى في هذه المدينة طبيعة التعامل "الحربي" الذي ينتهجه النظام تجاه المتظاهرين في هذه المنطقة.

وفي ۲۰۱۷ كانت كرماشان من أوائل المدن التي حولت الشعارات المعيشية بسرعة إلى شعارات سياسية موجهة ضد البنية الكاملة للنظام. في تلك الفترة، استخدمت القوات الأمنية بنادق الخرطوش والغاز المسيل للدموع في الأحياء المهمشة مثل "جعفر آباد" و"دولت ‌آباد".

أمّا في "نوفمبر الدامي" عام ۲۰۱۹، فقد شكّل هذا الحدث أحلك مرحلة في التاريخ المعاصر لكرماشان، كانت الأعداد غير الرسمية للقتلى في كرماشان وجوانرو بوصفها جزءاً من المجال الاجتماعي ‑ السياسي لهذه المحافظة؛ صادمة. فقد أطلقت القوات الأمنية النار مباشرة من الرشاشات والأسلحة الحربية على رؤوس وصدور المتظاهرين. وفي ذلك العام، سجّلت كرماشان أعلى معدل للعنف الحكومي قياساً بعدد السكان.

وفي انتفاضة ۲۰۲۲ الثورية تحت شعار "JIN JIYAN AZADÎ"، تحولت أحياء المدينة إلى معاقل للمقاومة، وأصبحت شخصيات مثل مينو مجيدي رموزاً لصمود هذه المدينة. في الواقع، يكمن الفارق بين تعامل السلطة في كرماشان وتعاملها في المدن المركزية في "العسكرة الفجّة"؛ إذ تلجأ السلطة في كرماشان، بدلاً من أدوات السيطرة على الحشود، إلى مقاربة تقوم على "تصفية العدو"، وهي مقاربة متجذّرة في النظرة التمييزية تجاه القومية الكردية.

 

اقتصاد البؤس

رغم ما تمتلكه كرماشان من طاقات زراعية وتجارية وحدودية هائلة، فإنها تقبع دائماً في أسفل مؤشرات الرفاه، وفي صدارة مؤشرات البؤس، هذا الوضع ليس "حادثاً اقتصادياً"، بل "مشروعاً سياسياً" يهدف إلى إبقاء المناطق الحدودية في حالة ضعف دائم. فقد احتلّت معدلات البطالة في كرماشان، لسنوات طويلة، المرتبة الأولى أو الثانية على مستوى إيران، فيما تصل بطالة الشباب في بعض الفصول إلى نسب مرتفعة جداً. كما أنّ مؤشر البؤس أي مجموع التضخم والبطالة في كرماشان يتجاوز باستمرار المعدل الوطني، ما يعني سحق الطبقة الوسطى وانزلاق غالبية المجتمع إلى ما دون خط الفقر المطلق.

ومن زاوية الأزمات الاجتماعية، فإن معدلات الانتحار ولا سيما حالات إحراق النساء لأنفسهن بلغت مستوى الإنذار، نتيجة المآزق الاقتصادية والضغوط الثقافية ‑ المركزية. أما الانتشار المنهجي للمخدرات في الأحياء الفقيرة، فينظر إليه من قبل المنتقدين كأداة لـ "تخدير الطاقة الاحتجاجية لدى الشباب".

إن كرماشان اليوم تجسد واجهةً لفشل بنية أيديولوجية تتصادم مع مجتمع يطالب بحقوقه. فمن الزنازين الانفرادية في ديزل‌ آباد إلى الدماء المسفوكة في الشوارع، ومن الفقر المتفشي في الأطراف إلى الاحتجاجات المتكررة، تتكون صورة كاملة تظهر أن كرماشان ليست هامشاً، بل القلب النابض للمقاومة في مواجهة البنية القائمة.