جينا كورجي تسلط الضوء على معاناة السجينات وأطفالهن في السجون الإيرانية

سلطت السجينة السياسية السابقة جينا مدرس كورجي في تدوينة لها الضوء على المعاناة النفسية للأمهات السجينات وأطفالهن، مستعرضةً التحديات القاسية وخيارات الحرمان المريرة التي يواجهها هؤلاء الأطفال داخل نظام السجون وخارجه.

مركز الأخبار ـ عقب سجن الناشطة المدنية منى دباغ وهي أم لطفلة تبلغ من العمر أربع سنوات في سجن النساء بمدينة سنه لقضاء عقوبة بالسجن لمدة ثلاث سنوات ونصف، نشرت الناشطة في مجال حقوق المرأة والسجينة السياسية السابقة جينا مدرس كورجي تدوينة عبر حسابها على مواقع التواصل الافتراضي "إنستغرام" تناولت فيها تأثير سجن الأم على حياة أطفالها وسلامتهم النفسية.

جاء في نص التدوينة التي كتبتها الناشطة في مجال حقوق المرأة والصحفية الكردية جينا مدرس كورجي وصفت فيها معاناة الأمهات المعتقلات في السجون الإيرانية من بينهن الناشطة منى دباغ ما يلي:

"دخلت منى دباغ مؤخراً إلى سجن النساء في سنه لقضاء عقوبة بالسجن لمدة ثلاث سنوات ونصف، وبما أنها أم لطفلة في الرابعة من عمرها، فإن فترة السجن هذه تصبح بلا شك أكثر صعوبة وقسوة، سواء على منى نفسها أو على عائلتها.

وكانت منى دباغ قد كتبت على حسابها على موقع إنستغرام 'اليوم أودع طفلتي ذات السنوات الأربع فلذة كبدي في رعاية الآخرين، وأدخل السجن بمحض إرادتي، علي أن أنتزع نفسي من بين ذراعيها الصغيرتين علي أن أمضي أياماً خالية من ضحكاتها، ألعابها، حتى إيقاع أنفاسها'.

لا أريد اختزال الثمن الذي تدفعه منى دباغ بما في ذلك سجنها في دورها كأم فحسب، ففي حالات النشطاء والسجناء الرجال، نادراً ما يتم التطرق إلى أطفالهم، ومع ذلك في هذه الحالة تحديداً تواجه منى دباغ وابنتها وعائلتها عبئاً مضاعفاً وأثقل بكثير.

تُعد تدوينة منى دباغ على "إنستغرام" تذكيراً صارخاً بقضية جوهرية داخل نظام السجون تتعلق بالأمهات وأطفالهن، وسواء تركت الأمهات أطفالهن لدى أفراد العائلة طوال فترة العقوبة أو اصطحبنهم معهن إلى داخل السجن، فإن كلا الخيارين ينطوي على تحديات وأضرار فريدة من نوعها، فظروف سجون النساء تسمح بوجود الأطفال الصغار، ومع ذلك وسواء بقي هؤلاء الأطفال مع أمهاتهم داخل السجن أو عاشوا مع أفراد من العائلة في الخارج فإنهم يعانون حتماً، فعندما يبقى الطفل مع أفراد من أسرته بينما تقضي الأم عقوبة السجن يختبر كل من الأم والطفل مشاعر جارفة من الشوق والضيق، وهي مشاعر غالباً ما تتفاقم بفعل الشعور بالذنب والقلق.

كما أن إجراء مكالمات هاتفية من داخل السجن في ظل وجود صوت آلي يكرر باستمرار: هذه المكالمة صادرة من سجن في اسم المدينة المتصل نزيل في السجن، ليس بالأمر الهين على الإطلاق إذ يجعل من شبه المستحيل إخفاء الحقيقة أو الحفاظ على انطباع بأن الأم غائبة فقط بسبب رحلة عمل أو لأي سبب آخر.

وفي غياب الأم، قد يواجه الطفل أعباءً نفسية وعاطفية كالشعور بالفقد، واحتمالية تشكل "نماذج ذهنية" مرتبطة بالرفض أو الهجر فضلاً عن تحديات أخرى مثل تضارب أساليب التربية بين أفراد الأسرة المختلفين، وثقل الأسئلة التي تظل بلا إجابة.

ومن ناحية أخرى فإن وجود طفل داخل السجن يزيد من تعقيد البيئة المحيطة، ليس فقط بالنسبة للأم وطفلها، بل للسجينات الأخريات أيضاً، خلال فترة سجني عاصرت وجود سبعة أطفال من أعمار مختلفة داخل المنشأة، لكن سجن النساء في سنه كان يفتقر إلى الكوادر اللازمة للمساعدة في رعاية الأطفال، كما خلا من وحدة مخصصة للأمهات وأطفالهن، بل إن حضانة السجن كانت مغلقة في أغلب الأحيان.

بالنسبة للأطفال في السجن، تنتهي الطفولة قبل أوانها، فهم بمعنى ما يقضون عقوبة أيضاً، إذ يقضون كل وقتهم في بيئة ضيقة ومقيدة محاطين ببالغين اتُهموا أو أُدينوا بارتكاب جرائم، وتكون فرص اللعب محدودة للغاية بينما يظلون عرضة باستمرار لأحاديث السجينات البالغات نقاشاتهن وسلوكياتهن، وهؤلاء البالغات ورغم حق الأطفال الأصيل في التعبير عن أنفسهم غالباً ما يفتقرن إلى الصبر لتحمل بكاء طفل.

وكثيراً ما كانت السجينات يعبرن عن استيائهن قائلات: 'لقد جئنا إلى هنا لنقضي عقوبتنا لا لنكون في روضة أطفال' وفي الوقت ذاته، كان هؤلاء الأطفال يذكرون السجناء بين الحين والآخر بأطفالهم الذين تركوهم في الخارج، وهو استحضار يثير مزيجاً من المشاعر الحلوة والمرة في آنٍ واحد، حتى الألعاب التي يمارسها الأطفال داخل السجن تحمل في طياتها طابع البيئة العقابية التي يعيشون في كنفها.

غالباً ما يصطحب الأهالي أطفالهم إلى المحكمة، أملاً في استدرار عطف القاضي أو المدعي، أو سعياً للحصول على حكمٍ أخف أو للتأثير بطريقة أو بأخرى على مسار الإجراءات القضائية، وفي حالاتٍ أخرى قد يكون الطفل حاضراً في اللحظة ذاتها التي أُلقي فيها القبض على والدته، ونتيجةً لذلك يعيد الأطفال تمثيل التفاعلات التي شهدوها فيقلّدون الحوارات التي دارت بين أمهاتهم ورجال الشرطة أو القضاة، أو يحاكون طبيعة العلاقات بين حراس السجن وأمهاتهم وبقية السجينات.

لقد رأيتهم مراراً يلعبون ألعاباً يتقمص فيها أحد الأطفال دور الشرطي أو القاضي، بينما يؤدي طفل آخر دور الأم، هؤلاء الأطفال يسمعون ويرون كل ما يفعله السجناء البالغون دون أي تنقية أو حجب لما يدور حولهم، وإذا ما دخلوا السجن في سن مبكرة جداً، فإنهم قد يفتقرون تماماً إلى معرفة مفاهيم مثل الثلج، أو القطط، أو الحدائق العامة، أو حتى القمر، إنهم ينشأون في ظل حرمانٍ شديد من المحفزات البصرية واللمسية والسمعية، وذلك على الرغم من سعيهم الدؤوب لضمان بقائهم على قيد الحياة".