حين يمزق القائد ورقة الاستسلام تولد الحرية
مقال بقلم الصحفية سيلفا الإبراهيم
في كوباني حيث يشتد الحصار وتتعالى أصوات القصف، اختار الناس الكرامة طريقاً لا حياد عنه، بين ورقة استسلام مُزّقت وإرادةٍ صلبة لم تُكسر، رسمت المدينة ملامح مرحلة جديدة تؤكد أن الحرية ليست خياراً مؤجلاً، بل قراراً يُنتزع مهما اشتدت العتمة وتكاثرت التهديدات.
لم تأبى كوباني بالحصار رغم حدته واستقبلت 200 ألف نازح، وخصصت لهم مراكز للإيواء، ورغم الحصار ونفاذ أبسط مقومات الحياة لم يطالب النازحون في مراكز الإيواء المساعدات ولا السلال الغذائية، بل طالبوا بحياة كريمة وعودة آمنة لمنازلهم، وحقوق محفوظة في الدستور بعد المعاناة التي عاشوها من حروب مستمرة والتضحيات التي قدموها، خلال سنوات الثورة.
مدينةً شهيقها مقاومة وزفيرها حياة تحت ركامها ردم أحلام العثمانيين وتشهد أحجارها المحطمة على الملاحم البطولية التي قادتها عاشقات الأرض عدولة وزين العصر، درويشها كوباني وممها مشتنور حيث وحدت أرين فيها جسدها مع حبات رمالها، مدينة تمتلك مزاراً أكبر من المدينة ذاتها، ترقد فيها كردستان المتمثلة بأبنائها وبناتها، كردستان المجزأة إلى أربعة أجزاء جمعتها كوباني في لوحة مقاومة وشهادة ونصر، حطمت على أسوارها الغزاة أصحاب الرايات السود.
في التصعيد الأخير الذي استهدف مناطق شمال وشرق سوريا كانت لمدينة كوباني حصتها من هذه الهجمات التي هدفت لإنهاء مشروع الأمة الديمقراطية وإبادة الشعب الكردي ودفن قضيته قرناً أخر، رغم أن قوات سوريا الديمقراطية، اختارت الحوار طريقاً للسلام إلا أن تجاوز الاتفاقيات والغدر صفة عرف بها جهادي هيئة تحرير الشام، فكان الاختراق الأول لاتفاقية 1 نيسان/إبريل الذي كان يخص حيي الشيخ مقصود والأشرفية الغنية عن تعريف نتائجها التي انتهت بانتهاكات ترتقي لجرائم حرب وتهجير سكانها وارتكاب المجازر بحق من تبقى فيها.
واتفاقية 10آذار/مارس التي انتهت بتصعيد عسكري هدفت لتعزيز الطائفية بين مكونات المنطقة عبر تحريض العشائر العربية على الشعب الكردي، والآن المدن التي كان يعيش فيها الكرد والعرب منذ قرون شبه خالية من الكرد، بعد أن هجروا قسراً تحت تهديد السيف والقتل، الآن معظمهم يعيشون في مراكز الإيواء بمدينة كوباني ومقاطعة الجزيرة، ومن تربص بالأرض سالت دمائه وأنفصل رأسه عن جسده والأحياء منهم تحت الضغط والتهديد، وبدأ التصعيد الأخير بطعن اتفاقية دير حافر، الذي كان ينص على انسحاب قوات سوريا الديمقراطية إلى شرق الفرات إلا أن الجهاديين واصلوا هجماتهم بأوامر تركيا إلى أن وصلوا إلى أسوار كوباني والحسكة، تجنبت قوات سوريا الديمقراطية المواجهة حقناً لدماء، ورافقت هذه الهجمات تنشيط لخلايا مرتزقة داعش وتهريب معظم عائلات داعش في مخيم الهول والمرتزقة في سجون الشدادي.
وتعرضت أكثر من 80 قرية في ريف كوباني التي دخلها جهاديي هيئة تحرير الشام للسرقة والنهب بعد أن نزح معظم سكانها قسراً، فيما تم قتل وإذلال من تبقى فيه، ومن كان يحاول العودة إلى قريته يواجه الرصاص الحي.
