خبيرات وناشطات يطالبن باستجابة إنسانية تحفظ الحقوق وتصون الكرامة

ناقشت خبيرات وناشطات نسويات تجارب الاستجابة الإنسانية لاحتياجات النساء خلال الحروب والأزمات، مؤكدات ضرورة الانتقال من تقديم المساعدات الطارئة إلى ضمان الحماية والحقوق والمشاركة في صنع القرار والتعافي وإعادة الإعمار.

نغم كراجة

فلسطين ـ لا تقتصر الاستجابة الإنسانية للنساء في مناطق الحروب على توفير الغذاء والمأوى والمساعدات، بل تمتد إلى حمايتهن من العنف والاستغلال، وإشراكهن في تحديد احتياجاتهن وصنع القرارات المتعلقة بحياتهن ومستقبلهن، وهي قضايا حضرت بقوة في تجارب نسوية عربية كشفت عن أوجه متشابهة من المعاناة، رغم اختلاف طبيعة الأزمات من بلد إلى آخر.

خلال ويبينار "ندوة عبر الإنترنت" تحت شعار "الاستجابة الإنسانية للنساء خلال الحروب والأزمات ـ تجارب"، الذي نظمه مركز شؤون المرأة في غزة أمس الخميس 5 تشرين الثاني/نوفمبر، بالتعاون مع الشبكة النسوية العربية، بمشاركة خبيرات وناشطات نسويات من فلسطين والسودان واليمن وسوريا والعراق ولبنان، حيث قُدمت مداخلات من المشاركات في عدد من البلدان عبر تقنية الاتصال المرئي (Zoom)، ناقشن خلاله التحديات التي تواجه النساء والمؤسسات النسوية في مناطق النزاع، وسبل تطوير الاستجابة الإنسانية بما يراعي احتياجات النساء وحقوقهن.

وفي مداخلتها خلال الندوة حول تجربة المؤسسات النسوية في قطاع غزة، قالت المديرة العامة لمركز شؤون المرأة، زينب الغنيمي "إن المؤسسات النسوية كانت تعمل قبل العدوان الإسرائيلي لكن الظروف التي فرضتها الحرب الأخيرة جعلت مهامها أكثر صعوبة، في ظل اتساع الاحتياجات الإنسانية وتفاقم الأوضاع التي تعيشها النساء".

وأوضحت أن الحديث عن استجابة المؤسسات لاحتياجات النساء في غزة لا يمكن فصله عن تداعيات الحرب المستمرة، وما خلفته من تدمير ونزوح وفقدان لمقومات الحياة، الأمر الذي وضع المؤسسات النسوية أمام تحديات متزايدة لمواصلة عملها والاستجابة للاحتياجات المتفاقمة.

وتبرز التجربة الفلسطينية أهمية استمرار المؤسسات النسوية في أداء دورها خلال الطوارئ، ليس فقط في الاستجابة للاحتياجات المباشرة، وإنما أيضاً في رصد التحديات التي تواجه النساء وإيصال أصواتهن والدفاع عن حقوقهن، وضمان ألا تتراجع قضاياهن تحت ضغط الاحتياجات الطارئة.

ومن السودان، عرضت منسقة برامج مبادرة نساء السلام المستدام بالقاهرة سهير مهدي، جانباً من واقع النساء خلال الصراع، مشيرةً إلى تعرضهن للتهديد والعنف والاستغلال الجنسي، إلى جانب فقدان المعيل والمنازل والمدخرات، وتشتت الأسر ونزوح النساء إلى دول مجاورة.

وتعكس هذه الظروف تعدد المخاطر التي تواجه النساء السودانيات، إذ لا يتوقف أثر الصراع عند فقدان المسكن ومصادر الدخل، بل يمتد إلى تراجع الحماية الاجتماعية وارتفاع احتمالات التعرض للعنف والاستغلال، خصوصاً لدى النساء اللواتي اضطررن إلى النزوح وفقدن شبكات الدعم الأسري.

أما في اليمن، فدعت الناشطة الحقوقية علا السقاف إلى إيجاد حلول تُساهم في إنهاء حالة الصراع واستعادة الهدوء والاستقرار، مؤكدة أهمية العمل على معالجة الأزمة بما يخفف معاناة السكان لا سيما النساء اللواتي يتحملن أعباء متزايدة نتيجة استمرار الاضطرابات وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية.

وفي سوريا، تطرقت مديرة البرامج في المركز السوري لبحوث السياسات شيرين سعيد، إلى التحديات التي واجهت الاستجابة لاحتياجات النازحين قبل الحرب وخلالها وبعدها، مشيرة إلى أوجه القصور في التعامل مع احتياجات الأسر التي اضطرت إلى الإقامة في المدارس ومراكز الإيواء، في ظل عدم جاهزية هذه الأماكن لتوفير متطلبات الإقامة والخدمات الأساسية.

