"جنولوجيا" تناقش تأثير الخوارزميات ومعايير الجمال في نظرة المرأة لذاتها
سلطت ندوة مركز "جنولوجيا" للفكر والدراسات في مصر الضوء على خطورة خوارزميات المنصات الرقمية في تكريس العنف ضد المرأة، وتشويه هويتها البصرية، وتقبل الذات والمواجهة المجتمعية الشاملة.
مصر ـ ناقش المشاركون في الندوة تأثير معايير الجمال الافتراضية والمنظومات الاستهلاكية في ممارسة ضغوط نفسية واقتصادية حادة على النساء، وسط دعوات لتعزيز الوعي النقدي، وعدم ربط قيمة المرأة أو مكانتها الاجتماعية بجمالها الخارجي وحده، بل بقدراتها العملية والعلمية وشخصيتها.
نظم مركز جنولوجيا للفكر والدراسات في مصر ندوة بعنوان "خوارزميات المنصات وعنف المعايير الجمالية.. دراسة في العنف الرمزي وتحولات الهوية البصرية للمرأة"، أدارتها الإعلامية الليبية عفاف الفرجاني، بحضور عدد من المهتمين بالقضايا الإعلامية والاجتماعية وقضايا المرأة.
وناقشت الندوة تأثير خوارزميات المنصات الرقمية ومعايير الجمال المتداولة عبر وسائل التواصل الافتراضي على صورة المرأة عن ذاتها، في ظل الانتشار الواسع لأدوات التجميل الرقمية والصور المثالية والمحتوى الذي يعيد إنتاج نماذج محددة للمظهر، وما يرتبط بذلك من ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية.
"تقبل الذات يبدأ بالتصالح مع الوجود"
وترى الدكتورة دينا محسن رئيسة مركز الجنولوجيا للفكر والدراسات في مصر أن تناول قضايا المرأة لا ينبغي أن يقتصر على الجوانب الأكاديمية أو التخصصية، بل يحتاج إلى مدخل فلسفي يفسر جذور الظواهر وأبعادها الإنسانية، موضحةً أن لكل علم فلسفته التي لا يمكن فصلها عن موضوعه، سواء تعلق الأمر بالإعلام أو الأدب أو الطب.
وربطت تقبل الذات بفلسفة الوجود، مشيرةً إلى أن صراع الإنسان التاريخي مع الفناء ورغبته في الخلود انتقلا عبر البيئة الرقمية إلى مستوى جديد؛ فتحولا في كثير من الأحيان إلى عنف نفسي ومعنوي موجه ضد النساء من خلال التشهير والابتزاز، محذرةً من خطورة هذا العنف الذي قد يدفع الضحايا نحو العزلة والانهيار النفسي، أو حتى التفكير في الانتحار جراء الضغوط العنيفة.
وأكدت على ضرورة التوقف عن التعامل مع هذه الاعتداءات كخلافات إلكترونية عابرة، ومواجهتها كقضية إنسانية واجتماعية ملحة.
"معايير الجمال تفرض أسئلة جديدة حول صورة المرأة"
وقالت الإعلامية الليبية عفاف الفرجاني من خلال إدارتها للجلسة، إن موضوع الندوة يرتبط بتجارب النساء على اختلاف ظروفهن، سواء كن ربات بيوت أو عاملات أو أكاديميات لأنه يتجاوز الإطار النظري إلى تفاصيل الحياة اليومية وعلاقة المرأة بصورتها عن ذاتها، مؤكدةً على أهمية فتح المجال لمناقشة البحث وتحليله بصورة بناءة، بما يسمح بطرح الأسئلة حول معايير الجمال التي تروج لها المنصات الرقمية، وتأثيرها على النساء مع مراعاة الجوانب الإيجابية والسلبية للبيئة الرقمية.
"اقتصاديات الجمال تكشف أبعاداً جديدة لتأثير المنصات"
وأكدت نوجين يوسف، المديرة التنفيذية لمركز جنولوجيا للفكر والدراسات، أن فهم تأثير المنصات الرقمية على صورة المرأة يتطلب النظر إلى الأبعاد الاقتصادية والثقافية التي تسهم في تشكيل معايير الجمال وعدم التعامل مع القضية باعتبارها مرتبطة بالمظهر الخارجي فقط.
وأوضحت أن مفهوم "اقتصاديات الجمال" يفتح المجال لمناقشة العلاقة بين الرأسمالية المعاصرة والمنصات الرقمية، وكيف أصبح الجمال مرتبطاً بمنظومة استهلاكية تروج لمنتجات وخدمات تستفيد من انتشار نماذج محددة للمظهر.
العقاب الرقمي والاستبعاد الاجتماعي للمرأة
وبحثت الندوة توظيف صورة المرأة وجسدها في الإعلانات لجذب الانتباه الاستهلاكي، وأوضح المشاركون أن تكرار المحتوى والاستعانة بالمؤثرين يسهمان في تشكيل تطلعات الأفراد واختياراتهم، حتى وإن لم يتبنوا الرسالة الإعلانية مباشرة.
كما ناقش الحضور مفهوم "العقاب الرقمي" الذي طرحته الدكتورة دينا محسن، مفسرةً إياه كشكل من أشكال الإقصاء والضغط الاجتماعي الذي تتعرض له المرأة عندما يخالف مظهرها الطبيعي المعايير الافتراضية السائدة. وحذروا من التبعات النفسية والاجتماعية لهذه المعايير، والضغوط التي تفرضها على النساء لإعادة تشكيل صورتهن مما قد يؤثر سلباً على فرص قبولهن ومشاركتهن المهنية والاجتماعية.
كما طُرحت نظرية "دوامة الصمت" لتفسير خشية بعض الأفراد من التعبير عن آرائهم المخالفة للرأي السائد خوفاً من الرفض أو الإقصاء، بما يفتح المجال لمناقشة أثر الضغط الاجتماعي في تشكيل المواقف تجاه المظهر ومعايير الجمال.
الأسرة والمؤسسات المجتمعية في مواجهة الضغوط الرقمية
وامتدت المناقشات إلى تأثير الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الافتراضي على العلاقات الأسرية والتفاعل المباشر بين الأفراد، مع طرح أفكار لتعزيز التواصل داخل الأسرة، وتقليل الوقت المخصص للشاشات، وتخصيص أوقات للأنشطة المشتركة والحوار بعيداً عن الهواتف والمنصات الرقمية.
وأوصى المشاركون بضرورة تضافر جهود الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والدينية، والشبابية لتعزيز ثقة المرأة بنفسها وتقبل الاختلاف، مع التركيز على قيمتها العلمية والعملية بدلاً من مظهرها الخارجي.
كما أشارت الندوة إلى أن "الترندات" الرقمية التي تفرض أنماط حياة ومظهر محددة لإعادة تعريف النجاح، هي ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل نفسية وثقافية واقتصادية ولا يمكن اختزالها في الجانب التكنولوجي وحده.
واختتمت الندوة بالتشديد على أهمية الوعي والتعامل النقدي مع المحتوى الرقمي وتوسيع النقاش حول معايير الجمال؛ بما يضمن دعم تقبل الذات والحد من الاستبعاد والتمييز القائم على المظهر.