جنولوجيا… علم يعيد للمرأة صوتها وللمجتمع توازنه

.

مقال بقلم الصحفية المصرية أريج عرفة

في جغرافيا الأيام التي يصيبنا فيها الانطفاء وتتلاشى جذوة الشغف في دواخلنا بفعل التخبط والاستهلاك اليومي، نكون في أحوج ما نكون إلى ملاذ آمن، لم تكن خطاي التي قادتني لحضور الندوة الصحفية لافتتاح مركز جنولوجيا، مجرد حضور عابر، بل كانت انعطافه فكرية وروحية وسط حشد من نساء ورجال يجمعهم هاجس الوعي البديل، شهدتُ حواراً يُدار بأعلى درجات الرصانة والعمق، حواراً لم أشهد له مثيلاً في الأدبيات التقليدية لندوات حقوق المرأة.

هناك، وسط نساء مبهرات يتركن أثراً حقيقياً في عمق مجتمعنا، اشتعل حماسي المطفأ وتولدت بداخلي طاقة من الأمان والامتنان، طاقة أعادت تذكيري بكينونتي التي كاد العالم أن يطمسها، فأكثر ما نفذ إلى وجداني وتأصل في قلبي خلال هذه الندوة هي تلك العبارة المرأة ليست عدوة للمرأة، بل هي الملاذ الآمن لها، في عالم دأبت ثقافته الأبوية على ترسيخ سردية الصراع والغيرة النسوية للحد من قوتهن، تأتي هذه الجملة لتخلق شعوراً عميقاً بالدعم الفكري والنفسي.

إن الشكر الموصول هنا يتجاوز حدود الامتنان العابر ليصل إلى تلك القامات، إلى الأشخاص اللذين حاربوا بكل وعي وبصيرة لتأسيس هذا المركز، ليكون حصناً معرفياً يضم النساء حين يسقطن أو يتهن عن مساراتهن، مكاناً يذكرهن بـ من يكن على أرضية صلبة من العلم، والفخر، والمعرفة الراسخة.

حين نغوص في دلالة مصطلح جنولوجيا، يتجاوز الانبهار العاطفي ليدخل في حيز الدهشة المعرفية، فالكلمة مؤلفة من شقين Jin وهي تعني المرأة في اللغة الكردية (وتشترك في نفس الجذر اللغوي مع كلمة Jiyan التي تعني الحياة)، وLogy الذي يعني العلم أو الدراسة، إذن، نحن لا نتحدث عن حركة نسوية تقليدية بل نتحدث حرفياً عن علم المرأة والحياة، يسعى هذا العلم إلى تقديم منهجية بحثية وتاريخية بديلة عبر المحاور التالية: أولاً التأسيس الأنثروبولوجي (علم الإنسان) ويرى هذا العلم أن التاريخ الإنساني أُعد كتابته برؤية سلطوية أحادية احتكرت إنتاج المعرفة وأقصت دور المرأة، فالجنولوجيا تبحث في المجتمعات الأمومية الأولى حيث كانت المرأة المكتشف الأول للزراعة، والطب البديل، وحارسة السلم الاجتماعي والتواصل البشري.

يهدف العلم إلى تحرير العلوم الاجتماعية (علم نفس، واجتماع، وتاريخ) من النظرة التي ترى المرأة كـ موضوع تابع أو ضحية مستضعفة، وإعادتها كـ ذات فاعلة ومنتجة للحضارة.

الجنولوجيا لا تعادي الرجل، بل ترى أن المنظومة المشوهة قد استعبدت الرجل أيضاً بوضعه في قوالب العنف والسيطرة، بالتالي، تحرير وعي المرأة هو تحرير لبنية المجتمع بأسره، إن الدفاع الحقيقي عن المرأة اليوم لا يتأتى من تكرار الشعارات، بل من امتلاك شجاعة النقد، إننا لا نواجه اليوم تهميشاً بالمعنى التقليدي بقدر ما نواجه جهل فاقداً للوعي لمفهوم الحرية.

ومع طغيان وسائل التواصل الافتراضي (السوشيال ميديا)، تحولت قضية المرأة في كثير من الأحيان إلى مادة استهلاكية مسطحة، لقنت المرأة حريات شكلية أفرغتها من كينونتها وجوهرها الإنساني، ودفعت دون وعي إلى صراعات جندرية وهمية وحروب وجودية شرسة ضد الرجل والمجتمع، هذا الجهل المقنع بالحرية جعل المرأة تفقد بوصلتها وأصلها الثقافي والمعرفي، لتصبح أداة في ماكينة تسليع العصر بدلاً من أن تكون شريكة في صياغة الفكر ومستقبل البشرية.

من هنا، تنبع القيمة المصيرية لإنشاء مركز أبحاث متخصص في الجنولوجيا، إن هذا المركز ليس مجرد ترف ثقافي، بل هو ضرورة وبنية تحتية فكرية تحتاجها كل أنثى وكل رجل في مجتمعنا اليوم، إنه يمثل المرجع الممنهج والواعي والبحثي الذي ينتشل قضية المرأة من عشوائية الفضاء الرقمي وسلبيته، ليعيد تأسيس وعيها على أسس علمية رصينة، فوجود مرجع كهذا يمنح المرأة التوجه والوضوح، ويجعلها فخورة بهويتها المعرفية لا الاستهلاكية، إنه باختصار، المساحة الآمنة لإعادة الحياة والوعي إلى مسارهما الطبيعي القائم على التكامل الإنساني الخلاق.