 

"تبادل التجارب يفتح المجال للاستفادة"
         

 

بدورها أعربت الناشطة النسوية حنان صيام عن أهمية جمع نساء من بلدان عربية عاشت ظروفاً متشابهة مع ما تعيشه النساء في غزة، معتبرةً أن تبادل التجارب يفتح المجال للاستفادة من الخبرات السابقة في الوصول إلى التعافي "دائماً الاستعانة بتجارب الآخرين، بالتجارب المتشابهة، تسبق خطوات للتعافي، ودمج التجارب العربية في العمل مع النساء في غزة يساعد على تبادل المعرفة والاستفادة من الدروس التي أفرزتها الحروب والأزمات في تلك البلدان".

ومن العراق، أوضحت رئيسة منظمة دالك لتنمية المرأة، سوزان سفر، واقع الاستجابة الإنسانية لاحتياجات النساء في ظل النزاعات والأزمات، والتحديات التي تواجه النساء في الحصول على الحماية والخدمات، في وقت تتضاعف فيه مسؤولياتهن الأسرية والمعيشية وتتأثر قدرتهن للوصول إلى الموارد والفرص.

وتبرز التجربة العراقية كما أشارت إلى أهمية استمرار التدخلات الموجهة للنساء بعد انتهاء حالات الطوارئ، خصوصاً للناجيات من العنف والنساء اللواتي فقدن الاستقرار ومصادر العيش، إلى جانب ضرورة دعم مشاركتهن في إعادة بناء المجتمعات المتضررة، وتتوافق هذه الأولويات مع برنامج هيئة الأمم المتحدة للمرأة في العراق للفترة 2025-2029، الذي يركز على حماية النساء النازحات والناجيات من العنف المرتبط بالنزاع، وتعزيز سبل العيش والمشاركة في إعادة بناء المجتمعات.

 

من متلقية للمساعدة إلى شريكة في القرار
         

        

وفي قراءة حقوقية للتجارب المطروحة، أكدت الناشطة الحقوقية رندة قدادة أن الأوراق والنقاشات كشفت عن قواسم مشتركة بين النساء في البلدان المشاركة، رغم خصوصية الظروف في كل منها، معتبرةً أن جوهر الإشكالية يرتبط بمفهوم الاستجابة الإنسانية وطبيعة الدور الذي تمنحه للنساء.

وتساءلت "هل يجب النظر إلى المرأة باعتبارها شخصاً يتلقى إغاثة أو طرداً إغاثياً، أم يتعدى مفهوم الاستجابة ذلك ليشمل الوقاية والحماية والاشتراك والمشاركة في صنع القرار؟"، مشددةَ على أن الاستجابة ينبغي أن تنطلق من احتياجات النساء أنفسهن، لا من تقديرات المؤسسات وحدها، وأن تتحول المرأة من متلقية للخدمات إلى شريكة في تحديد أولوياتها وصياغة الحلول.

ودعت إلى تفعيل قرار مجلس الأمن رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، بما يضمن مشاركة النساء في صنع القرار وعمليات التعافي وإعادة الإعمار، إلى جانب تفعيل القرار 1820 المتعلق بالعنف الجنسي في النزاعات، في ظل تعرض بعض النساء للاستغلال الجنسي مقابل الحصول على المساعدات والخدمات.

 

"الاستجابة تكون فاعلة عندما تكون أصوات النساء حاضرة"

وخلصت النقاشات إلى ضرورة تعزيز دور المؤسسات النسوية المحلية وتوفير الموارد التي تضمن استمرار عملها خلال الأزمات، وتطوير آليات الحماية والإبلاغ عن الاستغلال والعنف، وضمان وصول النساء إلى المساعدات والخدمات بصورة آمنة تحفظ كرامتهن وحقوقهن.

كما أكدت أهمية الانتقال من التدخلات الإغاثية المؤقتة إلى برامج طويلة الأمد تشمل التمكين الاقتصادي والاجتماعي، وإشراك النساء في التعافي وإعادة الإعمار، وتعزيز التعاون وتبادل الخبرات بين المؤسسات النسوية العربية، كما دعت المشاركات إلى انشاء منصة تجمع تجارب النساء وإدارتهم أثناء الحروب والأزمات.

وتكشف التجارب التي استعرضها اللقاء أن الاستجابة الإنسانية لا تصبح عادلة وفاعلة بمجرد وصول المساعدات إلى النساء، بل عندما تكون أصواتهن حاضرة في تحديد احتياجاتهن، وتكون مشاركتهن جزءاً أساسياً من القرارات التي ترسم مستقبل مجتمعاتهن.