حين تتحول جديلة الشعر إلى مقاومة

مقال بقلم عضوة جنولوجيا في لبنان والشرق الأوسط آلاء فرح 

في خضم الأحداث المتسارعة التي يعيشها الكرد اليوم، حيث تتشابك السياسة بالصراع، وتطغى لغة القوة على أي حديث آخر، غالباً ما يتم تجاهل جانب بالغ الأهمية من القضية الكردية: الهوية الثقافية، وتحديداً الرموز الصغيرة التي تحمل في طياتها معنى البقاء والمقاومة.

من بين هذه الرموز تبرز "جديلة الشعر(الضفيرة) بوصفها أكثر من مجرد مظهر تقليدي. إنها علامة انتماء وذاكرة جماعية حية، وجزء من سردية شعب يحاول الحفاظ على ذاته في وجه محاولات الطمس المستمرة. عندما نتحدث عن ضفيرة الشعر الكردية فنحن لا نتحدث فقط عن طريقة لربط الشعر أو تجميله، بل عن لغة صامتة كانت النساء الكرديات يتحدثن بها عبر الأجيال. ضفيرة تحمل في خيوطها معنى الانتماء والأنوثة والصبر وحتى المقاومة أحياناً.

ما يواجهه الكرد اليوم لا يقتصر على النزاعات العسكرية أو التهميش السياسي، بل يمتد ليشمل الإنسان في تفاصيله اليومية: لغته، لباسه، عاداته وحتى شكله الخارجي. وفي هذا السياق تصبح الضفيرة الكردية تعبيراً صامتاً "لكنه عميق" عن الرفض؛ رفض الرضوخ ورفض التخلي عن الجذور وكل ما يعبر عن الهوية.

لطالما كانت الضفيرة حاضرة في الحياة، تجدل في البيوت، وترافق النساء والأطفال والرجال على حد سواء. ومع تغير الأزمنة، لم تفقد معناها، بل ازدادت رمزيتها، فهي اليوم تمثل إصراراً على الاستمرار وتذكيراً بأن الهوية لا تمحى بقرار، ولا تكسر بسهولة.

إن الحفاظ على مثل هذه الرموز لا ينبغي النظر إليه بوصفه حنينا للماضي، بل كجزء من معركة الوجود نفسها. فالرموز الثقافية ليست ترفاً، بل عنصراً اساسياً في حماية الذاكرة الجماعية. وعندما تستهدف هذه الرموز أو يستهان بها، فإن ذلك يمهد الطريق لطمس أوسع وأعمق.

الضفيرة الكردية ببساطتها تقول ما تعجز عنه الخطابات السياسية الطويلة. إن هذا الشعب مازال حاضراً وما زال يعرف من هو. ربما لا تغير الضفيرة موازين القوى، لكنها تحفظ ما هو أهم من ذلك "الهوية".

في زمن تتغير فيه الخرائط وتعاد صياغة الروايات، تبقى هذه التفاصيل الصغيرة شاهداً على أن الكرد لم يكونوا يوماً مجرد هامش في التاريخ، بل أصحاب قصة مازالت تكتب.

في بلد حاولت الحرب أن تفكك كل شيء من العلاقات إلى الذاكرة، بقيت الضفيرة الكردية شاهداً صامتاً على أن الهوية ليست شعاراً يرفع فقط، بل ممارسة يومية صغيرة، تبدأ من اليد التي تمسك الشعر، وتنتهي في القلب الذي يرفض أن ينسى.

بالنسبة لي، كلما رأيت ضفيرة كردية، شعرت بأنها تشبه سوريا نفسها: خيوط كثيرة، متداخلة، بعضها مشدود أكثر من اللازم، بعضها مرتخ من التعب، لكنها في النهاية ضفيرة واحدة. قد تتشعث أحياناً، قد تحتاج إلى إعادة ترتيب، لكنها لا تفك بسهولة.