ومن أجل إيقاف الهجمات ألتقى الجنرال مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية بالرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع "الجولاني" وقدم خلاله لقائه بنود اتفاقية 18 كانون الثاني/يناير والتي تنص بنوده على إجهاض ثورة روج آفا إلا أن مظلوم عبدي رفض الاتفاق بعد تمزيقه لورقة الاتفاق قائلاً "سأموت بشرف ولن أبيع شعبي وكرامتي، وسأذهب إلى روج آفا وأعلن الحرب"، حاول الجولاني بذلك فرض استسلام مخيراً شعوب المنطقة بين الإبادة والخضوع، إلا أن الشعب رحب بموقف قوات سوريا الديمقراطية من هذه السياسة الممنهجة وحملوا السلاح تلبيةً لنداء النفير العام لمساندة القوات في قراهم وأحيائهم، وبين ذلك موقف الأهالي من هذه الإبادة بإيمان راسخ أن كوباني التي هزمت داعش في 2014 ستهزم أشقائها أيضاً، واشتدت الهجمات بمساندة تركيا، وارتكبت طائرتها مجازر بحق عائلات كاملة في خراب عشك والقاسمية، ورافق ذلك حصار خانق على مدينة كوباني، حيث قطع الجهاديين الماء والكهرباء وشبكة الإنترنت والحركة التجارية والأدوية جميعها عن كوباني.
لم تأبى كوباني بالحصار رغم حدته حيث استقبلت 200 ألف نازح من كرد مدن الرقة والطبقة وعين عيسى ومخيم تل سمن الذي كان يأوي نازحين تل أبيض/كري سبي، فضلاً عن نازحين أرياف كوباني التي كانت تحاذي خطوط التماس، وتحولت المدارس ورياض الأطفال إلى مراكز إيواء، وهذا ما حرم 72 ألف طالب من العملية التعليمية.
وقد فقد في أولى أيام الحصار خمسة أطفال لحياتهم نتيجة البرد القارس ونفاذ الأدوية في المراكز الصحية، خصوصاً أدوية الأمراض المزمنة، كمرض السكري، والضغط والقلب، إلى جانب غسيل الكلى، والسرطان.
رغم الحصار ونفاذ أبسط مقومات الحياة لم يطالب النازحون في مراكز الإيواء المساعدات ولا السلال الغذائية، بل طالبوا بحياة كريمة وعودة آمنة لمنازلهم، وحقوق محفوظة في الدستور بعد المعاناة التي عاشوها من حروب مستمرة والتضحيات التي قدموها، خلال سنوات الثورة.
وخلال أيام الحصار توجهت الشحنات المحملة بالأغذية من أهالي شمال كردستان، وإقليم كردستان والأمم المتحدة والصليب الأحمر إلا أنها لم تغطي احتياجات الأهالي والنازحين في المدينة، وشدد الأهالي بأنهم ليسوا بحاجة للمساعدات بقدر حاجتهم لرفع الحصار على المدينة وعودة الحركة التجارية إليها، ودخول الأدوية وحليب الأطفال إليها.
بعد المقاومة التي أبداها الأهالي والإصرار على الدفاع وعدم الرضوخ لشروط الجهاديين وفرض الاستسلام تحت مسمى اتفاقية بهدف إجهاض ثورتهم وتجربتهم في إدارة المدينة وحمايتها، اضطروا على إبرام اتفاق أخر في 29 كانون الثاني/يناير بما يتناسب مع تطلعات الكرد في روج آفا، إلا أن حكومة دمشق المؤقتة لا تزال تتماطل في تطبيق بنود الاتفاق، ولا تزال مدينة كوباني تحت حصار خانق رغم أن بنود الاتفاق تنص على رفع الحصار.
ولأن الكرد فقدوا ثقتهم بما تسمى بالحكومة المؤقتة بعد طعنهم بجميع الاتفاقيات التي ابرمت سابقاً بين الطرفان، لا يزال الأهالي يتناوبون على حماية أحيائهم، ويبقون يقظين في ساعات الليل تحسباً لأي خطر محدق قد يهدد حياتهم لحين تنفيذ جميع بنود الاتفاق.